فقاعات يسارية تُثقب في حوارات "سيرفيس" بيروت

فقاعات يسارية تُثقب في حوارات "سيرفيس" بيروت

كان ذلك اليوم في أوائل الخريف، مشمساً، جميلاً كأنه خرج من قصيدة شاعرة تعشق بيروت. قررت أن أتمشى من الأشرفية إلى بشارة الخوري. نزلة صغيرة، مشية سهلة. الخريف، وما أدراكِ ما هي أيام خريف بيروت. كأن يومذاك خسرت الشمس المعركة مع السحاب وقررت بيروت أن تختبر قدرتي على الطوفان وسط شلالات تهطل طلوعاً نزولًا ومن حيث لا تدري. "طب يلا قربت على السوديكو، بعد في فشخة، بس خلص شو هيدا باخد سرفيس" قلت لنفسي. من كثرة هطول المطر صعدت إلى أوّل سيارة سرفيس توقف لي... "على بشارة الخوري، عمل معروف" نطقت بينما أحاول أن أجفف أجفاني من حمام الوحل الذي سببه "الشب المذوق" الذي لسببٍ ما قرر أن يمر في حفرة الوحل بسرعةٍ تكفل التوزيع المتساوي للطراطيش على الجميل.

"بشارة الخوري؟" رد علىّ السائق باستغراب. ابتسمت وأجبته: "معليش عمو بس لإنو عم تشتي، بعرف إنو فشخة بس إذا بتعمل معروف توصلني"... "له يا عمو!"، أجاب الرجل الستيني، وتابع: "بنزلك على آخر السوديكو، بشارة الخوري منطقة مش إلنا، ما منقطع الحدود". في هذه اللحظة كدت أسمع صراخ فقاعتي اليسارية تنازع الحياة، لقد ثقب السائق فقاعتي اليسارية، النسوية الما بعد بعد تقدمية، غير العابئة بالطوائف والدين وخطوط التماس وكل ذاك الهراء! إنه العام 2013، سقطت خطوط التماس، نسيتنا وتناسيناها، أزيلت المتاريس والحدود الفاصلة بين المناطق المسيحية والمسلمة، اختلطنا وتحممنا بالعيش المشترك، ثرنا، كبرنا، تغيّرت جغرافية بيروت كل يوم، حيّ هُنا وبار هناك، بناية جديدة هنا وباركينغ تحوّل إلى ناطحة سحاب لا يقطنها أحد... تتغير بيروت كل يوم بحفرها ومواقع البناء ولكن للبعض منّا، الحدود غير المرئية ما زالت موجودة! تحدها غرباً وشرقاً: هُم ونحن.

"هُمّ ونحن" قلما تتركنا نستمتع برحلة في بيروت، معظم الوقت هي مفاوضات صامتة تحدد أسعار الانتقال بين حدود المناطق. إن كان في السرفيس أو في التاكسي، سعر التنقل بين رأس النبع وبدارو مثلاً يكاد يقارب سعر التاكسي من الأشرفية لجونية. حتى دليفري لمحالّ البقالة قلما تتنقل بين "الشرقية والغربية". هناك الكثير من الحوادث المضحكة مثلاً عندما أقول للديليفري الوحيد "الفاتح بنص الليل" أن بيتي في السوديكو وليس في رأس النبع، لأن الجواب دائماً يكون: "سوري ما منوصل على راس النبع مدام". للتوضيح، الفرق بين رأس النبع من جهة المتحف والسوديكو تقاطع صغير يكاد لا يبان. فأين تنتهي السوديكو وتبدأ منطقة رأس النبع في هذه البقعة الصغيرة التي اسمها بيروت؟

أقوال جاهزة

شارك غرد"بنزلك على آخر السوديكو، بشارة الخوري منطقة مش إلنا، ما منقطع الحدود". في هذه اللحظة كدت أسمع صراخ فقاعتي اليسارية تنازع الحياة، فقاعتي اليسارية النسوية الما بعد بعد تقدمية، غير العابئة بالطوائف والدين وخطوط التماس وكل ذاك الهراء!

شارك غردأزيلت المتاريس والحدود الفاصلة بين المناطق المسيحية والمسلمة، اختلطنا وتحممنا بالعيش المشترك... تتغير بيروت كل يوم بحفرها ومواقع البناء ولكن للبعض منّا، الحدود غير المرئية ما زالت موجودة! تحدها غرباً وشرقاً: هُم ونحن

شارك غردكباحثة، فتشت كثيراً عن دراسات تحكي عن الحدود الوهمية، كيف تتكوّن وما هي ديناميكيتها في الحياة اليومية، والشيء الوحيد المشترك بين كل الحدود، الوهمية منها والملموسة والموجودة هي أنها ناتجة عن عنف

أذكر في أوائل الألفية عندما استرسلت في الضحك بعد خروجي من المصعد، الضحكة التي كبتها لدواعي التهذيب بعد أن سألتني جارتي عن ذهابي إلى الحمرا: "ما بتخافي تروحي على الحمرا وحدك؟". جاوبتها باستهزاء فوقي "يي ولاو، ليش بدي خاف؟". ما هذا الخوف أو الفوقية أو الذي لا أدري ماذا  - الذي يحمم بصرنا بإعلانات لإحدى البلديات عن منعها تأجير شقق للناس من "المنطقة المجاورة". أو السيناريو الأفظع: بيع أرض لأحد ليس من ديننا. أو خوف مدام وسائق سرفيس آخر من الغُربية الذين أكلونا "ادخلي اسم منطقة" وضعي جنبها عبارة "بطلت إلنا". "هُم ونحن" من جديد تلاحقني، تلاحقنا كلنا، ولكننا ربما تعودناها... وكأن الشعور بالأمان يأتي من وفرة المألوف غير المتغير وقبوعنا في علب لا يتغيّر وجه سكانها.

أن أقول أنني أفهم ما هي عوامل الخوف من "الآخر" ومناطق "الآخر" وتركيبة الحدود في أذهان أبناء جيلي الذين وُلدوا في الحرب الأهلية، أو أولئك الذين حاربوا في الحرب، لن يكون أمراً فعّالاً، فأنا بعد سنوات من الأبحاث عن الحدود واللجوء ما زلت لا أفهم كيف ممكن لفكرة جغرافية مفتعلة (عن الحدود أتكلم) أن تتبلور في حياتنا اليومية بهذه الطريقة القاسية والدوغماتية. الحدود الذي نعرفها للكرة الأرضية بمعظمها هي فقط من تقسيمات ما بعد الحرب العالمية الثانية، أما الحدود اللبنانية الغربية والشرقية، فهي كما نعرفها الآن من تداعيات الحرب الاهلية. سكان الجنوب مثلاً كانوا يتسوقون في فلسطين لقربها من بيروت ما قبل الاحتلال الإسرائيلي.

لنعود للسرفيس. بعد هذه الحادثة أسقط سماعاتي طوعاً، فوجدت في سائقي السرفيس معرفة تتخطى قراءة الكتب وإنتاجات المعرفة، المعرفة تقبع في أحاديثنا اليومية، في هذا النطاق تقبع في أحاديث السرفيس، طبعاً عندما لا يكون السائق متحرشًا... جعلت من كل رحلة تقريباً موضوع بحثي واستنتاجات. الحدود التي تفصل السوديكو عن بشارة الخوري وعين الرمانة عن الشياح ليست حدوداً ملموسة، ليست هناك متاريس تفصل هذه الشوارع. لكن هناك متاريس لا تزال قابعة في مخيلة الذين يتذكرون الماضي العنيف المرمي تحت سجادات "العيش المشترك" وكل الكلمات المنمقة التي تقف في وجه ذاكرة الحرب. ننسى فنعيد تكرار التاريخ. نتذكر فنتصالح ونحزن ونتخطى ونحاسب. ومن الواضح ان الـ"نحاسب" تقف بيننا وبين تاريخنا.

كباحثة، فتشت كثيراً عن دراسات تحكي عن الحدود الوهمية، كيف تتكوّن وما هي ديناميكيتها في الحياة اليومية، والشيء الوحيد المشترك بين كل الحدود، الوهمية منها والملموسة والموجودة هي أنها ناتجة عن عنف.

الحدود هي كيف ما كان شكلها لا يمكن أن تتواجد من غير عملية عنيفة، التي ترسم الحدود، تحدها، تثبتها وبعدها تترك آثارها في ذاكرتنا كمخالب أخطبوطية تعيد إنتاج نفسها في حياتنا اليومية.  تتبلوّر في الخوف، الخوف من منطقة أو من اسم، أو من حب مُحتمل، أو من صداقة أو من شقة جميلة لا يؤجر صاحبها إلاّ من دينه.

فقاعتي اليسارية الما بعد بعد بعد التقدمية التي ترفض أن تعيش في علب ما بعد الحرب وتثور وتغضب كلما سمعت أحاديث الحدود الوهمية كانت تقف بيني وبين فهم أن الخوف لا يولد معنا بل هو مورّث و/أو مُكتسب. وأن مخالب العنف لا ترحل وحدها مع الزمن بل تقبع معنا، تبني لنفسها بيوتاً في مناطقها وتعمّر حدوداً بينها وبين الآخر كل يوم. بيروت وسكانها يقطنون مع العبث، مع ذكريات أليمة مخيفة مستحيل أن يفهمها من لم يعشها أن يعيش شيئاً مشابهاً لها.

في ذاك اليوم الخريفي المشمس الممطر، تعلمت أحد أعمق دروس حياتي: أن أحاول فهم الديناميكيات الاجتماعية وما زلت أقضي سنوات في فهمها، ولكن الأصعب هو أن نفهم من غير أن نبرر العنف. أحاول أن أفهم الحدود من غير تبريرها، فأنا أكره الحدود سياسياً وتاريخياً. أحاول أن أفهم الخوف من غير أن أغذّيه، أحاول أن أضع جانباً كل موروثات اليسار سريعة الحكم وما زلت فقاعتي تُثقب كل يوم. اسمحوا لفقاعاتكن أن تُثقب.

 

هذه التدوينة تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي رصيف22.
 مايا الحلو

كاتبة وباحثة نسويّة، تعمل في بيروت.

التعليقات