لا اختلاف بين مطالبة المرأة بنزع الحجاب ومطالبتها بارتدائه

لا اختلاف بين مطالبة المرأة بنزع الحجاب ومطالبتها بارتدائه
لقد استيقظنا قبل أيام والعالم الافتراضي مقلوب رأساً على عقب، بسبب منشور للكاتب والمفكر والباحث السوري فراس السواح، الذي لا تكاد تخلو مكتبة عربية من كتاب حمل اسمه، ذلك العقل الفذ المختص بدراسة الحضارة العربية وتاريخ الأديان في الشرق الأدنى، بعد رصيد لا يستهان به من الكتب عن الأساطير ومقارنة الأديان، تُرجمت إلى العديد من اللغات ودرست في جامعات عدة حول العالم، كتب بثقة تامة المنشور التالي: "تعميم: أنا لا أقبل طلبات صداقة من المحجبات. حجاب الرأس يعني حجاب العقل".
بين اتهامات بالذكورية وكره النساء وعداء الإسلام، وبين تبرير بحجة أن الرجل "حرّ" بمعايير قبول طلبات الصداقة على حسابه الشخصي، اشتعلت وسائل التواصل الاجتماعية، ولا يمكن أن نتجاهل البعض الذي استغل الحدث لانتقاد أعماله الأدبية خارجاً عن الموضوع.
سواء كتب السواح ذلك أو لم يكتب، هل وصف ما قيل كـ"حرية" يغير كون المنشور كارهاً للنساء المحجبات؟ وهل نسلط المقدار الكافي من الضوء اليوم على العنف الذي يمارس ضدهن في مجتمعاتنا؟ وهل الحجاب يعد رخصة للممارسة الذكورية بشكل يعفي مرتكبها من المحاسبة؟

الاستعمار الذي لا تريدون الحديث عنه

لقد كانت رؤوس النساء وأجسادهن منذ وقت بعيد ملعباً للرجال، يمارسون فيه حروبهم وسلطتهم وما إلى ذلك، تقول لي سعاد، وهي نسوية محجبة، "لم يجبرني أحد على ارتدائه ومن المشين أن يتهمني بقلة العقل بسبب قطعة قماش، إن مثل هذه الاتهامات بالتخلّف إنما هو استمرار للبروباغندا الاستعمارية التي تنظر للشعوب الأصلية وثقافاتها ولباسها بشكل فوقي مهين، والمرأة دوماً دفعت ثمن ذلك أكثر من أي أحد آخر، ولكن لا أحد يريد الحديث عن هذا".
لو عدنا إلى مقالة المحلل النفسي المناهض للاستعمار فرانز فانون وعنوانها الجزائر تلقي الحجاب، ذلك الكاتب الذي انخرط في صفوف نضال جبهة التحرير الوطني الجزائرية في عام 1955، حيث وصف لنا تلك العلاقة بين سلطة الرجال الأبوية ورؤوس النساء، ولأن الاستعمار ذكوري بطبعه فقد تعامل مع تلك الرؤوس كمساحة يريد احتلالها أيضاً، يوثّق لنا فانون استخدام النساء الجزائريات للحجاب كفن في التمويه، لقد استخدمن الحايك(1) الجزائري في اخفاء القنابل اليدوية والرشاشات للمناضلين ضد الاستعمار الفرنسي، وهذا ما دفع بالفرنسيين إلى تحقير المحجبات وإهانتهن بفرض قيود مضاعفة عليهن في التفتيش وتهديد الخادمات بالطرد وجذب النساء من منازلهن واقتياد العاملات بالجنس إلى الساحات العامة لنزع عنهن الحجاب على نحو رمزي، في جوّ من الهتافات "تحيا الجزائر الفرنسية!"، حتى قامت نساء جزائريات سافرات منذ وقت طويل حينها بارتداء الحايك، مؤكدات أن المرأة الجزائرية لا "تتحرر" بدعوة من فرنسا ومن الجنرال ديغول(2).
فهل يعرف السواح أي شيء عن الدور الذي لعبه الحجاب في طرد المستعمر من بلادنا وتحريرنا؟ هل يعرف أي شيء عن شجاعة النسوة "المحجبات العقل" بحسب وصفه؟ وهل بإمكانه أن يفهم أن ارتداء الحجاب يمكن أن يعد تحرراً أيضاً لا فقط خلعه؟
لم يكن المستعمِر الوحيد في هذه اللعبة، فتارة نجد رجال الدين الإسلامي يلعبون، فجماعة الإخوان المسلمين التي تعتمد على المظهر بالمجمل كتصريح سياسي، في حملة أطلقوها خلال التسعينيات بشعار "ينتهي الغلاء حين تتحجب النساء"، وتارة نجد جورج بوش يلعب قائلاً "قمع المرأة دوماً على خطأ" لتبرير حربه على العراق في سبيل "تحرير النساء" المحجبات، تماماً كما ادعى أن الحرب على أفغانستان هي حرب لتحرير النساء من البرقع، لتحررهن فعلاً منه فلم يبقَ هناك ما يغطينه بعد أن حولتهن قنابله لأشلاء(3).
أشخاص من مختلف الخلفيات والديانات والأيدلوجيات والثقافات، البعض يسخر من أمل حجازي المغنية اللبنانية عندما قررت ارتداء الحجاب والآخر يجهش بالبكاء عندما تخلع حلا شيحة الممثلة المصرية حجابها، بين ناشط مثلي لبناني قرر مرة على فيسبوك أن يشاركنا أوجاعه عن سيدة جلست أمامه فانزعج بسبب كبر حجم حجابها الذي أعاق رؤيته، وبين صفحات الفيسبوك الليبرالية التي تدعي النسوية، تهاجم النساء المحجبات، وتفترض كذب اللاتي ادعين أن الحجاب لم يفرض عليهن مجبرات بل اخترنه بأنفسهن! في صور ساخرة تحاول إظهار النساء المحجبات بإرادتهن، كنساء مقموعات وكاذبات.
أقوال جاهزة

شارك غردسواء كتب السواح ذلك أو لم يكتب، هل وصف ما قيل كـ"حرية" يغير كون المنشور كارهاً للنساء المحجبات؟ وهل نسلط المقدار الكافي من الضوء اليوم على العنف الذي يمارس ضدهن في مجتمعاتنا؟ وهل الحجاب يعد رخصة للممارسة الذكورية بشكل يعفي مرتكبها من المحاسبة؟

شارك غردلقد كانت رؤوس النساء وأجسادهن منذ وقت بعيد ملعباً للرجال، يمارسون فيه حروبهم وسلطتهم وما إلى ذلك، تقول لي سعاد، وهي نسوية محجبة، "لم يجبرني أحد على ارتدائه ومن المشين أن يتهمني بقلة العقل بسبب قطعة قماش".

شارك غردإن التشكيك بخيارات النساء أقبح وجه من وجوه الذكورية، فلا يختلف من يطالب المرأة بنزع الحجاب عمن يطالب المرأة بارتدائه، فهما يتشابهان في محاولة إخضاع جسدها والتحكم به بشكل سلطوي فوقي بشع، الجهتان ضمناً تريان المرأة "ناقصة عقل" تحتاج إلى توجيه لأنها "لا تعرف مصلحتها".

"النسوية" الليبرالية

حتى تتحول "النسوية" لأداة جلد أبوية ذكورية تتحكم بأجساد النساء وتحدد لهن شكلاً موحداً لما يعنيه التحرر، يتمحوّر حول كشف الجسد حتى لو لم تجد المرأة راحتها به، هذه "النسوية" الليبرالية أو ما يمكن أن نسميه بـ"نسوية" جورج بوش أيضاً، التي تفترض تخلّف المحجبات وتوقهن للحرية العارية لم تكن من اختراع السواح.
فعلى سبيل المثال يمكننا مشاهدة نسويات ليبراليات مثل الكاتبة المصرية "النسوية" الشهيرة نوال السعداوي التي صرّحت في مقابلات عدة رفضها لحجاب النساء حتى لو كان بخيارهن ولم يجبرن عليه، ففي برنامج بيت القصيد مثلاً عبرت عن استيائها من أستاذة في الجامعة في تخصص النانو-تكنولوجي ترتدي الحجاب و"تعتبر رأسها عورة" بحسب وصف السعداوي، ولما سألها المحاور (زاهي وهبي) هل هذا حرية شخصية؟ اعترضت على ذلك وشبهته بالعري في الأماكن العامة، واصفة عرض الجسد بـ"عرض البضاعة" وتحجيب الرأس على أنه "تغطية للبضاعة" مسلعة الجسد، ما يذكرني بتشبيه الإسلام المتطرف للمرأة المحجبة بالحلوى المغلفة والسافرة بالحلوى المكشوفة أمام الحشرات، والكاتبة اللبنانية النسوية جمانة حدّاد حين تستضيف في حلقة من حلقات برنامجها وانتو؟ فتاة محجبة تدعى مريم ليتمحور كل اللقاء حول محاولة جمانة إثبات أن مريم التي تقول بأنها مقتنعة بحجابها في الحقيقة مجبرة عليه،"مع احترامي الكامل لقرار كل محجبة إنها تتحجب" بدأت جمانة حديثها في حلقة تحت عنوان"هل الحجاب فعلاً خيار؟" وبعد أن أكدت مريم: "أنا وقت تحجبت، تحجبت بإرادتي" كمحاولة لإثبات عدم كذبها أمام الكاميرا، اختتمت جمانة حلقتها متقدّمة بطلب من مريم بمراجعة قرارها هذا وإعادة التفكير به!
في حوار لي مع جنى نخال، الباحثة النسوية والمخططة المدنية عن الحجاب والنسوية الليبرالية قالت لي: "من المضحك أننا ما زلنا في عصر تقول فيه النسويات بأن المحجبات متخلّفات وأن الحجاب ليس حرية شخصية لأنه تعبير عن فرض عادات الدين. كره الدين جعلنا ننسى بأن خيار الحجاب مختلف بين امرأة وأخرى، وأن دورنا كنسويات هو أن ندعمهن مهما كان السبب وراء خيارهن".
 وتعرض لنا جنى الحالات المختلفة لصراع النساء مع فكرة الحجاب من زاوية نسوية ماركسية تقاطعية: "إن كان الحجاب مرغماً وهن يردن خلعه، فدورنا دعمهن لتخطي الضغط الاجتماعي والتهديد، وإن كان خيارهن الشخصي الواعي، فدورنا أن ندعم حاجتهن لتغطية أجسادهن، وإن كن يردن ارتداءه وهناك منظومة تمنعهن، فدورنا الوقوف معهن ضد تلك المنظومة".
إن التشكيك بخيارات النساء أقبح وجه من وجوه الذكورية، فلا يختلف من يطالب المرأة بنزع الحجاب عمن يطالب المرأة بارتدائه، فهما يتشابهان في محاولة إخضاع جسدها والتحكم به بشكل سلطوي فوقي بشع، الجهتان ضمناً تريان المرأة "ناقصة عقل" تحتاج إلى توجيه لأنها "لا تعرف مصلحتها".
بالتأكيد لا يمكن إنكار وجود نساء يُفرض عليهن الحجاب، ولكن هذا لا يعني إن كل المحجبات مجبرات على ارتدائه، أو أنهن كاذبات عندما يخبرننا أنهن اخترن الحجاب!
وحتى لو كن ضحايا هيمنة ذكورية أبوية على أجسادهن، فهذا لا يعني أنهن أقل ذكاء من السافرات، بل ربما يعني أن الحكم على الآخر وفق شكله/ها أو ما يرتدي/ترتدي هو أحد أشكال الإقصاء التي يجب أن لا نتسامح معها.
***
ملاحظات هامشيّة:
1- تطلق كلمة حايك على لباس المرأة في المغرب، والمكوّن من قطعة ثوب ترتديه المرأة، يستر رأسها ووجهها وكامل جسدها. (قاموس المعاني).
2-  فرانز فانون، العام الخامس للثورة الجزائرية، ترجمة: ذوقان قرقوط، دار الفارابي، 2004.
3- https://www.theguardian.com/world/2002/sep/21/gender.usa

هذه التدوينة تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي رصيف22.
موسى الشديدي

كاتب وفنان تشكيلي كويري، درس علم النفس في جامعة عمان الأهلية، مؤسس ومدير مبادرة سينمجي التي تتناول قضايا الجنسانية والجسد في السينما، صدر له مؤخرًا كتاب "الجنسانية اللامعيارية في السينما العربية".

التعليقات