سهام ناصر: المبدعة، الشغفة، "الرهيبة"

سهام ناصر: المبدعة، الشغفة، "الرهيبة"

حين تعرّفت على سهام ناصر، كنت لا أزال طالبة. في الواقع، لا أعلم إن كنت الآن أتخيل الأمر أم لا... أعتقد أن المرة الأولى التي رأيتها فيها كانت حين كنت أقدّم مشهدي في امتحان الدخول إلى المعهد. كان الفرع الأول لمعهد الفنون الجميلة آنذاك في مبنى مقابل صخرة الروشة وكنا نتمرن على مشاهدنا المسرحية في المرآب قبل أن يتمّ امتحاننا. وكانت سهام هناك.

أستطيع أن أرى عينيها الثاقبتين وصمتها ضمن اللجنة حين ذكرتُ في مشهدي عبارة "عندك واسطة" وسط تجهم وجه رئيس القسم آنذاك شوقي جمزة الذي قام بتوقيف مشهدي وهو يرمقني بطرف عينه مخفياً ابتسامة على طرف شفتيه. منذ وطأت أقدامنا معهد الفنون الجميلة، كانت تتمّ تهيئتنا للقاء سهام ناصر وتحذيرنا من طباعها بعباراتٍ شبيهة بـ"المرأة التي تبث الرعب"، "الرهيبة التي لا ترحم طلابها على الخشبة"، "ما في مزح معها"، "لا تضع علامات جيدة"، "طبعها غريب"، "سخريتها لاذعة"، "قاسية"، "عنيفة".

كل هذه الجمل كانت تستقطَع بـ"ولكن" لتُستَكمَل عباراتٌ أخرى تتحدث عن طيبة قلبها وعن جديتها في العمل وعن مهارتها الاستثنائية في صقل الطلاب وعن عملها الفني... ولكن آنذاك، وأنا أتمرن في المرآب، لم يكن يعلق في ذهني إلا الرعب والترهيب الممزوجين بحماسة للاحتكاك بهذا الكائن الغريب في حال تمّ قبولي. لعلّه الرعب من فكرة عدم القبول في المعهد اختلطت مع صورة سهام فبدت هي أيضاً رهيبة ومرعبة.

في السنة الدراسية الأولى، لم تحظ دفعتنا بالتتلمذ على أيدي الأستاذة الرهيبة إلا أن هنالك لحظة أذكرها جيداً حين أنهينا تحكيم الفصل الأول. اقتربت مني وسألتني دون أي تمهيد "إنتي بتكوني واعية شو عم تعملي لما تكوني عالمسرح؟ ولا بتنسي حالِك؟". هكذا كانت سهام.

تجول في الردهة بسيجارتها وترمق كل ما يحيطها بتلك النظرة لتقتنص الوقت المناسب لتتوجه إلى طالبٍ من طلاب المعهد بسؤال خارج سياق اللحظة. هي أيضاً تشعرك أنها خارج اللحظة. لا لشيء إلا لأنها تسعى لالتقاط كل هذه الإشارات الجامد منها والحيوي، التي تتحرّك وتنطق وتتنهد وتتنفس لتوظفها في مكانٍ ما في ذهنها. حذرة سهام. حذرة جداً. هي كذلك على الصعيدين الشخصي والفني.

لدى عودتها إلى التعليم في لبنان بعد إنهاء تخصصها في الخارج، فضلت سهام قبل أن تنطلق بأي عمل خاص بها أن تحوّل مساحة الدراسة في الجامعة اللبنانية إلى مختبرٍ جامعي لها ولتلامذتها.

تقاطعت مع رئيف كرم وعملت معه في الثمانينيات وعاونته في عمل طواف مسرحي حيث اجتمع 200 فنان وراقص وطافوا في المدينة بمحاذاة شوارع القتال في بيروت الحرب الأهلية ثم كانت مخرجاً ثانياً في عمل رئيف الذي حمل  عنوان "تقاسيم في فصول الحرب" أو ما يُعرف بـ"رشاشة طايسة" (وهو لعب على عبارة "رصاصة طايشة”).

أقوال جاهزة

شارك غردهي امرأة شغفة بالتجريب وكسر السائد. أرادت على حد قولها في عملها الأخير "كلن هون" (2004) أن تكون عنيفة لجهة كسر توقعات الجمهور متعمدّةً أن تحدث صدمةً. فأي عمل بالنسبة لها هو طريقٌ آخر.

شارك غردضحكتها صاخبةــ صاخبة جداً ــ وفي صوتها شهقة: تشهق عندما تُعجب بالشيء، وتشهق عندما تتفاجأ، وتشهق عندما تحزن

وانتظرت أكثر من عام لتقدّم عملاً آخر بعد أن قدمت عملها الأول "الجيب السري" (1992) الذي حاز على جائزة أفضل عمل متكامل في مهرجان القاهرة التجريبي. تقول في مقابلة لها في صحيفة الغد أنها تأنّت قبل تقديم عملها الثاني "ميديا...ميديا" مخافة أن تكرّر نفسها.

هي امرأة شغفة بالتجريب وكسر السائد. أرادت على حد قولها في عملها الأخير "كلن هون" (2004) __الذي حاز أيضاً على جائزة أفضل عمل بالمناصفة مع  "بامبي 8" للهولندية فان دير كلين – أن تكون عنيفة لجهة كسر توقعات الجمهور متعمدّةً أن تحدث صدمةً في عملية تلقي هذا الأخير. فأي عمل بالنسبة لها هو طريقٌ آخر.

ينطبق هذا الأمر على الحصص التطبيقية التي كانت تعطيها في مادة التمثيل: أربع ساعاتٍ متواصلة مع سهام لمرتين في الأسبوع مع ساعات إضافية، عند نهاية كل فصل.

هنالك أيامٌ أوشكنا فيها على النوم في المعهد لولا احتجاج أبو علي الناطور. وفي الصباح حين كانت  تدخل دون إلقاء التحية، كانت تلقي علينا الجملة ذاتها بالنبرة الساخرة ذاتها: “يلللااااا يا حلويينننن...طلعوا على المسرحححح".

وعندما تطأ أقدامنا الخشبة يبدأ كل منا باتخاذ وقفة الصفر حتى تعجن بنا سهام عجناً. التمارين مع سهام هي طقوس تتيح لكل ممثل أن يتفلّت من كل الحواجز وأن يترك نفسه للمجهول دون خوف، مشرّعاً احتمالات الخيال واللاوعي. كل حصة كانت بمثابة اكتشاف لنا ولها. كنا نذهب إلى الفراغ بملء إرادتنا. أحببناه.. كانت تصرخ بنا وهي تمشي إلى الأمام ثم ترجع إلى الخلف دون أن تترك عينيها الخشبة...”عبوا الفراااااغ...عبوا الفرااااغ....ضبلّي كرشك يا باسلللل....منى مرعي كتافك لورا...شووووو يا فتكات حسنييي...بظاظا مشي مع الإيقاع يا بظاظااااااا". 

كانت سهام تنغّم كلامها وتمطّه كما لو أنها كانت تمدّ زمن التهكمّ رديفاً لحياةٍ لم تأتِ على قياس الحلم . ضحكتها صاخبة..صاخبة جداً...وفي صوتها شهقة...هي تشهق عندما تُعجب بالشيء، وتشهق عندما تتفاجأ، وتشهق عندما تحزن...تأخذ النفس بهذه الشهقة مضاعفاً كفعل تمسّكٍ بالحياة.

لم تكن حصص سهام ناصر حصص اكتساب تقنيات تمثيلية بقدر ما كانت محترفاً فنياً يدفع كل منا لإثارة تساؤلات وتقديم مقترحات تبتعد عن التقليد والسائد في علاقتنا مع النص المسرحي. تلك التساؤلات التي تنطلق من خلفية كل منا والتي تبني طبقات متعددة على النص بحيث يتحوّل هذا الأخير الى  نقطة انطلاق. كانت تدفعنا جميعاً إلى التجريب وإثارة الإشكاليات. عندما كنا ننتهي من التمارين على الخشبة، كنا نتناقش ونتجادل أحياناً إذ كنا نشارك جميعاً في كتابة نص العرض: كانت تتركنا لجدالنا وتنصت بإمعان حتى تطلق جملتها الحاسمة.

امرأة تهوى البحث عن الخيوط الرفيعة في اللا تجانس والأضداد. تجمع ما لا يُجمع

هي امرأة تهوى البحث عن الخيوط الرفيعة في اللا تجانس والأضداد. تجمع ما لا يُجمع أقلّه ظاهرياً: في سنتنا الدراسية الثالثة، جمعت الدكتاتور لعصام محفوظ بالمغنية الصلعاء ليوجين يونيسكو. عام 2002 قدمت عرض "No? No exit” في مسرح المدينة مع جوزيف بو نصار وجوليا قصار وتقلا شمعون الذي يضع مسرحية "لا مفر" (Huis Clos) لسارتر  بمحاذاة "هيروشيما حبيبي" (Hiroshima mon amour) لمارغريت دوراس. هي تنكّه مسرح العبث بمزيد من التشظي الذي يؤدي في مكان ما إلى روابط خفية تحيل الى مصائرنا الملتوية، إلى الجنس البشري الذي يختبر مراراً إرهاصاته في الخذلان من الذات ومن الآخر.

في نصها التعريفي عن العرض، تدعو سهام المشاهد إلى خلق الروابط بين دوراس وسارتر. تقول في مقالة حول عرض "لا..لا مفر" على موقع الجزيرة "انطلاقاً من هذين المرجعين يضع الإنسان نفسه في امتحانٍ عسير  ويجري مراجعة لحياته الماضية. أين أخطأ ولماذا؟ ومن هنا تبدأ الصراعات بين الشخصيات الثلاث”.

في مسرحية "الجدار"، كما تذكر د. وطفاء حمادي في كتابها "سقوط المحرمات: ملامح نسوية عربية في النقد المسرحي"، هنالك، في سيناريو عرض "الجدار" إيحاءات لحالات العدم المنبثقة من توليفة نصوص لبيكيت. على المشاهد أن يفكّك "شيفرة هذه الإيحاءات لتكتمل عملية التلقي فيشارك ويتفاعل عندما تُترَك له فسحة يسميها هيلتون "فجوات النص" حيث يمكن المتخيّل لدى المشاهد إضافة ما يرتئيه وحذفه وتأويله من مشاهد العرض”.

احتكرت سهام دفعتنا لمدة سنتين. أستخدم عبارة الاحتكار لأنه قلما تحظى دفعة بالأستاذ ذاته لمادة التمثيل لسنتين متواصلتين ومن ضمنها السنة الأخيرة أي سنة الدبلوم. كنا نستخدم تلك العبارة فرحين أحياناً بتلك الحظوة وتعيسين أحياناً أخرى. لم يكن العمل معها بتلك السهولة. بعد تقديم مشروع التمثيل النهائي، مارست سهام طقسها الأخير: كانت تأخذ كل طالبٍ أو طالبة من الدفعة على حدة لتتمشى معه/معها قليلاً على كورنيش الروشة، مقدّمة له أو لها بعض النصائح والانطباعات. عندما تمشينا سهام وأنا على الكورنيش، قالت لي "كانت منيحة الكرسي"، وللكرسي حكايتها.

اخترت أن أعمل في مشروع تخرجي على نص "شريط كراب الأخير" لسامويل بيكيت وكلمّا قدمّتُ مشهدي في التمارين، كانت تبدي نفورها من فكرة بقائي على الكرسي دون حراك طوال المشهد. “زهّقتي سماييي انتي وقاعدة عهالكرسييييييي. حتضلِّك هيك متَيسة؟". حين أنهينا تقديم المشروع وأخذتني في طقسها الأخير غمزتني قائلةً "كانت منيحة الكرسي”. رشفت من فنجان القهوة ومجّت سيجارتها ثم قالت لي"انتي لازم تركزي عالكتابة... قوتك هونيك".

رفضت طبعاً هذا الأمر.... لم أرد أن يحدّني شيء آنذاك...لم أرد أن تحدّني مهنةٌ واحدة أو شغفٌ واحد. عام 2006، بين فواصل العمل في الإنتاج السينمائي والتلفزيوني، تمكنت من نشر كتاب "وليمة تحت الماء" وهو عبارة عن نصين مسرحيين وكانت سهام أول من حضر التوقيع وأول من شجع التجربة وانتقدها في نفس الوقت.

بعد عام 2006، لم أر سهام كثيراً، ابتعدت عن المسرح وكل عوالمه لألجأ إلى الأمان المادي الذي يؤمنه العمل كمنتجة في التلفزيون الذي خنقني فعدت أدراجي بعد زمن.

رأيتها مرةً، بعد سنوات، في إحدى العروض المسرحية وحين ألقيت عليها التحية شهقت شهقتها المعهودة دون أن ترد التحية قائلة "صحّيتِي؟" إذ كنت أتعايش منذ دراستي في المعهد مع وضع  صحي مزمن، ثم تناولنا أنا وهي أحاديث عن العرض وما شابه.

هكذا باختزالها المعهود تختصر أحاسيس وانفعالات، وطفولة وطيبة تخفيهما قبل أن ينفذا منها على حين غرّة. حين طلبَت مني أن أقوم ببعض الأبحاث في بداية انشغالها بعرض "لا..لا مفر"، كنا نلتقي في منزل أختها في مارالياس. لا أنسى اللحظات التي كانت تحدثني فيها عن عائلتها وعن ابنتي أختها اللتين عادتا من  دبي على ما أذكر – للدراسة في لبنان. كم كانت سعيدة بوجودهما وباهتمامها بهما. لن أنسى كيف لمعت عيناها حين ذكرت والدها واصفةً هذا النور الإلهي الذي يخرج من وجهه.

السنة الماضية، تجالسنا  لبعض الوقت في مقهى في الحمرا، حدثتني عن الزيارات التي تقوم بها إلى كندا لترى حفيد أختها الذي تعلقت به بشكلٍ غريب. كانت تحمل باقة ورد، وكانت متعبة. متعبة جداً.

فرحت كثيراً عندما علمت أنك تعملين على نص هاملت وأنني سأراكِ للمرة الأولى على الخشبة. حين كنتِ تمثلين على الخشبة، لم أكن قد ولدتُ بعد. كم كان ليكون الأمر جميلاً: أن يراكِ الجمهور مجسّدة دور غرترود والدة هاملت.

سهام، سأسرّ لكِ بأمر.  منذ خمس سنوات وأنا لا أقوم بشيء إلا الكتابة أكانت إبداعية، نقدية، صحافية أو بحثية حتى.... كنتِ على حق. سأعترف بذلك.

سهام ناصر (1948-2019)، مخرجة لبنانية، أعمال مسرحية من إخراجها: معو حق ابني (1975-1976)، الجيب السري (1992)، ميديا ميديا (1994)، جاز (1995-1996)، الجدار (1997)، لا لا مفر No? No Exit l من (2003)، كلن هون (2004).

الصور من أرشيف حسام مشيمش، زيكو هاوس وفيصل فرحا. 

هذه التدوينة تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي رصيف22.

التعليقات