كادت السمنة تقتلني نفسياً... فقمتُ بقصّ معدتي

كادت السمنة تقتلني نفسياً... فقمتُ بقصّ معدتي

مدون لبنان
كثيرات ينظرن إلى المرآة كل يوم بعين الحرج. ليس أصعب من أن تكوني مُحرجةً من نفسك. أن يخجل الإنسان من إعوجاج مبني عليه، تخيّل مثلاً أن تخجل من عمودك الفقري؟ من قفصك الصدري؟ من أمعائك؟  المساحات الواسعة في الجسم تثقل جسد صاحبها، وتقلل من همته وجماله وثقته، السمينون غير محظوظين وعلى علاقة غير جيدة بالثياب والجمال، بعضهم على عداء مع الكراسي الضيقة، والباصات غير المخصصة لأصحاب الأوزان الثقيلة، وعلى خلاف مع الرياضة والهواء النقي والجمال!

منذ صغري لي جسد ممتلئ، فيه من المساحات غير المبررة ما فيه، لم يلبِّ طموحاتي يوماً، كسّر ثقتي بنفسي، هزها عند كل موقف يستدعي التناسق والأناقة، يؤلمني كثيراً أن أدخل محل ألبسة فأسمع الجملة المعتادة التي يقولها البائع بكل ما يملك من وقاحة وشجع: "عفواً، هذا أكبر مقاس... عليكِ أن تختاري قصّات مختلفة". كيف يسمح لنفسه أن يحرجني هكذا؟ كرهت التسوق، حقدت عليه، ووجدت أن أجمل ما قد أبيعه هو قطع من جسدي المكتنز، تخيلت كثيراً لو أنني استطيع أن أبادل قطعاً من جسدي مع فتاة نحيفة تريد وزناً طفيفاً ليصبح جسمها مثالياً. اشتريت الكثير من الثياب الصغيرة على مقاسي، ومنّيت نفسي أن ألبسها يوماً، عندما أصرع النظام الغذائي أو يصرعني. أرهقتني السعرات الحرارية، هدّت حيلي وثقتي. منذ 28 عاماً وأنا على هذه الحال، ألبس ثياباً لا أشتهيها، وحركتي بطيئة كأنني عجوز كسول، نسيت الموضة وما تعنيها، الموضة لمن يملك جسداً جميلاً، ليست لنا نحن المكتنزات!

قرأت الكثير من العناوين البراقة مثل "كيف تمتلك جسداً مثالياً في أسبوع"، وجرّبت أدوية كاد آخرها أن يودي بحياتي، ولم يتغير شيء، حتى الفيديوهات التي تظهر آخر كل عام وتتحدث عن الإرادة ومشاريع العام الجديد، لم تحفزني إلا على مشاهدة المزيد من الفيديوهات التحفيزية، كل شيء فيّ تبدّل إلا جسدي، بقي صامداً، كما هو، يهبط وزنه قليلاً، ثم يرتفع أسرع مما كان عليه، كأنه البورصة التي تخسر أسهمي فيها دائماً. ما كان يعزيني هو مرور أناس أضخم مني، أنظر لهم بعطف وشفقة ورضا، كأن كيمياء ما تجمعنا، تقرّب بعضنا من بعض، نحن الذين تآمرت أفواهنا علينا، فأرادتنا ضحايا أجسادنا المكتنزة.

يقال إن الحب يقوي مناعة جسد المرأة، يجعله عصياً على تقلباتها المزاجية، لأنها تحبّ جسدها عندما تعشق، وتهتم به، لكن ليس دائماً، الحبّ لم يقمع شهيتي، بل على العكس، مالت نحو كل ما هو شهي ولذيذ. حتى الحزن الذي يتملّكني أحياناً، كان يدفعني نحو الطعام بشهية أكبر، لعلّي أجد في الحلويات السعادة التي لم أجدها في داخلي.

يقال إن المرء الذي يلجأ إلى الحلول الحاسمة قاسٍ لكنه شجاع، وبعد لجوئي إلى كلّ أنواع الحيل والطرق التي قد تنفعني في الحصول على الجسم الذي يرضي غروري، وبعد فشلي الذريع فيها، قررت التفكير جديّاً في حلّ حاسم، لا رجعة فيه، حلّ يحقق حلمي بارتداء كلّ ما ارتديه من دون أن يحشر صاحب المحل أنفه بقراراتي. حلمت ببداية جديدة، وفستان عرس جميل، ثقتي بنفسي زادت بعد التفكير في الوصول إلى جسم مثالي، فكيف إذا تحققت؟ قضيت أياماً وليالي أسأل  "الدكتور" غوغل عن الحلّ، وبعدما وجدته لاحت فكرة الكمال في عقلي: نعم سأقص معدتي، وسأنحف، سأرضى عن نفسي، سأحب جسدي وسأرقص كثيراً. لكن الحلّ غير بسيط ويستدعي عملية مرعبة، وخطورتها مرتفعة. عندما سمع أهلي بقراري جنّ جنونهم، وكان السؤال المحرج دائماً: "أين إرادتكِ"؟.

أقوال جاهزة

شارك غردالسمينون غير محظوظين وعلى علاقة غير جيدة بالثياب والجمال، بعضهم على عداء مع الكراسي الضيقة، والباصات غير المخصصة لأصحاب الأوزان الثقيلة، وعلى خلاف مع الرياضة والهواء النقي والجمال!

شارك غرديؤلمني كثيراً أن أدخل محل ألبسة فأسمع الجملة المعتادة التي يقولها البائع بكل ما يملك من وقاحة وشجع: "عفواً، هذا أكبر مقاس... عليكِ أن تختاري قصّات مختلفة". كيف يسمح لنفسه أن يحرجني هكذا؟ كرهت التسوق، حقدت عليه، ووجدت أن أجمل ما قد أبيعه هو قطع من جسدي المكتنز.

شارك غردالحبّ لم يقمع شهيتي، بل على العكس، مالت نحو كل ما هو شهي ولذيذ. حتى الحزن الذي يتملّكني أحياناً، كان يدفعني نحو الطعام بشهية أكبر، لعلّي أجد في الحلويات السعادة التي لم أجدها في داخلي.

من قصّوا بطونهم قبلي جلّهم يخفون الأمر وكأنه فضيحة بغلاغل، لماذا؟ السمنة مرض، أصعب من الحصوة التي تتكوّر في أجسادنا فنسعى لاستئصالها، لماذا نخفي طرق العلاج المضمونة؟ ماذا نفعل نحن الذين ضاعت إرادتنا ولم نعد نستطيع لجمها؟ لماذا علينا التخفّي وراء أسباب غير حقيقية لنخفي أننا أجرينا عملية لمنع تقدّم خيباتنا وأوزاننا؟

تمّت العملية، وقصّ الطبيب جزءاً من معدتي، وقصّ معها الكثير من الأمراض التي عاشت سابقاً في نفسي، رحلت مع هذه المعدة الصغيرة مخاوف وشكوك كادت تقضي على الأنوثة فيّ. لم أخجل من الإعلان عن نوع العملية التي أجريت، على العكس، أنا ممتلئة اليوم بالانتظار والشغف والطمأنينة، الرضى عن النفس أيضاً سعادة، صدقوني.

هذه التدوينة تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي رصيف22.
فاطمة خليفة

كاتبة وإعلاميّة لبنانيّة.

التعليقات