كيف يجعل فيلم من نهاية العالم شيئًا جميلًا؟

كيف يجعل فيلم من نهاية العالم شيئًا جميلًا؟
في النهاية يبقى العدم وشاشة سوداء. ملتصقٌ على كرسي بذراعين، مرتعدٌ على هدير كوكب "ميلانكوليا" الذي يرتطم بالأرض. لا عزاء ولا مهرب. هنا النهاية خاليةٌ من الأهوال أو الرعب، تحلّ بتنهيدة وخلاص. هي نهاية العالم بالنسبة للمخرج الدينماركي الملعون، لارس فون ترير، في فيلمه "ميلانكوليا".
إنّها "ميمنتو موري" تبدأ بثماني دقائق آسرة بصرياً وسمعياً. مشاهد فائقة البطء وصور مرمّزة. على وقع موسيقى ريتشارد فاغنر يقترب الكوكب الأزرق من الأرض، طيور تقع من السماء، حصان أسود لم يعد قادراً على الوقوف، عروس في المياه تذكرنا بلوحة "أوفيليا" لميليه، لوحة "الصيادون في الثلج" لبيتر بروغل الأكبر، وأم تحمل طفلها تصارع الأرض التي تغرق قدميها، إنها نهاية كل شيء وبداية الفيلم.

في نهاية السنة أكتب عن أفضل فيلمٍ تحدّث عن النهايات برأيي. "ميلانكوليا" أُنتج عام 2011 وعرض للمرة الأولى خلال "مهرجان كان". هو ثاني أفلام فون ترير ضمن "ثلاثية الاكتئاب" التي شكّلت شبكة خلاصه من حالة الاكتئاب التي مرّ بها. سبقه فيلم "انتي كرايست" (2009) وتبعه فيلم "نيفومانياك" بجزئيه (2013). إنها قصة في جزئين، عن شقيقتين مختلفتين تماماً في انتظار نهاية العالم.

الجزء الأوّل: جوستين

على نقيض الإفتتاحية، يبدأ صلب الفيلم بالصخب المرافق لليلة زواج جوستين (كريستين دانست). على الرغم من أنه يومها، إلّا أنّها لا تفوّت فرصةً للتهرب والهروب، بدلاً من المشاركة في الحفلة تختلي بنفسها مرارًا وتكراراً. إنه الاكتئاب، يعوق تقدّمها، يجمّد جسدها، يسجنها في حدود وهمية في عقلها ويعمي قدرتها على رؤية المخرج. البداية البطيئة تشبه عقلها المكتئب الذي يبصر كلّ ما حوله ببطء، تريد الخلاص من زوجها مايكل (ألكساندر سكارسجارد) الذي لا يعلم أي شيء عن حالتها النفسية، نراهما غريبين تماماً. كل من في العرس في حالة غريبة، الأب غير آبه بابنته العروس، والأم تشهر بصراحة رفضها وكرهها للزواج والطقوس الاجتماعية وحتى رب عملها يلاحقها من أجل إتمام مشروع مهني. تحاول كلير (تشارلوت غاينسبورغ) أن تتابع أختها العروس، هي التي نظمت واستضافت العرس في قصرها الكبير وهي الوحيدة العالمة بمرض أختها. نبقى طوال الجزء الأول خلال العرس فوق كتف فون ترير، هنا الكاميرا تراقب المدعوين، نشاهد "رقصة الموت" إلى أن تنتهي الليلة وينتهي معها الزواج، فحالة جوستين لا تنفك تشدّها إلى الأسفل. هي تبتسم فقط عندما تنظر إلى الكوكب الأزرق.

الجزء الثاني: كلير

على نقيض السيطرة التي ظهرت عليها كلير في الجزء الأول تظهر في الجزء الثاني مضطربة. يستحوذ عليها القلق، مع تفاقم حالة كلير وخوفها غير المبرر من الكوكب الكبير القادم. فزوجها جون (كيفر سثرلاند) موقن ٌبما يقوله العلم والعلماء "الكوكب سوف يمر بمحاذاة الأرض دون الارتطام به".  الكوكب الأزرق يخنقها، الخوف من الموت يلقي بها في جحيم من الأفكار المؤرقة. هي الأم التي تريد الفرار من الموت مع طفلها. في وجه النهاية القادمة تنعكس الأدوار، كلير تغرق أكثر فأكثر بالخوف وجوستين ترى الخلاص في الموت.

الاكتئاب قضية الفيلم، يضيء فون ترير على نوعين منه. الأوّل هو المتواري وغير الواضح الأسباب، حزن هائل لا يمكن تفسيره يغمر يوم الفرح، نجد أنفسنا في خضمّ هذا الاكتئاب المصاحب لكلير دون علمٍ بماضيها أو بالمسببات. ثمّ الاكتئاب الثاني الأكثر وضوحاً، هو اكتئاب النهايات، ما قبل الموت ونهاية العالم، الشعور العميق بالحزن والوحدة.

أقوال جاهزة

شارك غردفي نهاية السنة أكتب عن أفضل فيلمٍ تحدّث عن النهايات برأيي. "ميلانكوليا" أُنتج عام 2011 وعرض للمرة الأولى خلال "مهرجان كان". هو ثاني أفلام فون ترير ضمن "ثلاثية الاكتئاب" التي شكّلت شبكة خلاصه من حالة الاكتئاب التي مرّ بها.

شارك غردالاكتئاب قضية الفيلم، يضيء فون ترير على نوعين منه. الأوّل هو المتواري وغير الواضح الأسباب، حزن هائل لا يمكن تفسيره يغمر يوم الفرح. ثمّ الاكتئاب الثاني الأكثر وضوحاً، هو اكتئاب النهايات، ما قبل الموت ونهاية العالم، الشعور العميق بالحزن والوحدة.

شارك غرديمكن أن يكون فون ترير طموحاً، متكبراً، نرجسياً بأفكاره. يمكنه أن يعبد النهايات، أن يهلل للفناء، ضارباً بعرض الحائط الاعتبارات والمسلمات. هل تقدّم البشر؟ هذا بنيانٌ هشٌ وفارغ لا بل كاذب.

الحياة، الموت، الإنسان والطبيعة

لا شكّ أنّ الفيلم مرآة لفون ترير، قدّم المخرج فلسفته عن الحياة، والموت، والإنسان والطبيعة. يمرر أفكاره على ألسنة شخصياته، "لا يوجد حياة في مكان آخر غير الأرض"، "الأرض شريرة، تستحق أن تُدمر، لا أحد سوف يفتقدها". الرمزية الهائلة في الفيلم وصلت إلى انتقائه إلى جانب الأختين شخصية أساسية غير اعتيادية ثالثة لفيلمه، الكوكب الكبير الذي يوشك على التهام الأرض، "ميلانكوليا" بحد ذاته يعني الحزن العميق، هذا الإسم الذي يصف تماماً حالة جوستين، هو خلاص الإنسان والأرض.
يتغيّر حال جوستين مع اقتراب الكوكب أكثر فأكثر، فكأنما هناك علاقة خاصة تربطها به. السعادة الكامنة في الحزن، إنها جوسلين مع اقتراب النهاية. هذا الكوكب المقبل من بعيد، انتظرته عارية نائمة قرب الماء بعدما كانت لا تقوى على الاستحمام، استلقت على الأرض كأنها تنتظر من ضوء "ميلانكوليا" المنعكس على جسدها أن يشفيها. الكوكب الأزرق هو خلاصها كما هو خلاص الإنسانية الوحيد، سيغمر الأرض ويمنحها العناق الأخير الذي تتوق اليه. أمّا كلير فهي على العكس من أختها، مرضها هو تعلّقها بالحياة، ومع اقتراب النهاية ستحاول الهرب ولكن لا مفرّ.

يمكن أن يكون فون ترير طموحاً، متكبراً، نرجسياً بأفكاره. يمكنه أن يعبد النهايات، أن يهلل للفناء، ضارباً بعرض الحائط الاعتبارات والمسلمات. هل تقدّم البشر؟ هذا بنيانٌ هشٌ وفارغ لا بل كاذب، كهشاشة "الكهف السحري" الذي بنته جوستين لتطمئن الطفل ليو الخائف، زاعمة أنه سيكون آمناً. يجلس ليو هادئاً مغمض العينين بين عُصِيٍّ اعتبرها "كهفاً"، إلى جانبه والدته كلير التي ترتعد خوفاً وتبكي بقوة وبجوارها جوستين، تراقب كلاً منهما منتظرة الموت بهدوء ورصانة. إنّه "ميلانكوليا" يبتلع السماء وينهي العالم.

هذه التدوينة تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي رصيف22.

التعليقات