عن الثورة الغائبة في "ثورة" 25 يناير

عن الثورة الغائبة في "ثورة" 25 يناير

إذا كانت للظواهر مسمياتها، وإذا كانت للمسميات معانٍ، وإذا كانت لهذه المعاني مبانٍ، هياكل، أفعال، مشاعر، تأثيرات وتداعيات... فهل يمكن إطلاق تسمية "الثورة" على الحراك الشعبي العارم الذي أطاح الرئيس حسني مبارك؟ ألم يحن الوقت لتوسيع رقعة القراءة الجادة للفاعلية الثورية لما ننهج على تسميتها بثورة 25 يناير المصرية؟

إن إحياء ذكرى هذا الحراك الجماهيري ضد مبارك يتم بالأساس من خلال استعادة شريط ذكريات للحدث، وننتظر السياق الزمني المحدد للتعبير عن انبهارنا من هذا المشهد، والذكرى هي نافذة للضمير وللمشاعر لاستعادة أسماء وصور الشهداء، دون أن تشكّل تلك الذكرى فرصًا لإنقاذ حالة تقهقر الحراك السياسي الشعبي. إن ميلنا لإحياء الذكرى غالبًا ما يقفز عن الكارثة السياسية المتواصلة التي أعقبت هذا المشهد التاريخي من حياة مصر السياسية والاجتماعية. نحيي سنة تلو السنة ذكرى "ثورة" ونتجنب خوضاً واقعياً مع المسميات والمضامين والنتائج. إن الذهاب لاحتضان اللحظات التاريخية الحميمية والدموية لمن نزلوا إلى الشوارع ولمن استشهدوا من أجل مستقبل أجمل لمصر لا يمكنه أن يكون بديلًا عن تقديم قراءة سياسية حقيقية بمقدورها أن تفصل بين  تعاطفنا مع شكل الحراك ومضامينه وبين نتائجه وتداعياته.

في 25 يناير 2011 قدمت جماهير مصر، وشبابها بشكل خاص، نموذجًا مثاليًا لما يمكن تسميته بالحراك الجماهيري العارم، الحراك الجماعي بأرقى تجلياته. أنشطة احتجاجية متفرقة في القاهرة والإسكندرية والسويس ومدن أخرى، منها احتجاجات نقابية ومنها طلابية، تحوّلت إلى تظاهرات مليونية رفعت شعارًا أساسيًا مركزيًا: "الشعب يريد اسقاط النظام". فعلًا، لقد سقط الرئيس ولكن لم يسقط النظام. من هنا على الدراسة السياسية أن تفرق بين رومانسية الذكريات، بعنفوانها ووجعها ما دامت لم تتنظم سياسيًا، وعليها أن تتعامل مع منتوج هذا الحراك.

إن تسمية ثورة لا تتعلق بالذوق والعواطف، هي تسمية سياسية تتعلق بالجوهر أكثر من الشكل. الثورة هي فعل سياسي راديكالي تقوده الجماهير، يطيح أو يبدل المنظومة السياسية القائمة بمنظومة أخرى ولا تطيح ليس فقط رأس الهرم السياسي فحسب بل تحدث تغييرًا في مبنى التنظيم السياسي. والثورة بتغييرها للنظام السياسي تطمح أيضًا لإحداث تغيير جوهري في أدوات القمع الاقتصادية والاجتماعية السائدة التي فرضها النظام السياسي. وغالبًا ما يكون دستور الدولة هو المحور المركزي لعملية صياغة مبادئ الثورة وتحويلها لانظمة من أجل وضع بوصلة جديدة للدولة في النواحي المختلفة، فإما أن يتم قلب الدستور رأسًا على عقب ليحمل قيمًا جديدة، لمرحلة جديدة ،أو يتم تصحيحه جزئيًا شريطة أن يتضمن آمال الثوريين وأحلامهم داخله.

عندما نتحدث عن الثورة يجب الوقوف عند فعلها السياسي الاجتماعي والاقتصادي والثقافي. وعندما نتحدث عن الثورة نتطلع إلى الأيديولوجيات التي لعبت دورًا في العملية الثورية. كذلك نلتفت إلى النخب السياسية القائدة التي لعبت دورًا في الفكر السياسي والاجتماعي للثورة. هل يمكننا فعلَا، في ذكرى 25 يناير، تشخيص وجود كل تلك العوامل والأدوات؟ هل تم إجراء عملية نقد ذاتي للحراك السياسي المصري آنذاك مقابل المشهد السياسي المصري الاستبدادي المستمر إلى يومنا هذا؟ ما هي الخطوات المطلوبة لترميم هذا الحراك؟ وكيف يمكننا الاستمرار بإعطاء تسمية ثورة في ظل واقع سياسي رديء بل أشد رداءة من سابقيه؟

لم تتعامل دراسة التاريخ ولا العلوم السياسية بسذاجة مع مصطلح "الثورة" بل خضع لفحص سياسي دقيق. لقد نجحت الثورة الروسية في إطاحة النظام القيصري وإحلال النظام الشيوعي بصيغته السوفياتية وأحدثت تغييرًا جذريًا في المنظومة الاجتماعية الاقتصادية والثقافية والسياسية الروسية وتوسّعت خارج روسيا، كذلك نجحت الثورة الفرنسية في إطاحة الملكية ووضع دستور يعكس فكر حركة التنوير الأوروبية للحريات والمساواة وحقوق الإنسان، وكان التغيير جذريًا في فرنسا على المستويات السياسية والاجتماعية والفكرية وعلى الأنظمة الداخلية والقوانين، وأحدثت تأثيرًا أوروبيًا وعالميًا، ورغم وجود قوى رجعية ورغم سطوة نابليون على الحكم ومحاولته القضاء على منجزات الثورة، إلا أن التغيير كان عميقًا ومن الصعب اقتلاعه. في مصر الخمسينيات يمكننا الحديث عن انقلاب عسكري قادته حركة أطلق عليها اسم "حركة الضباط الأحرار" وأبرز ضباطها الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر، وهي لم تكن حركة ثورية من حيث المشاركة الجماهيرية، بل كانت عسكرية، إلا أنها ورغم ذلك أحدثت تغييرًا جذريًا هو الأهم، والأكثر ثورية في تاريخ مصر المعاصر، فأطاحت النظام الملكي وشملت ثورة في النظام الزراعي والاقطاعي وتوزيع الأراضي، وأحدثت تغييرًا في الحياة الثقافية والسياسية والدولية لمصر، وكانت هذه التغييرات تتبلور من خلال خطاب أيديولوجي كامل قاده عبد الناصر.

لا تقتصر تسمية ثورة فقط على حدوث تغيير دراماتيكي مباشر في النظام السياسي الاجتماعي والاقتصادي. بل تنطبق أيضًا على تغييرات جذرية أخرى تركت تأثيرًا على الحضارة الإنسانية. فنطلق تسمية "الثورة الصناعية" على دخول الآلات للإنتاج الزراعي والصناعي في أواسط القرن الثامن عشر، الأمر الذي أحدث تحولًا جذريًا في أوروبا والعالم وعلى جميع المستويات. كذلك نطلق تسمية ثورة على التغيير الثوري الجذري في عالم الاتصال والتواصل حيث بدلت التكنولوجيا الرقمية أشكالًا عديدة في أنماط العمل والصناعات والتواصل الاجتماعي.

في الوقت الذي يحدق الكثير من أبناء مصر بصمت وخوف في آلة القمع المتبدلة للنظام المصري بصيغته الرئاسية الجديدة، والتي كان من المفترض أن تكون كابوسًا من الماضي، وفي الوقت الذي يتم فيه استحضار وجوه الشهداء والجرحى والمعتقلين، يجب على من شاركوا في هذه الانتفاضة المجيدة وأُخضعوا لبيئة سياسية أكثر تلوثًا، أن يتجنبوا الالتصاق الدائم بالذكريات العظيمة لهذا الحراك الجبار دون الاعتراف بإخفاق انتفاضتهم الشعبية ضد نظام مبارك أحدث تغييرًا جذريًا في الهيكلية السياسي القانونية والاجتماعية لمصر. إلى جانب إحياء ذكرى هذا الحراك غير المسبوق في تاريخ مصر، ووفاءً لدماء الشباب علينا أن نعترف أنها لم تطرح رؤية وفكراً أيديولوجيين واضحين متناسقين وصريحين. لم يفرز الحراك الشعبي في 25 يناير قيادة ونخبًا سياسية جديدة بمقدورها قيادة العمل الثوري أو تقلد مراسيم الحكم بعد مبارك، وطرح تغيير دستوري وتحدٍ انتخابي. ذهب مبارك تحت ضغط الشارع الثائر، إلا أن روحه استبدلت بأرواح أخرى تشبهه ولكنها لا تشبه أرواح الشباب التي ملأت الشوارع غضبًا وتظاهرات.

أقوال جاهزة

شارك غردإن الذهاب لاحتضان اللحظات التاريخية الحميمية والدموية لمن نزلوا إلى الشوارع ولمن استشهدوا من أجل مستقبل أجمل لمصر لا يمكنه أن يكون بديلًا عن تقديم قراءة سياسية حقيقية بمقدورها أن تفصل بين  تعاطفنا مع شكل الحراك ومضامينه وبين نتائجه وتداعياته.

شارك غردإن تسمية ثورة لا تتعلق بالذوق والعواطف، هي تسمية سياسية تتعلق بالجوهر أكثر من الشكل. الثورة هي فعل سياسي راديكالي تقوده الجماهير، يطيح أو يبدل المنظومة السياسية القائمة بمنظومة أخرى ولا تطيح ليس فقط رأس الهرم السياسي فحسب بل تحدث تغييرًا في مبنى التنظيم السياسي.

شارك غردكان السيناريو في 25 يناير جاهزًا ليحمل خطابًا ثوريًا جذريًا ينقل مصر من هيكلية سياسية دستورية إلى أخرى تحمي الإنسان وحقوقه الأساسية في العيش بكرامة وضمان حرياته. قدّمت لنا انتفاضة مصر 2011 صورًا ثورية، ومشاهد مرئية يصعب على المرء أن يتصوّر من بعدها أنها لم تقلب النظام رأسًا على عقب.

كان السيناريو في 25 يناير 2011 جاهزًا ليحمل خطابًا ثوريًا جذريًا ينقل مصر من هيكلية سياسية دستورية إلى أخرى تحمي الإنسان وحقوقه الأساسية في العيش بكرامة وضمان حرياته. قدّمت لنا انتفاضة مصر 2011 صورًا ثورية، ومشاهد مرئية يصعب على المرء أن يتصوّر من بعدها أنها لم تقلب النظام رأسًا على عقب. ما زال مشهد المارش الشعبي الغفير على كوبري قصر النيل تقابله قوات الأمن المركزي في محاولة لثنيه بالقوة عن الوصول لميدان التحرير، يحدث في جسدي قشعريرة حقيقية لعظمة هؤلاء الناس، الذين اقتلعوا سنين الخوف من قلوبهم، إنه مشهد يليق به أن يصطف إلى جانب صور أخرى حفرت عميقًا في تاريخ الثورات الإنسانية كصور هجوم الثوار على الباستيل في الثورة الفرنسية.

مقابل الممنوعات التي يفرضها النظام المصري على المصريين لربما علينا أن نقدّم نموذجًا خاصًا إلزاميًا من الممنوعات في الحراكات ذات الطابع الثوري، ممنوع تحويل الثورة على الخوف إلى وهم انتصار على النظام والخلط بينهما، فهما شيئان منفصلان. ممنوع تحويل الحراك المليوني إلى ثورة في حين لم يزل النظام القمعي جاثمًا فوق صدور الناس. في الوقت الذي نقع فيه في وهم الانتصار والتغني بالذكريات يسهل على النظام تعميق خطاب "سيكلوجيا الجماهير" الخاص بالمؤرخ الفرنسي جوستاف لوبون الذي يصادر من الجماهير عقلانيتها ورشدها ويبقيها في مقام الدمى الخاضعة والتي تغرق في الشعارات عواطفها وحماستها وتميل للفوضى، وهي بحاجة لمن يضبط تهورها. ومن يضبط سلوك "الفوضى والتهور" للجماهير؟ إنه رئيس الجمهورية وجهازه الأمني. والرد عليهما يكون بالنقد البناء والنهوض والمقاومة وصولًا للثورة.

هذه التدوينة تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي رصيف22.
فايد بدارنة

باحث وكاتب فلسطيني مقيم في القدس. حاصل على البكالوريوس في علم الاجتماع والأنثربولوجيا والعلوم السياسية، والماجستير في مجال السياسات العامة من الجامعة العبرية في القدس، كما يحمل شهادة في الدراسات الثقافية. يحضّر لرسالة الدكتوراه في موضوع المجتمع المدني وبلورة الهويّة الوطنية لدى فلسطينيّي الـ 48 في الجامعة العبرية. له عدّة مقالات في السياسة، النقد الموسيقي، المسرحي والسينما.

التعليقات