ماذا جنيتُ من وصالِكِ يا ألمانيا؟

ماذا جنيتُ من وصالِكِ يا ألمانيا؟

اليوم تمرُّ سنتان بالتَّمام على انتقالي للعيش في ألمانيا. صبيّة في التاسعة عشرة وبضعة أشهر، والتي لاتزال تحت سطوة المراهقة، تجد نفسَها قبالة الرّجل الأبيض بذاكرته الموبوءة بالحرب والخسارة ومزاجِه الرماديّ البارد على مدار العام.

خلال السنة الأولى، ونتيجةً لتوصيةٍ من مدرّسة اللغة، وفي محاولةٍ كلاسيكيةٍ لإدماجي في المجتمع الألمانيّ، كنتُ رفيقةَ سكنٍ لعجوز ألمانية نموذجيّة حصيلتُها في الحياة ابنةٌ تعيش على بُعد 150 كلم عنها،
وابنٌ على بُعد الضعف، زوجٌ متوفٍّ،بيتٌ مكتنزٌ بأشياء عديمة الجدوى، ومتقاعدةٌ عن عملٍ في معبدٍ من معابد البيروقراطية.

ورغم ألمانيتي التعيسة إلا أنني كنت دائما ما أحادثها، لعلّي بذلك أكسر ما لديّ من رهبةٍ، وما لديها من رتابة. تخبرني أن صديقتَها المفضّلة أو كلّ ما لديها في الحياة -حسب تعبيرها- هي سيّدةٌ أربعينيّة من أصولٍ كرديّة تركيّة. أذكرها جيّدا بملامحَ شرقيّةٍ صرفة وألمانية أقلّ تعاسةً منّي بقليل. كان يعجبها شعري الأسود المتموّج، وحجابي، وكلُّ ما أعرفه عن الأكراد وأردوغان.

انتقلتُ بعدها للعيش ولمدّةٍ أكثر من 7 أشهر، مع عائلة ألمانية مكوّنة من عجوزيْن متزوّجيْن منذ 30 عاماً، وحفيديْهما المراهقين. تخبرني السيّدة السبعينيّة عن والدِها الأرجنتينيّ وطفولتها الضائعة هناك، وعودتها مع أمّها إلى ألمانيا، نتيجة حربٍ ما، وعن زوجِها الأوّل الارجنتينيّ أيضاً. عدّدت لي في مناسباتٍ لا أحصيها، جنسياتِ الطّلبة الذين استقبلتْهم في هذا البيت المعزول عن المدينة، وقالت إنّي التونسية الأولى التي تقيم هنا.

حاولتُ خلال فترة اللّغة أن أجد لنفسي مكاناً بينهم أو كما تحلو للدولة تسميته بـ"الاندماج". فشلتُ، ووجدت نفسي رفقةَ أجانب جلُّهم من السوريين والعراقيين، وصديقي المقرّب آنذاك هو كرديّ. تعرّفتُ أكثر على رحلات الموت واللجوء والثّقافات المنسيّة، وحفظتُ القليل من العبارات الكرديّة التي نسيتها الآن.

ثمّ أصبحتْ لي صداقةٌ مع سيّدة إسبانية تخلّت عن عملِها كأستاذةٍ في معهدٍ للسينما في بلادها المرحة، وأتت إلى هنا تلاحق أشياء لا تعلمها. كنّا نحاول التواصل رغم لغتنا التعيسة. تخبرني أنّها تريد راحةَ البال والكثير من الهدوء، وربّما تكون ألمانيا هي الهدف. وأنا لم أعرفْ ما أريد.

أقوال جاهزة

شارك غردبعد أقلّ من سنةٍ مع هذا البلد البارد وجنونِه، أجدني وسط عددٍ خياليّ من الطلبة الألمان. كنتُ العشرينيّة السمراء الوحيدة وسط شُقرٍ بأعيُنَ زرقاء. أتذكر جيّداً الرّهبة والخوف وانحسارَ الدّمع داخلي في الأشهر الأولى، وهناك اكتشفتُ للمرّة الأولى شعورَ الاختلاف المُربك.

شارك غردأبتعد في محاولةٍ جديدة للتقرّبِ من مجتمعٍ سأعيش فيه لأربع سنواتٍ أخرى على أقصى تقدير. أشعر هذه المرّة باستئناس أكثر. أراوح بين ثقافتي المشبعة بالتناقض، ورائحة الموت، وفشل الحكومة، وبين ثقافة معقّدة بتابوهات لانهائية، وقلقٍ مكثّفٍ من المستقبل.

بعد أقلّ من سنةٍ مع هذا البلد البارد وجنونِه، أجدني وسط عددٍ خياليّ من الطلبة الألمان. كنتُ العشرينيّة السمراء الوحيدة وسط شُقرٍ بأعيُنَ زرقاء. أتذكر جيّداً الرّهبة والخوف وانحسارَ الدّمع داخلي في الأشهر الأولى، وهناك اكتشفتُ للمرّة الأولى شعورَ الاختلاف المُربك.

رغم نسياني شبه الكلّي للفرنسية إلّا أنّني كنتُ مازلت أحتفظ باللّكنة التي تظهر سريعاً خلال تحدّثي. سألتني إحداهنّ إن كنتُ فرنسية؟ -لا. دعتْني بعدها إلى قهوةٍ تبادلنا فيها القليل من الحديث، والكثير من المخاوف. وبتلعثُمٍ واضحٍ سألتني إن كنتُ أفكّر بالبقاء هنا؟ ضحكتُ. -نعم. قالت إنّ والدَها كرديٌّ تركيّ هاجر في الثمانينيّات من أجل الدّراسة أيضاً، تزوّج ألمانيّة (أمّها)، وأضافت أنّ اسمها الثاني عربيّ أصيل: سميرة.

خلال الأشهر الأولى في الجامعة بدا الاندماجُ فكرةً فاشلة. أبتسم في كلّ مرّةٍ أسمع أحدُهم يتحدّث بلهجتي لأسارع بعدها للتعرّف عليه بيأسٍ طفوليّ مبالغ فيه. تكوّنتْ لي تدريجيّاً دائرةُ معارف تونسية، نتقاسم خلال لقاءاتِنا كلّ النّكت المكرّرة والحكايات المُملّة عن الغربة وكليشيهاتها.

أدرك اليوم أنّي لم أغادر ما أردتُ مغادرتَه في شتاء 2017، وأنّ محاولة التأهيل التي سافرتُ من أجلِها ستفشل لا محالة. أبتعد في محاولةٍ جديدة للتقرّبِ من مجتمعٍ سأعيش فيه لأربع سنواتٍ أخرى على أقصى تقدير. أشعر هذه المرّة باستئناس أكثر. أراوح بين ثقافتي المشبعة بالتناقض، ورائحة الموت، وفشل الحكومة، وبين ثقافة معقّدة بتابوهات لانهائية، وقلقٍ مكثّفٍ من المستقبل.

انتقلتُ للسّكن في بيتٍ لا تتجاوز مساحته الواحدَ والعشرين متراً خضوعاً للضّروريّات الاقتصادية من جهة، وكخطوةٍ مجنونة إضافية نحو الاستقلالية من جهة أخرى. بدأتُ أنتبه لتنوّع جنسيّاتِ المقيمات هنا، دون أن أهتمّ؛ تجليّات الاندماج! سألتْني زميلةٌ عن مدى عُسر الانتقال من الكتابة من اليمين لليسار إلى العكس. أخبرها أنّني أعرف الفرنسيّة منذ سنّ السابعة، فلا جلل في الانتقال.

صديقتي الأرمينية تتذمّر من البلاد والعباد واللّغة والضرائب، لتنتقلَ وبشكلٍ مدهش إلى الحديث عن تركيا وأذربيجان ومئويّة الدّم. هززتُ برأسي تفهّماً. ونحن جالسات حول "الكسكسيّ"، و على إيقاع أغانٍ تونسيّة صرفة، وفي بيتٍ يعبق برائحة النبيذ، نتحدّث عن النسويّة في تونس والاندماج المزيّف والشِّعر وذكريات شبابهما عند الراين. زميلتي في العمل تبتسمُ لي في كلّ مرّة تلمحني، بعد أن أخبرتُها أنّني هنا منذ سنتين، وبأنّي لستُ فرنسيّة.

مع انقضاء كلّ يومٍ تتّسع داخلي مساحاتُ الخوف وتتكثّف أفكارُ الانسحاب من منتصف الطريق. أردّد في صمتٍ كلَّ الأسباب التي أتيتُ من أجلِها، وكلّ الدّوافع التي تحرّضني على الاستمرار. في الجهة المقابلة تحاصرني أفكارُ الاندماج وكلّ أفكار الحكومة. منتهى العبثيّة أن يُختزل هذا الاندماج في سلسلةٍ من الطّلبات الموجّهة للقادمين، من تعلّم اللّغة والعادات والتقوقع في ثقافةٍ مجهولة بينما عجز مواطنوها عن تقبّلِ فكرة وجودِ آخرَ بلغاتٍ عدّة وثقافاتٍ أخرى.

أرى ألمانيا اليوم كالسيّدةِ العجوزة بملامحِها الهادئة، وبكلّ حكاياتِها عن شبابِها وأحفادها. مرّة تغمرك بالأنس والدفء، ومرّة تأخذك غرابتُها وشقاؤها لعوالمَ تجهلها وتخشاها. وما يُبقيك هو الفضول وسؤال ''وماذا بعد؟''.

يبدو أنّني وبعد عاميْن من الرّحلة ليست حصيلتي سوى القليل من الاتزّان وبضع شعراتٍ بيضاء وجدتْ طريقَها إليّ رغم سنّ الواحدة والعشرين، ومحاولات لا تنتهي للإجابة على أسئلة تتشابك داخلي أكثر وأكثر مع مرور الأيّام. وطبعاً دُرج يزدحم بأوراقٍ من كلّ الدوائر الرسميّة وغير الرسميّة.

 

هذه التدوينة تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي رصيف22.

التعليقات