شباب تونس 2019: بين الغربة في المهجر والاغتراب في الوطن

شباب تونس 2019: بين الغربة في المهجر والاغتراب في الوطن

يُفتح النقاش حول الهجرة في تونس من جديد بعد تداول أرقام "مُفزعة" عن عدد المُهاجرين، وما يفزعُ الحُكّام وأبواقهم حقيقة، ليس عدد المُهاجرين وإنما "نوعهم": الإطارات والكفاءات لما في ذلك من أثر سلبي على سير المؤسسات الاقتصادية. كما أنّهم لا يبدون اهتمامًا كبيرًا ببقية المُهاجرين ولا يلقون بالًا أصلًا بالباقين. لهذا أريد الحديث عن المُهاجرين "العاديين" والقاعدين وعن أثر غياب أحبابنا على سير حياتنا.

فمن منا ليس له قريب أو صديق في الغربة؟ من منا لم يوّدع عزيزًا خرج باحثًا عن لقمة عيش وحياة كريمة؟ كم اسمًا خطر على بالك عزيزي القارئ وعزيزتي القارئة الآن؟

عن المُهاجرين العاديين أو لماذا نُهاجر؟

يعتقدُ بعض "الأعمام "(1) القاعدين، بأنّ الشباب يُهاجر بحثًا عن الترف والغنى وحتى المُجون، ويعتبرون هجرتهم جُبنًا وهروبًا من مواجهة الواقع ومُحاولة تغييره بل منهم من يُرجع أسبابه لنقص وطنية هذا الجيل وأنانيّته! طبعا لن أُضيعَ وقتي ووقتكم في الرّد على هذه التفسيرات "العميقة".

طرحتُ هذا السؤال على جُلّ أصدقائي وأقربائي المُهاجرين والجوابُ تقريبًا واحد: "أرحلُ طمعًا في حياة كريمة". ولا تتلخص الكرامةُ، "عمّو"، في مُجرّد دخل شهري مُرتفع ورفاهية ماديّة، ولكنّها شُعورٌ، شُعورٌ بأنّ حُقوقك محفوظة: بأنّك إن مرضت فستُعالج وإن ظُلمت فستُنصَفُ وإن جُعت فستأكلُ. لماذا على المواطن التّونسي، أو العربي بشكل عام، أن يُعاني الأمريّن يوميًا في البحث عن مواصلات آدمية حتى يصل عمله –إن وجد عملًا طبعًا -عمله الذي وعلى الأغلب لا يمت لمجال دراسته بصلة! عمله الذي يتقاضى عنه مليمات لا تُسمن ولا تُغني من جوع! لماذا عليه أن يقبل بتسلّط مُديره وبخساسة "عصافيره"(2)؟! لماذا عليه أن يقبل بإهانة الشُّرطي وظلم القاضي وطمع المُعلّم وفساد الموّظف وسفالة الإعلام؟!

"هُنا تُدفن الأحلام"، تُطالعني هذه العبارة على جدار مدرسة مُجاورة لتمركز إدارات الدّولة و "يُصلحُها" عقلي في كلّ مرة قارئًا: "تدفن هذه الدّولة الأحلام"، طبعا أحلام عامّة النّاس، فهذه الدّولة قاطرة لأحلام أبنائها المُرفهين والمُتنفذين، كانت ولا تزال. قطعًا لسنا جُبناء على العكس فمنّا من لّقى صدره للرصاص حالمًا بشغل وحُريّة وكرامة وطنية!

ألا يرى الأعمام بأنّ أسباب هجرتنا هي نفس أسباب ثورتنا؟ ألم نثُر يومًا طلبًا للكرامة؟ نُهاجر الآن بحثًا عنها!

عن الباقين...

بإمكاننا تصنيف القاعدين أو الباقين إلى نوعين: من اختاروا البقاء ومن اضطّروا للبقاء. المُضطرّون أيضا نوعان: من يبقى لظرف شخصي ومن يبقى لعدم قُدرته على استيفاء شروط الهجرة النّظاميّة ولا يتجرأ على خطر غير النظاميّة.

لماذا نبقى؟

لا تنتفي مُحفزّات الهجرة عند القاعدين كما لا تنتفي أسباب البقاء للمُهاجرين. بالله عليكم ألا تشعرون يا معشر الباقين بأنّ مُجرد بقائكم مُقاومة وصُمود؟! كُل شيء يُحرّض على المُغادرة، الحُكومة نفسها تُشجعك ولسانُ حَالها يقول "بأنْقص فَرْطاس"(3)! ولكننا باقون، نُحاول خَلق شيء من الحياة في بلادنا. فعلى هذه الأرض ما يستحقُ البقاء؛ عُشّ دافِئ مع الْكفاف، وضوْء نَهاَرٍ وضّاح، وأمَلٌ في التّغيير.

كيف نبقى؟

سيُهلِكُك البقاء إنْ لم تُقاوم، وإنْ لم تَضع هدفًا تسعى وراءه، وإن لم تصنع جزيرة سلام وَسَط المُستنقع المُحيط. ولكن عزيزي المُقاوم وقبل أن تصنعَ جزيرتك هذه، عليك أن تحميَ نفْسك أوْلًّا من صُنّاع الرّداءة: فلا تُشاهد نفاياتهم التلفزيونية ولا تستمع إلى تُرّهاتهم الإذاعيّة وقاطع ما استطعت مموّليهم، ولا تنجر وراء معاركهم التّافهة ولا تُصدّق "أكفاءهم" ومُحلليهم. ولكن انتبه! أنْ تصنعَ جزيرتك لا يعني البتة أن تعزلَ نفسك: ابحث عن المُقاطعين أمثالك وإن لم يُشبهوك. ما اخْتلافُكم إلّا ثَرَاء لكُم. حدّدوا أماكن الجمال وهُبوا إليها فُرادى وجماعات. جبال أو شواطئ أو غابات أو مسارح أو مقاهٍ... ليس مُهّما، المُهّمُ أن يَكُون الجَمالُ ضالّتُكُمْ. اسمعّوا أنّات المُستضعفين وضَمّدوا جراحَهم فتُضَمَّدُ جراحكم. تجذّروا وتوّحدوا وأعدُّوا للأوْغاد ما اسْتَطَعْتُم من تَنْظيم، وأبْدِعُوا بدائلكم يرْحَمْنا ويرْحَمْكُم الله.

طبعا لا سبيلَ لكُلِّ هذا إن لم يكُن لدى القاعد حدّ أدنى من الاستقرار المادّي وبعْضُ الوعي والإدراك.

أقوال جاهزة

شارك غردطرحتُ هذا السؤال على جُلّ أصدقائي وأقربائي المُهاجرين والجوابُ تقريبًا واحد: "أرحلُ طمعًا في حياة كريمة". ولا تتلخص الكرامةُ في مُجرّد دخل شهري مُرتفع ورفاهية ماديّة، ولكنّها شُعورٌ، شُعورٌ بأنّ حُقوقك محفوظة: بأنّك إن مرضت فستُعالج وإن ظُلمت فستُنصَفُ وإن جُعت فستأكلُ.

شارك غرد"هُنا تُدفن الأحلام"، تُطالعني هذه العبارة على جدار مدرسة مُجاورة لتمركز إدارات الدّولة و "يُصلحُها" عقلي في كلّ مرة قارئًا: "تدفن هذه الدّولة الأحلام"، طبعا أحلام عامّة النّاس.

شارك غردهل أكون جاحدة للتطوّر التّقني إن قُلت بأنّ علاقاتنا صارت حبيسة حواسيبنا وهواتفنا الذكية؟ صار الواحد يحمل أحبابه في جيبه... علّ بعضكم يقول أفضل من أيام زمان حين كان الفردُ ينتظر أيامًا وأسابيع حتى يغنم برسالة واحدة.

"في حضرة الغياب"

سأل محمود درويش يومًا عن معنى الوطن فقيل له بأنّه [البيت، وشجرة التوت، وقن الدجاج، وقفير النحل، ورائحة الخبز والسماء الأولى] ولكن هل لكُلّ هذه الأشياء من معنى إن لم نكٌن مُحاطين بأحبابنا وأهالينا؟! خُذ معك أسرتك وأقاربك وأصدقاءك ومعارفك لأقاصي الأرض ولن تشعر ـ تقريبًاـ بالغُربة. أمّا وأنت في بلادك وقد غادرك أهلك وأصدقاؤك وجُلّ معارفك فستشعر حتمًا بالاغتراب. زد على هذا ضنك العيش والشعور بالضيم وانسداد الآفاق! هل بإمكاننا في هذه الحالة الحديث عن الانتماء والوطن؟ فلنتفق إذا بأن الأهل والأصحاب والأقارب هُم أساس ما نسميه وطنًا.

حتى وإن نجحنا في تأمين استقرار مادي و"جزيرة سلام"، كيف لنا العيش و"أوطاننا" بعيدة عنا؟ بالله عليكم كيف تحلو مائدة الإفطار دُونهم؟! وكيف تزهى الأعراس من دونهم؟! وهل للأعياد طعم وهُم غائبون؟! وهل للأتراح من سلوى وأحبابنا في المنأى؟

كلنا، مُهاجرون وقاعدون، نعيش على الذكريات وعلى أمل اللقاء وتحت رحمة التّكنولوجيا. نعم نراهم ونسمعهم ويروننا ويسمعوننا ولكن ماذا عن اللمس؟ وماذا عن الأحضان والقُبل؟ وماذا عن الطبطبة؟ وماذا عن الرّائحة؟! سيكون جميلًا لو تُخوّل لنا التكنولوجيا تعبئة روائح أحبابنا في القناني حتى نتعطر بها حين يُداهمنا الحنين. هل أكون جاحدة للتطوّر التّقني إن قُلت بأنّ علاقاتنا صارت حبيسة حواسيبنا وهواتفنا الذكية؟ صار الواحد يحمل أحبابه في جيبه... علّ بعضكم يقول أفضل من أيام زمان حين كان الفردُ ينتظر أيامًا وأسابيع حتى يغنم برسالة واحدة. رُبّما...أو تدرون ما الأفضل؟ الأفضل ألاّ نجوع ولا نُهان ولا نُقمع في بلادنا، وألاّ يُخيّر المرء بين أهله وحلمه. الأفضلُ ألا يضطر أحدّ للمُغادرة!

***

ملاحظات هامشيّة:

1- كبار السّن.

2 - يُقصد بها الوشاة والمتملقون.

3-  الفرطاس بالتونسية هو الأصلع وتدُلُّ هُنا على المواطن عمومًا.

 

هذه التدوينة تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي رصيف22.
مروة الشريف

معلّمة لغة إنجليزيّة من تونس.

التعليقات