لقد انتهى زمن الجنتلمان.. كِلُّن بِدُّنْ بس يصاحبوا!

لقد انتهى زمن الجنتلمان.. كِلُّن بِدُّنْ بس يصاحبوا!

السّاعة الرّابعة بعد الظهر ولكن صفاء تحسّ أنّه منتصف الليل. تتمنّى لو باستطاعتها أن تنام ولكنّها ذروة قضاء الوقت مع ابنتيها. لقد أحضرتهما للتوّ من الحضانة وهما الآن في عزِّ نشاطهما. تريدان وجبة خفيفة، واللّعب معها. من أين يأتي الأطفال بكلّ تلك الطّاقة والحيوية ياترى؟

تتمنّى لو باستطاعتها الاستلقاء قليلاً، ولكنّها لا تستطيع أن تختليَ بنفسِها حتّى ولو دقيقة قبل أن تأتي جليسة الأطفال؛ وحتى عندها، لن تستطيع أن ترتاح، بل عليها أن ترتديَ ثيابَها وتبدو بأبهى حلّة لملاقاة المرأة الأخرى. تحسدها، فهي لابدّ أنها أمضت بعدَ الظّهر كلّه بالتأنّق. وبعدما ترجع هي إلى أولادِها مسرعة، لاشكّ بأن ليلى ستذهب لتكمل السهرة مع أحدهم  في إحدى الحانات.

بالطّبع "ليلى" ليست أمّاً تدفع 15 يورو في السّاعة لجليسة الأطفال حتى تقطع نصف المدينة للقاء صديقةٍ قديمة.  ما همّ هذه الفتاة؟ طبعاً سوف تذهب لمواعدة رجلٍ ممّن تجدهم في الإنترنت أو البارات، فهي تبحث عن صديق حميم، سيمكّنها امتلاكُه من تسلّق السّلّم الاجتماعي للوافدين الجدد، فتعزّز مكانتها كأحد سكّان المدينة الأصليين. أن يتصوّرها الناسُ سائحةً أو قادمة جديدة لهي أبشع صفة تضر بسمعة من تريد إثباتَ نفسِها كفنّانة "أندرغراوند" Underground في أحياء نوي كولن Neukölln، وكرويزبيغ Kreuzberg، وشونهاوزار آلي Schönhauseralle، وحتّى فيدينغ Wedding مؤخّراً.

تعلن ساعةُ الكوكو على الحائط أنّها الخامسة. تدخل صفاء تحت الدّوش. تحسّ بمتعة الماء السّاخن على بشرتها، تبدأ عضلاتها المتقلّصة والمؤلمة بالاسترخاء. لم تستحمّ منذ ثلاثة أيام. تتمنى لو كان باستطاعتها أن تأخذ دوشاً يوميّاً، ولكن كيف؟ إن لم يكن زوجها في البيت، فالدّوش يعني أن تتبعها البنتان إلى الحمام، أو أن تدقّا وتصرخا خلف الباب كي تفتحه لهما. يصبح الحمّام طقساً يثير التوتّر، بدل أن يجلب الراحة والمتعة.

بعد غسلِ شعرِها تجد نفسها غير قادرة على حلق شعر ساقيْها من الإرهاق. لا بأس، فمن سينظر إلى ساقيها؟ تكتفي بحلقِ ما تحت إبطيها. تفكّر كم هي متعبة، لكن، عليها أن تسرح شعرها الطّويل بالسّشوار، فهي لن تدع تلك المرأة التي لديها الكثير جدّاً من الوقت تبدو أجمل منها. تدري أنها، وإن كسبت بعض الكيلوغرامات بفعل الحَمل والولادة، إلا أنها ما زالت امرأة جذابة جدّاً.

تخرج من الحمّام على صوت ابنتِها وهي تصرخ: ماما ماما أين أنت؟ تقول لجليسة الأطفال: أرجوك اهتمّي بهما واشغليهما حتى أرتدي ملابسي، وأَضع مكياجي بهدوء؛ أريد أن ألتقي بصديقة للعشاء، فأنا لم أكلّم شخصا بالغاً منذ خمسة أيّام.

لأربعين دقيقة تجفّف شعرها وتسرحه وتضع عليه زيوتاً باهظة الثمن وتجعله أملسَ. ثمّ تضع طبقتين متلاحقتين بلونين مختلفين تحت عينيها، واحدة مصحّحة للّون، وأخرى تخفي الهالات. عندها فقط تظهر كما كانت أيّامَ الجامعة.

ليلى لم ترَها منذ ثماني سنوات؛ قبل أن تنجب توأمها، وهي لا تريد لصديقتها أن ترى تأثير الأمومة والمسؤوليات على شكلها. تريد أن تظهر كفراشةٍ مطمئنة هانئة بعيشِها وخياراتها، لا التي قضت الليلة تمرِّض ابنتها المحرورة، والتي تقضي لياليَ لا تنام، مفكّرة إن كان بإمكانها يوماً ما أن تسترجع مسيرتها المهنيّة أم لا.

ترتدي خاتمها السوليتير ذا الحجر الماسيّ الكبير، عالمةً أنّ الخاتم سيثير غيرةَ الأخرى، لأنّ السوليتير بالتحديد هو ما يهديه رجلٌ لخطبة امرأة. بالتأكيد أن الخاتم سيذكّر صديقتها العزباء بوضعِها الاجتماعي!

الخاتم، سيّد الحضور على الطاولة؛ سيحوّل المسافة البالغة ستين سنتيمترا بينهما إلى هوّة شاسعة، مذكّراً الأولى بما لديها ويكبّلها، والثانية بما تتمنّاه ويحرقها؛ يجسّد الذكر الغائب عن جلستهما والحاضر في حديثهما؛ يتولّى قولَ ما لا تجرؤ أي واحدة منهما على البوح به.

يأتي طلبهما من المأكولات الآسيوية إلى الطاولة بينما تنصح صفاءُ ليلى بأن تركّز على رجلٍ واحدٍ فقط، أقلّه في الليلة الواحدة، إذا أرادت أن تحظى بصديق، وأنه ربما من الأفضل أن تركّز على تطبيقٍ واحد، بدل عرض ملفّها وصورها على ستة تطبيقات مختلفة للمواعدة. تخبرها بأنّ هناك تطبيقاً خاصّاً للفنّانين فقط، وآخر للأكادميين فقط، للمتحولين جنسيا، ولتبادل الأزواج في برلين، وعليها أن تحصر خياراتها، وتحدّد أولوياتها لتصلَ إلى نتيجة.

أقوال جاهزة

شارك غردتفكّر كم هي مستهترة أو غبية ليلى، لا تعرف كيف تجد زوجاً! دعْها تجد صديقاً ثابتاً أولّاً، قبل الحديث عن زوج. تزهو بنفسِها كيف أنها وجدت العديدين ورفضتْهم في عشريناتها، فالنساء الذكّيات والمثيرات، يجدن الكثير من الرّجال، وبإمكانهنّ الاختيار من بينهم.

شارك غردتطلب ليلى كأسَ نبيذ أخرى، بينما تنتظر شابّاً يلتقيها في نفس المطعم، إذ لا تحبّذ المشيَ إلى مكانٍ آخرَ وحيدةً في هذا البرد. تحسّ بالرّاحة لدى مغادرة صفاء؛ أفٍّ! كم أصبحت محدودة وغارقة في فقاعتها، ولا ترى العالمَ الواقعيَّ.

شارك غردأنا أعرف متى وكيف يقرّر الرّجال أن يتزوجوا. إنهم لا يتزوّجون حين يقعون في الحبّ أو حين يجدون امرأةَ أحلامهم؛ بل يتزوّجون عندما يكونون مستعدّين لذلك. عندما يجدون أنفسهم جاهزين نفسيّاً وماديّاً؛ عندها سعيدة الحظ هي التي تدخل حياتهم في تلك اللحظة تحديداً.

ـ ليلى، من أين تأتين بكلّ تلك الطاقة للردّ على كلّ الرسائل والتحادث وتنظيم المواعيد؟ أنا بالكاد أردّ على الرسائل النصّية لأقرب المقرّبين مرّة أو مرّتين في اليوم.

تنصحها صفاءُ محاولةً بثّ الحياة في الإدارة الفعّالة في نفسها والتي انكفأت لصالح ربّة المنزل فيها: "عليك أن تقلّبي البروفايلات بطريقة ممنهجة، وكأنك تديرين مشروعاً من أجل الوصول إلى نتيجة. تعاملي مع طلبات المواعدة كأيّ طلبات عملٍ تأتيك.

لكن لا يبدو أنّ ليلى الفنانة البوهيميّة مهتمّة بنصائح صفاء عن الفعاليّة وإحراز النتائج، فكأنما لكلٍّ منهما أسلوب حياةٍ لا يلتقي والآخر.

ـ لا تزعلي مني يا صفاء! لكن قولي لي بصراحة متى كانت آخر مرّة خرجتِ فيها في موعدِ مع أحد؟ أنت متزوجة منذ ثماني سنوات، لكنّ المواعدة تغيرت، والحياة العاطفية وإيجاد شابّ كلّه قد تغير، وأصبح صعباً جدّاً. لا أحد يريد الارتباط؛ لا أحد يريد التضحية بأيّ من حريّتهِ الشخصية أو نمط حياته أو حتى أن يعدّل جدول إجازاته من أجل السّفر مع أحد!

تمتصّ صفاء الإهانة المبطّنة وتضيف بنبرة فيها تفوّق أخلاقي: "نعم، ولكنني فسّرت لك مراراً أنه حتى إن كان الشباب الألمان متحرّرون مقارنةً بالعرب، ولكن، يبقى الشباب الجيّدون محافظون نسبيّاً. الشاب الألماني لن يفكّر أن تكوني صديقته إن نمت معه من أول لقاء، ولن يعرّفك على أصدقائه وأهله. توقّفي عن النوم معهم من أوّل لقاء حتّى يأخذوك على محمل الجدّ.

ـ لماذا لا تفهمينني صفاء؟ النساء في هذه المدينة قد أفسدن كلّ شيء! أفسدن الرّجال برخصهنّ واستعدادهنّ لتلبية كافّة فانتازماتهم الجنسية من أوّل لقاء. الرّجال، تمّ إفسادهم كمّاً ونوعاً. إنهم حتماً يتوقّعون أن يمارسوا الجنس معك بعد كأس أو كأسين، ولا يدفعون ثمن كأسك أصلاً ولا يدعونك، إن لم تمارسي الجنس معهم في ذات الليلة. سينظر إليك الرجلُ على أنك كائنٌ فضائيّ أبله؛ أمّا باقي الفتيات فيظنّون بأنك مخبولة ولا تجيدين التعامل مع الرجال، أو لديك عُقد تتعلّق بالثقة بالنفس، أو أنك لست قويّة كفايةً لأخذ ما تريدين، وإلخ.

ـ لا أعرف؛ كلّ ما أعرفه أنّه ما من واحدة أعرفها، قد وجدتْ صديقاً محترماً بعد أن نامت معه من أوّل لقاء.

ـ اصحي عزيزتي! لسنا كلّنا محظوظات بزوجٍ يريدنا، ويريد أن يبني عائلة مثلك. زمن الجنتلمان قد انتهى! وهذه الأيام يلتجئ الرَّجلُ إليك لتصرفي عليه، وتحميه، وتحتويه.

ـ تتكلّمين معي وكأنني جدّتك. لا تنسي أنني، وإن كنتُ متزوجةً وأمّاً، إلا أنني أصغر منك بسنة يا عزيزتي!

ـ صفاء، عزيزتي، متى تعرّفتِ على زوجك؟ منذ أكثر من عشر سنوات، أليس كذلك؟

ـ هذا لا يعني أنني لا أعيش بين الناس. الناسمن حولي يصاحبون ويتزوّجون ويطلّقون كلّ يوم. كلُّ صديقاتي الآن متزوجات. أنا أعرف متى وكيف يقرّر الرّجال أن يتزوجوا. إنهم لا يتزوّجون حين يقعون في الحبّ أو حين يجدون امرأةَ أحلامهم؛ بل يتزوّجون عندما يكونون مستعدّين لذلك. عندما يجدون أنفسهم جاهزين نفسيّاً وماديّاً؛ عندها سعيدة الحظ هي التي تدخل حياتهم في تلك اللحظة تحديداً. لذلك أقول لك بكلّ محبة يا ليلى، أنت تبحثين عن علاقةٍ ثابتة (كي لا نقول زوجاً) ضمن العينة الخاطئة.

ـ انظري، عمري خمس وثلاثون سنة. الرجال الموجودون إمّا متزوّجون، والباقون هم المعتوهون ذوو العقد الذين لا يريدون الارتباط. أين تجدين رجلاً بهذا السنّ ما زال أعزبَ، وبدون عقد؟!

ـ إلا ماتْلاقي، مابْتخلى!

ـ كِلُّن بِدُّنْ بس يصاحبوا!

تعتذر صفاءُ بأنّ عليها الذهاب باكراً، فيجب أن تقودَ لأربعين دقيقة للوصول إلى شارلوتنبورغ Charlottenburg في غرب المدينة، وجليسة الأطفال تبقى للسّاعة العاشرة فقط. تدفع ما عليها من الحساب وتغادر المطعم.

تمشي إلى حيث ركنتْ سيّارتها، وتفكّر كم هي مستهترة أو غبية ليلى، لا تعرف كيف تجد زوجاً! دعْها تجد صديقاً ثابتاً أولّاً، قبل الحديث عن زوج. تزهو بنفسِها كيف أنها وجدت العديدين ورفضتْهم في عشريناتها، فالنساء الذكّيات والمثيرات، يجدن الكثير من الرّجال، وبإمكانهنّ الاختيار من بينهم.

أما ليلى فتطلب كأسَ نبيذ أخرى، بينما تنتظر شابّاً يلتقيها في نفس المطعم، إذ لا تحبّذ المشيَ إلى مكانٍ آخرَ وحيدةً في هذا البرد. تحسّ بالرّاحة لدى مغادرة صفاء؛ أفٍّ! كم أصبحت محدودة وغارقة في فقاعتها، ولا ترى العالمَ الواقعيَّ. تضغط على الأعصاب، تقول لنفسها، تظن أنها تعرف أكثر من الآخرين، تحاكمهم وتنظّر عليهم كيف يتصرفون. صارت صفاء فعلاً كإحدى شخصيات مسلسل Desperate Housewives، لديها كلُّ عوارض الملل، وأزمة ثلث أو منتصف العمر التي تصيب المرتاحين من الطّبقةِ الوسطى!

هذه التدوينة تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي رصيف22.
نورا المقداد بورجار

كاتبة ومحللة سياسية لبنانية - ألمانية. درست العلوم السياسية والعلاقات الدولية. حائزة على ماجيستير في الحوكمة والاقتصاد السياسي.

التعليقات