على خُطى خاشقجي... سأقول كلمتي الحُرّة

على خُطى خاشقجي... سأقول كلمتي الحُرّة

منذ أن خرجت ناجية بنفسي هاربة من حفلات الجنون والتعذيب والانتقاص من الإنسان وكرامته في سجون بلدي التي تضّم خيرة النساء، وذهني لا يهدأ، كنت أتجنّب محاورة نفسي في ذكريات الرعب، لكني استعدت شريط ذكرياتي المريرة بعد أن قرأت مقال علياء حول شقيقتها، الناشطة الحقوقية لجين الهذلول، والذي جاء فيه: “سعود القحطاني كان يهددها بالاعتداء الجنسي والقتل، فخوذها محروقة ..”، لم أستطع أن أكمل المقال في المرة الأولى، أقفلته، وانفجرت باكية... ثم بدأت استجمع نفسي بعد أن مرّت هذه الكلمات كالسكين على جسدي، وأعدت قراءته مرات ومرات.

لم نعهد بلدنا بهذا القدر من العنف، وكانت لطبيعته القبلية وخصوصيته الدينية الأثر الأكبر في المحافظة على نوع من الأعراف بين السلطة والمواطن، لكن انفرط العقد في العهد الجديد، بعد أن تولى الأمير محمد بن سلمان زمام الأمور، وقرّب منه شخصيات عُرفت لاحقاً بأنها سادية وعنيفة.

قبل أيام، وصلتني رسالة من صحفية تريد أن تجري معي حواراً حول واقع حقوق المرأة في السعودية، شكرتها على مبادرتها ثم رفضتها بأدب مدعية أنني مشغولة، والحق يُقال أن ذهني فقط كان مشغولاً. كنت أفكر بالخيارات التي تواجه المدافعة عن الحقوق في السعودية، فهي تقف أمام ثلاث خيارات صعبة: أوّلها أن تختار مجبرة الصمت والإنكفاء إلى الغرف المظلمة بعيداً عن المشاركة في الشأن العام متخلّية في ذلك عن حقوقها الأساسية، ثانيها أن تنخرط في جوقة التصفيق والمدح على كل فعل إيجابي أو سلبي يصدر من المسؤولين دون أي مساحة للانتقاد، وثالثها أن تستجمع كل شجاعة في النفس ثم تبدأ بالمدافعة والحديث عن الأحوال والصعوبات التي تتعرض لها المرأة السعودية مستلهمة في ذلك من سبقها من المناضلات والمصلحات.

أقوال جاهزة

شارك غردلم نعهد بلدنا بهذا القدر من العنف، وكانت لطبيعته القبلية وخصوصيته الدينية الأثر الأكبر في المحافظة على نوع من الأعراف بين السلطة والمواطن، لكن انفرط العقد في العهد الجديد، بعد أن تولى الأمير محمد بن سلمان زمام الأمور.

شارك غردالسعي في هذا الطريق الموحش له ضريبته الباهظة، أولها، الاغتيال الاجتماعي، لكني على يقين تامّ أن من سبقني فيه كالشهيد جمال خاشقجي وغيره، اجتمعت فيهم صفات النُبل والإخلاص التي بُنيت على منهج قويم أساسه أن الوطن يجب أن يكون للجميع بدون استثناء.

فكّرت، ثم عزمت على أن أكون ممن يختار الطريق الثالث، في ذات المسار الذي كان فيه شهيد الكلمة الحرّة، جمال خاشقجي، ينافح فيه بشجاعة، والكثير من روّاد المجتمع الذين ساروا في هذا الطريق لسنوات، دعوا فيها إلى العدالة والمساواة والسماح للنساء بقيادة السيارات، ونادوا بوجوب حفظ حقوق الإنسان، وتحديث تشريعات الدولة لتتناسب مع مستجدات الحاضر من خلال مراعاة دور المرأة في المجتمع ووضع حد لنهاية ولاية الرجال على النساء.

هو ذات المسار الداعي إلى حفظ حقوق المواطنين وأداء الدولة لواجباتها تجهاهم، هو حقٌ من حقوقهم، وليس هبة من الدولة، وليست منحة يقدمها الحاكم لرعيته، وأن الإقصاء والتهميش والتغييب في السجون لا يمكن أن يكون مصيراً لكل من يقدم نقداً بنّاءً أو معارضة تريد أن ترى البلد بحال أفضل.

أعلم أن السعي في هذا الطريق الموحش له ضريبته الباهظة، أوّلها، الاغتيال الاجتماعي، لكني على يقين تامّ أن من سبقني فيه كالشهيد جمال خاشقجي وغيره، اجتمعت فيهم صفات النُبل والإخلاص التي بُنيت على منهج قويم أساسه أن الوطن يجب أن يكون للجميع بدون استثناء، وأن السعي للإصلاح فضيلة يجب أن يتحلى بها مثقفو البلد وعامة المجتمع، وأن واجب المواطن الإصلاحي المحبّ لبلده أن يؤشر على مناطق الفساد والخلل وأن يقدّم نصيحته الخالصة لمن بيده الأمر ويحذّر الرأي العامّ منها لئلا تتفشى هذه الأوبئة وتصبح صبغة تسود هيئة الدولة ومؤسساتها، وعلى هذا المنهج القويم أحاول أن اقتفي الأثر واستمر في المضي فيه.

هذه التدوينة تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي رصيف22.
ريم سليمان

كاتبة سعوديّة ومدافعة عن قضايا المرأة السعوديّة.

التعليقات