موسيقى الطوارق: أغاني النساء، رقص الرجال والعلاج بالموسيقى

موسيقى الطوارق: أغاني النساء، رقص الرجال والعلاج بالموسيقى

قد لا يهمّ كم بلغ عدد الطوارق الموزّعين على العديد من البلدان الإفريقية شمالاً وجنوباً، لأنّ الإحصائيات في ظلّ هذه الظروف المزرية لا تعبّر عن واقعهم، وهم، وإن تغيرت ظروفهم كلّها، مازالوا يتحرّكون ويرتحلون للالتقاء بالأهل، فمن مدن الجزائر الصحراويّة من الشرق إلى الغرب، من تَمَنْغَسَتْ وجَانَتْ إلى أَدْرَارْ، تنفتح الحدود المُوصَدَة لدواعٍ أمنيّة أمام جماعات الرجال والنساء، الذين يدخلون بوابات ليبيا من مدن كغَاتْ وأُوبَارِي وسَبْهَا، ويشقّون رمال تِنِيري الحارقة، لدخول أراضي النّيجر، من آغَلِيتْ وقَايَا إلى آقَادِيز، هكذا هي الحياة تتجدّد عندهم بتجدّد وَصْلِ الأهل والأحبّة. وهم، ومهما كانت ظروف الحياة بسيطة وأحياناً خالية من الضروريات وهشّة لدرجة قصوى، غير منتمية لعالم الإدارات وبطاقات الهويّة وتمدرس الأبناء وعيش بعضهم في غيتوهات على الحدود، إلاّ أنّهم شعوب ذات معتقدات ومرتكزات قيميّة متفائلة، يؤمنون بالمكتوب والمقدر ويتجاوزونه بمرونة، ولا يكفّون عن إنتاج الفنّ والموسيقى والتي تتكيّف مع الظّروف والمستجدّات، مع الاحتفاظ بالطّقوس الأدائيّة التّقليدية القديمة، والموسيقى والغناء وإن كانت توحي للوهلة الأولى بأنها مجرّد حالة من حالات المرح والتّرفيه، فهي تعبّر وتُملي وظائف اجتماعيّة وعلاجيّة كما سنوضّح ذلك في هذا المقال.

أغاني عاشوراء...الوظيفة العلاجيّة الجماعيّة

"لا يمكن ألا أقف عند تجربة الغناء معكن"، عنوان رسالة أرسلَهَا لنساء واحة جّانَت ولنساء عاشوراء، اللواتي يدّخرن كلّ طاقاتهن لاحتفالات وطقوس عاشوراء، الموسم الذي يُنتَظَر بفارغ الصبر منذ القدم. يحتفل سكّان واحة جَانَتْ بأقصى الجنوب الشرقي الجزائري بما يسمى عندهم ب "سبّيْبَه"، ويدل اللفظ على شهر محرّم في الروزنامة المحليّة، ومنذ بدأ اهتمامي بالاحتفال في العام 1997، بدأت تنمو بداخلي رغبة الفهم ومغامرة الأداء مع سيّدات ماهرات في الغناء، وفي نقل خبرات عريقة في جدائل الحكي الطويلة، أذعنُ لشوق المغامرة وأرفعُ صوتي عالياً، بينما لم أجرؤ يوماً على الغناء على الملأ، كأنني حقّقت رغبة الطفولة التي أجهضتها الجدّة التي بكلمة واحدة، حالت دون ظهوري في برنامج أطفال، كان اسمه الحديقة الساحرة.

وأن أغنّي بعدما برعت في غناء أنواع عديدة وأنا بنت ثمانية أعوام، بتشجيعٍ من أستاذتي الفلسطينيّة، غنّيت بالعربيّة وبالأمازيغيّة وغنيت لميراي ماتيو، هذا ما بقي عالقاً بذاكرتي، أنهم اختاروني كصوتٍ جميلٍ ولم أكن أعرف وقتها ماذا يعني الصوت الجميل. كنت مقلّدة بارعة وممثلة من طراز أول في مسرحيات المدرسة على خشب مغبرّ، كانت تلك المسرحيات فسحة لتفجير مواهبٍ بزغت من زاوية صغيرة ببيت العائلة الكبير، تحت كاميرات مراقبة اجتماعيّة صارمة دون إحداث ضجيج: من العار أن تظهر البنت على شاشة التلفزيون وإن كان ذلك بالأبيض والأسود وهي تغنّي مثل المغنيات، فهذا جرم ويحطُّ من شرف العائلة والمجتمع.

أقوال جاهزة

شارك غردالنساء هنّ المخوّلات بالغناء في المجتمع التقليدي ولا يغنّي الرجال إلا في حالة نادرة، عندما يرافق الرجل عازفة آلة اِمْزاد، وهي آلة تشبه الربابة، تغني النساء والكلّ يحترم أصواتهن المرتفعة ويفضّل أجود وأطرب الأصوات.

شارك غردكما كان لموسيقى اِمْزَادْ دور علاجي فعال في حال الاضطرابات النفسيّة والإصابات التي يُعتقد أنها بسبب ما يطلق عليهم كِيلْ اَسُوفْ، أهل الخلاء من الجن والشياطين.

شارك غردتِنْدِي، وأصله الهاون او المهراس المستخدم في الحياة اليوميّة لطحن الحبوب من بشنة وقمح وتمر جاف وغيرها من المواد، يتحوّل إلى آلة إيقاعية تتحلّق حولها النساء والرجال كل ليلة للغناء والرقص، وحتى لعلاج حالات مستعصية.

بكيت أمام والدي، فهو الوحيد الذي كان يشجّعني ويطلب مني أن أعيد تمثيل مشاهد من البيئة البدوية الأردنيّة من مسلسل "فارس ونجود"، وأن أغنّي له ليستعيد الحلقات الماضية، كان كل شيء سهلاً بالنسبة لي؛ اللباس والإكسسوارات واللهجة، كم كنت أتقنها لأنني كنت مقلّدة ناجحة بامتياز.

كانت هوايتي الوحيدة خارج أوقات الدراسة والعطل هي الغناء، من كلثوميات وفيروزيات وأطرشيات وغيرها، الغناء داخل الصدر أو بين الأصدقاء على أكثر تقدير.

جاءت الفرصة، أو ربما لاوعيي الذي ينخر ويسترجع انكسارات الخاطر واختناق تجارب الطفولة، فدخلتُ بكل ثقلي في تجربة الغناء، في بيئةٍ مختلفةٍ وبلغةٍ مغايرة وريبرتوار جدّ معقّد. تجربتي مع نساء واحة جَانت بأقصى الجنوب الجزائري، في جزء من بلاد الطوارق العابرين للصحراء الكبرى، تجربة بدأت منذ عشرين سنة، وكم في العمر منها، لم يكن لي خيار سوى أن أغني لأعرف الإحساس الموجود في صفوف نساء غزير بالعلامات المبهمة، ماذا يغنين وماذا يفعلن، متى يتوقفن ويغيّرن الإيقاع، ما علاقتهن بالرجل الذي ينظّمهن ويحفّز هممهن للغناء الجيّد ولتعديل الصفوف؟

كل سنة ومنذ الفاتح من محرّم، تشهد واحة جَانَتْ بمنطقة تَاسِيلِيآزْجَرْ، احتفالات كبيرة بمناسبة عاشوراء، احتفالات مميّزة في طابعٍ تنافسي بين مجموعات، تغنّي خلالها النساءُ أغانٍ مُبْهَمَة للجيل الحالي، عميقة المعاني كثيرة المجازات والصور، فقط النساء هنّ المخوّلات بالغناء في المجتمع التقليدي ولا يغنّي الرجال إلا في حالة نادرة، عندما يرافق الرجل عازفة آلة اِمْزاد، وهي آلة تشبه الربابة، تغني النساء والكلّ يحترم أصواتهن المرتفعة ويفضّل أجود وأطرب الأصوات، تلك التي تشبه بعض الطبول ذات الرمزية الكبيرة، تغنّي النساء غناءً وجودياً وليس فقط للإمتاع سريعِ الذوبان والتلاشي، لذلك تملّكتني الشجاعة لأن أرفع صوتي معهن دون خوف من إنقاص كرامة العشيرة ودون المساس بالسمعة، تغنّي النساء، تضرب على الطبول، بينما يرقص الرجال.

هكذا جذبتني سَبَّيْبَه بقوّة تكرارها وهيمنتها على مخيال المجتمع ومخيال الباحثة، إحساس كأنني أمتلك العالم وأنا أحسنُ مخارج الحروف وأحفظ ما يستعصي على البنات هناك، نظراً لاهتماماتي البحثيّة والإصرار على المواصلة لتحقيق أهداف البحث.

سَبَّيْبَه هي فرصة ليتخلّص الجميع من سطوة آلام التاريخ الموجعة وآلام الطبيعة القاسية وآلام الهرميّة الاجتماعيّة التي مازالت تحكم سيطرتها على الواحة، وما أعظم التصوّرات عن المكانات الاجتماعيّة المتباينة المتصارعة رمزياً، هكذا حال المجتمعات التقليديّة في كل مكان، تحتكم إلى مرجعيات متصلّبة وقيمِ فرزٍ عجيبة، تقلّص من حريّة الأفراد، لكن الانصهار في الجماعة يعوّض ويُخرج النفس من دائرة الضيق والحرج، فرصة تعطيها احتفالات عاشوراء، لترتفع الأصوات وتقول مالا يُقال في الوضع العادي، ويُعطَّل الحظر، وتتحوّل الواحة إلى مسرح وكلّ المحتفلين يصبحون ممثلين على خشبة الزمان، أمام متفرّجين يأتون من كل حَدْبٍ وصَوْب، تحت كاميرات التلفزيونات المحليّة والوطنيّة والدوليّة، تتقاطع عروض الترفيه أمام الوفود الرسميّة بعرض العادات والتقاليد وانبعاث تاريخ الواحة وتشكّل الولاءات بين القبائل ذات السيادة والتابعة، وتتراءى مشاهد من التاريخ المحلّي وتأسيس الحياة بالعمارة المتآلفة مع الصحراء، هكذا تتنفّس الواحة وكل مكوّناتها على وقع الغناء والعزف والرقص طيلة الأسبوع.

سَبَّيبْه هي لونٌ غنائي يتصدّر الألوان الموسيقيّة لسكان الواحة المستقرّين، مقابل البدو سكان الصحراء من طوارق منطقة تَاسِيلِي... ويُؤدّى هذا اللون كذلك أثناء طقوس الزواج وبعض المناسبات الأخرى، يصاحب الأداء والمؤديات النسوة طبولٌ مختلفة الأحجام يطلق عليها اسم قَنْقَا (تنطق القاف هنا جيما مصرية)، وبالعرس لا يتدخّل الرجال الراقصين إلا نادراً، وهو لون غنائي لا يُؤدّى إلا بالطبول وكذلك وقوفاً، يصاحب كلّ مراحل الزواج التي تدوم من ثلاثة إلى سبعة أيام متتالية. وهناك أغانٍ أخرى قد تُعزف على آلة طبل وهو عبارة عن صفيحة معدنيّة كانت تستعمل في تعبئة وقود السيارات، يطلق عليها آجَرْمَاني، ربما لأنه كتب عليها Made in Germany، حسب ملاحظة الباحثة نادية مشري سعادة في كتابها موسيقى الأهقار، بالفرنسية.

موسيقى تِنْدِي وإِمْزَاد لعلاج الأفراد

تتمثّل موسيقى الطّوارق في موسيقى آليّة إيقاعيّة كما هو الحال في عزف الاِمْزَاد غير المصاحب بالغناء. وهناك موسيقى غنائيّة صوتيّة تصاحب الطبول واِمْزاَد الذي يرافق فيه عزفَ المرأة غناءُ الرجل، بالإضافة إلى بعض الموسيقى الراقصة مثل؛ "تِهِيجَلْت"وتَزَنْغَرَتْ، وتْهَمَّات، موسيقى خاصة بقدامى العبيد وتؤدّى بالأساس في عمليات علاجيّة تقليديّة وفي العروض الرسميّة والخاصّة.

ويمكن أن تعزف المرأة على آلة امْزَادْ دون أداء صوتي وتصبح بذلك موسيقى آليّة محضة، كما هو الحال كذلك للعزف على المزمار تَزَامَّارْتْا والنَّايْ، وما يمكن استنتاجه أنّه من النادر وجود موسيقى دون مصاحبة أشعار ودون غناء، وهذا حال المجتمعات التقليديّة التي يكون الغناء فيها مصاحباً للموسيقى دائماً، لأنّ النصّ الشعري يؤدّي وظائف اجتماعيّة وسياسيّة ودينيّة.

إِمْزاَد آلة وحيدةُ الوتر تشبه الربابة، وترها عبارة عن شعرة ذيل حصان، سبيب الحصان، واسمها يدلّ على ذلك، فاِمْزاَدْ أو أنْزَادْ يطلق على الشَّعْر عامة، تصنع من ثمرة اليقطين بعدما تُفرَّغ من لبّها ويوضع فوقها الجلد بعد معالجته وصبغه...الخ.

تِنْدِي، وأصله الهاون او المهراس المستخدم في الحياة اليوميّة لطحن الحبوب من بشنة وقمح وتمر جاف وغيرها من المواد، يتحوّل إلى آلة إيقاعية تتحلّق حولها النساء والرجال كل ليلة للغناء والرقص، وحتى لعلاج حالات مستعصية. توضع على فوهته جلود الماعز التي تربط بدورها إلى عمودين خشبيين، تجلس عليه أربع نساء، واحدة تضرب عليه وتغنّي وتردّد معها النساء، فالأداء فردي مع ترديد اللازمة اللحنيّة الغنائيّة من طرف المجموعة النسائيّة، والرجال يتحرّكون ويتمايلون وهم جالسون جنباً إلى جنب النساء، وبعضهم يحمل سوطاً مزيّناً، مصنوعاً من الجلد، يطلق عليه أَلَكُّوظْ، يعبّر عن حالة انتشاء الرجل بالغناء وجمال الصوت، كما يمكن أن يصاحب تِنْدي استعراض بالجمال وهو ما يطلق عليه اِلٌوجَانْ...

تتعلق أشعار تِنْدي بمختلف مجالات الحياة اليوميّة، من حبٍّ ولومٍ وسفرٍ وعتابٍ وهجاءٍ ومدح، وتأتي الأشعار بالتغيّرات الاجتماعيّة والاقتصاديّة والسياسيّة، وهذا ما يطلق عليه تِنْدي الحياة اليوميّة، لكن هناك تِنْدي شعائري خاص بالعلاج، يطلق عليه تِنْدي الجَذْبَة، الحاصل بعدما يأخذ الغناء بلبِّ صاحبه، ويكون هذا خاصاً بالرجال الراقصين، نتيجة حلاوة الايقاع والصوت والعطر قد يُجْذَب الرجل جَذْبَةً مفتعلة سرعان ما يزول مفعولها، وقد يكون الأمر خارج عن السيطرة، فتتبدّل الأحوال الجسديّة والنفسيّة مما يجعل الإيقاعات تتغيّر، والأشعار تؤدّى خصيصاً لعلاج أَمَسْجُولَّلْ، أي المجذوب الوَلِه، وإن استعصى الأمر على سيّدات تِنْدي، يتمّ اللجوء للونٍ غنائي آخر، وهو مايسمّى تَهَمّات.

كما كان لموسيقى اِمْزَادْ دور علاجي فعال في حال الاضطرابات النفسيّة والإصابات التي يُعتقد أنها بسبب ما يطلق عليهم كِيلْ اَسُوفْ، أهل الخلاء من الجن والشياطين. كما تظهر بعض كائنات العالم الموازي على ايقاعات تِنْدي خاص، ويتمّ التحكّم فيها وإخراجها من جسد المصاب بصوت موسيقى الاِمزَادْ الرَّخيم.

فالأمراض التي تعالجها الموسيقى ليست فيزيولوجيّة بل هي أمراض نفسيّة مستعصية على طرق العلاج التقليديّة التي يتمّ اللجوء فيها لمختلف العقاقير والأعشاب وغيرها من الطرق، وفي نهاية المطاف وبعد عجز الموسيقى يتمّ التوجّه نحو الرقية بمختلف أشكالها والتي يقوم بها أصحاب الثقافة الدينيّة وحفظة القرآن ممن يقومون بإخراج الجان التي تسكن الأجساد.

 

هذه التدوينة تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي رصيف22.
مريم بوزيد

باحثة في الأنثروبولوجيا الثقافية من الجزائر.

التعليقات