لماذا تغيب جولي ملكي عن المنصات الإعلاميّة العربيّة؟

لماذا تغيب جولي ملكي عن المنصات الإعلاميّة العربيّة؟

عدا عن الصفحات السورية، خاصّة عبر منصة فيسبوك، من الصعب مشاهدة فيديو مُشاركة الشابة السورية جولي ملكي الأولى في برنامج “ذا فويس” بنسخته الفنلنديّة، الذي انتشر قبل أيام قليلة، في منصات إعلاميّة عربيّة.

بقميص بنفسجيّ، بنطال أسود، وشعر قصير، تدخل جولي منصة "ذا فويس The voice"، وتختار أن تؤدي أغنية "Million Years Ago" للمغنية البريطانيّة أديل، وتسرق قلوب أعضاء لجنة التحكيم بسرعة، بعفويّة وصدق وحساسيّة صوتها، هذه العفويّة التي لم تمنعها من أن تُرسل قُبلة للمغنيّة الفنلنديّة آنا بون إن، بعدما كانت الأولى التي تدير كرسيها لجولي.

غياب جولي عن الساحة الإعلامية العربية، الرسميّة والرقميّة، يثير تساؤلات معيّنة. هذه الفتاة التي لا نعرف كم تبلغ من العمر، لكن كل ما نعرفه هو أنها تركت سوريا قبل 8 أعوام، إبان واقع بلادها، وانتقلت للعيش في السويد، وأن والدتها، التي عبّرت جولي عن حبّها لها في حلقة البرنامج وكذلك باستمرار عبر صفحتها الرسميّة في فيسبوك، رحلت عن هذه الدنيا قبل عام بعد صراعٍ مع مرض السرطان.

لماذا تغيب جولي ملكي عن العناوين الإعلاميّة العربيّة؟ مع أنها - وبحق - نالت إعجاب لجنة تحكيم "ذا فويس" الفنلنديّة، بل أثرّت بكل واحد فيهم على مستوى شخصي. صوتها مميّز، أداؤها كذلك، إحساسها الناضج الذي حضر بالأغنية قبل أن يعرف أعضاء اللجنة منبع هذا الحزن، وهو بالأساس فقدان والدتها.

هذا الحزن الذي قوبل بالاحتضان، بعيدًا عن الكليشيهات، يجد له مكانًا حقيقيًا أيضًا في السياق السياسي لسوريا والإنساني للاجئين الذين تركوا بلادهم وعائلاتهم وذكرياتهم باحثين عن ملجأ آخر، وبنفس الوقت، لم تحاول جولي ملكي أن يكون واقعها هذا، كإنسانة وكسوريّة، هدفًا لكسب استعطاف أعضاء لجنة التحكيم. تجسّد حزنها بفقدان والدتها، بهذا الحزن الذاتي لكنه يشبه أحزانًا كثيرة، لمن فقد إنسانًا عزيزًا أو شيئًا غاليًا، أينما كان.

وهنا، أعود إلى اختيار جولي للأغنية، كخيار ذكي يصبّ أيضًا بوجع السوريّين في العالم، حتّى لو لم يكن ذلك قصدها الأساسي. الأغنية التي تتحدث عن وجع الشوق للأصدقاء والصديقات، وللأم (العائلة)، للهواء (البيت)، الذي غالبًا لن يُخفَف، إذ إن تلك الحياة تبدو أنها كانت قبل "مليون عام"، و"من المستحيل أن تعود". وُهنا، وقع اختيار جولي على أغنية تلائم وجعها الخاص، الذي تجسّد برحيل والدتها، لكنها أيضًا بإمكانها - أيّ الأغنية - أن تحكي عن وجع وشوق السوريّين - التي تشاركهم المصير نفسه نتاج الواقع السياسي - وكذلك البشر عامّة، الذين ليس بينها وبينهم ثقافة مشتركة ولا لغة وتاريخ مشتركان، وهنا يتحوّل الألم الخاصّ إلى ألم حاضن، ويحكي الإنسانيّة جمعاء.

على الرغم من انتشارها عبر بعض صفحات فيسبوك، سواء لأفراد أو غيرها، إلّا أن حضور جولي الإعلامي لم يكن كالمتوقع لشابة سوريّة تملك صوتًا جميلًا واستطاعت أن تحصل على اهتمام وإعجاب اللجنة الموسيقيّة في البرنامج الفنلنديّ. لماذا؟ أشارك هُنا بعض الاحتمالات، التي ليست بالضرورة أن تكون صحيحة، لكنها احتمالات أيضًا! لربما يكون السبب الساذج هو أن المنصة التي احتوت جولي هي ليست منصة عربيّة، وبالتالي، إيقاع وصول هذه الأخبار إلى الناس، أبطأ مما لو كانت المسابقة في بلد عربي. لكن، أتذكر إيقاع الإنترنت وسرعة وصول المعلومة، مع ذلك أحاول عدم دحض هذا الاحتمال!

أمّا السبب الآخر الذي يرمي بنفسه كاحتمال مؤلم، هو أن جولي ملكي "لا تلائم معايير الجمال" التي بلوّرتها ورسّختها الميديا داخل عقول الناس في هذا العصر، بل وجعلت من أهدافنا الأساسيّة أن نشبه أو نحاول الوصول إلى "معايير الجمال هذه"، بل أن نختار من نحبّ ومن يصبح صديقنا أو صديقتنا، بناء على هذه المعايير. أعلم بأني أبالغ بعض الشيء، لكن تحضر هذه المعايير بتفاصيل حياتنا الصّغيرة أحيانًا، ونقع ضحاياها، عن قصد أو غير قصد، فقط لأنها مزروعة بجزء كبير منها في اللا وعي وتعاملنا مع البشر.

من الجدير بالإشارة له، هو بأني لا أقول هنا بأن جولي ملكي ليست جميلة. هذا كلام فارغ. بل أتحدث من مكان فتاة اعتقدت لوقتٍ طويلٍ من حياتها بأنها تعيش ضمن معايير جمال خارج عن "جمال الميديا"، وبمحاولات مستمرة لأن أخسر من وزني كي يشبه جسدي أجساد زميلاتي "المقبولات اجتماعيًا" في المدرسة. وفي زمن آخر، كان من الصعب عليّ أن أصعد إلى المنصة كي أغني - وأنا في جيل مراهقة - فقط لأني أفكر بجسدي وتضاريسه والدهون الزائدة في الأفخاد، أكثر مما أفكر بصوتي وأدائي. وهذه قسوة لم أكن مسؤولة عنها.

اشتغلت كثيرًا على نفسي، على الرغم من أني خسرت من وزني كثيرًا وبتفاوت في مراحل عمريّة متنوعة. لكن الطريق كانت طويلة كي يكون بمقدوري أن أكتب عن الجسد والوزن وتجربتي بصوتٍ عالٍ، في هذا المقال وفي مقالات سابقة. وهذه التفصيلة المهمّة، كانت كفيلة لأن أشاهد حلقة مشاركة جولي ملكي وهي تغنّي بشكل مذهل، بعينين أخريين، مملوءتين بالتقدير وبنفس الوقت، بالإعجاب بفكرة أن تقف امرأة، تعرف جيدًا أنها لا تلائم "معايير الجمال في الميديا" العالميّة والعربيّة أيضًا، لكن تقول بصوتها وحضورها وشعرها القصير وقميصها البنفسجي: أنا جميلة رغمًا عن كل شيء، بصوتي وشكلي. فلتذهب معايير جمالكم إلى الجحيم.

أقوال جاهزة

شارك غردهذا الحزن الذي قوبل بالاحتضان، بعيدًا عن الكليشيهات، يجد له مكانًا حقيقيًا أيضًا في السياق السياسي لسورية والإنساني للاجئين الذين تركوا بلادهم وعائلاتهم وذكرياتهم باحثين عن ملجأ آخر، وبنفس الوقت، لم تحاول جولي ملكي أن يكون واقعها هذا، كإنسانة وكسوريّة، هدفًا لكسب استعطاف أعضاء لجنة التحكيم.

شارك غردأمّا السبب الآخر الذي يرمي بنفسه كاحتمال مؤلم، هو أن جولي ملكي "لا تلائم معايير الجمال" التي بلوّرتها ورسّختها الميديا داخل عقول الناس في هذا العصر، بل وجعلت من أهدافنا الأساسيّة أن نشبه أو نحاول الوصول إلى "معايير الجمال هذه".

شارك غردشاهدت برامج المسابقة العربيّة، عدد كبير من النساء والرجال، الذين لم يلائموا "معايير جمال الميديا".. تغيّرت أشكالهم/ن مع الزّمن، لكن بالعودة إلى نقطة البداية، كم من الأصوات التي سمعناها تقول: "صوتها حلو، بس ناصحة!"

بالتأكيد، شاهدت برامج المسابقة العربيّة، عدد كبير من النساء والرجال، الذين لم يلائموا/يلائمن"معايير جمال الميديا".. سواء بالوزن أو الأنف أو غيرهما من الأعضاء. تغيّرت أشكالهم/ن مع الزّمن، لكني سأعود إلى نقطة البداية، وصدى الأصوات التي خرجت من بيوت كثيرة، تقول: "صوتها حلو، بس ناصحة!".

ختامًا، وبالعودة إلى سؤال المقال، فمن الإجابات التي يمكن أن تصلني على سؤالي أعلاه، هو أن خبر نجاح جولي ملكي ليس مهمًا، مقارنة بما يحدث اليوم في المنطقة العربيّة على وجه الخصوص. وهذه قصّة ثانية، ومحور آخر، مفاده سؤال آخر وهو: كيف علينا أن نزرع ثقافة الحياة، وسط كلّ هذا الخراب؟ ولهذا مقال آخر، أو السؤال ذاته يكفي.

هذه التدوينة تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي رصيف22.
رشا حلوة

كاتبة وصحافيّة ثقافيّة فلسطينيّة مواليد مدينة عكّا، مقيمة في برلين. حاصلة على بكالوريوس علم الاجتماع وعلوم الإنسان (الأنثروبولوجيا) من جامعة حيفا. تكتب مقالات وتقارير متخصّصة في الثقافة والفنّ، وكذلك الثقافة بمفهومها الأوسع؛ قصص الناس، وطقوس حياتهم وعلاقاتهم، والسفر، وغيرها. حصلت عام 2016 على إقامة صحافة ثقافيّة من 'أكاديميّة العزلة' في مدينة شتوتغارت الألمانيّة. تكتب في مدوّنتها الإلكترونيّة 'زغرودة' منذ عام 2007. محررة قسم "رأي" في رصيف٢٢.

التعليقات