مرحبا بابا نويل.. هل عرفت أن الحرب مرّت من هُنا؟

مرحبا بابا نويل.. هل عرفت أن الحرب مرّت من هُنا؟

مع حلول عيد الميلاد ورأس السنة، تمتلئ شوارع وطرقات الأحياء المسيحية على وجه الخصوص في دمشق بتزيينات واحتفالات تبدو وكأنها غير مسبوقة. هو تأكيد آخر لنهاية الحرب في المدينة ومحيطها، والتي منعت أصواتها وتفجيراتها وقذائفها من إقامة الاحتفالات بهذه المناسبة بالصخب المعتاد خلال السنوات السبع الفائتة.

هي فترة محببة إلى قلبي وقلوب كثيرين، نشعر فيها كما قالت إحدى صديقاتي "بسلام داخلي غريب، وكأن المحبة تحل ضيفاً من جديد على مدينتنا". أستمتع في هذه الأيام بالسير في شوارع دمشق خاصة في الليل. أتذكر العام الفائت، وخشية كثيرين من الخروج بسبب القذائف التي كانت تنهال على المدينة كل يوم تقريباً، وامتناع آخرين عن التزيين بمناسبة العيد، ربما حزناً لفقد شخص ما، أو خجلاً من إظهار الزينة والموت حاضر في كل زاوية، أو يأساً ومللاً وفقداناً لأي معنى للاحتفالات خاصة أن المعارك الدائرة في الغوطة الشرقية لم تكن تبعد سوى بضعة كيلومترات.

ينقبض صدري مع كل هذه الذكريات. مرت أكثر من ستة شهور على سماعنا لصوت آخر قذيفة أو صاروخ أو طائرة حربية، لكن الخوف لا يزال ملازماً لنا، في كل حركة، وعند سماعنا لأي صوت مرتفع قليلاً، إذ نعتقد بأنه صوت قذيفة هاون ونخفض رؤوسنا دون انتباه. لطالما أضحكتني هذه الحركة التي أعتدناها مع كل صوت، وكأن خفض الرأس سيجنبنا الإصابة بالقذيفة أو شظاياها المتناثرة عشوائياً، أو سيتيح مساحة إضافية لتلك الكتلة المعدنية الملتهبة كي تمر فوق رؤوسنا دون أن تمسها.

لكن هذا الشهر مختلف بكل تفاصيله. الفرح يملأ زوايا المدينة وحبال الأنوار تزين شرفات منازلها. أحدّث نفسي بأنه يجب عليّ أن أنفض كل تلك الذكريات السيئة بعيداً، فهي ذهبت دون عودة. رغم أنني أكره كثيراً تلك الجملة التي يحب البعض تكرارها في كل مناسبة سعيدة "الله يعطينا خير هالضحك"، لكنني أكتشف يوماً بعد آخر بأنني تحوّلت لشخص متوجس من الفرح، ظناً مني بأننا لا نستحق أية سعادة، أو بأن السعادة لا بد أن تجلب بعدها حظاً عاثراً.

أقوال جاهزة

شارك غردمع حلول عيد الميلاد ورأس السنة، تمتلئ شوارع وطرقات الأحياء المسيحية على وجه الخصوص في دمشق بتزيينات واحتفالات تبدو وكأنها غير مسبوقة. هو تأكيد آخر لنهاية الحرب في المدينة ومحيطها.

شارك غردنشعر بهذه الفترة، كما قالت صديقتي: "كأن المحبة تحل ضيفاً من جديد على مدينتنا". أستمتع في هذه الأيام بالسير في شوارع دمشق خاصة في الليل. أتذكر العام الفائت، وخشية كثيرين من الخروج بسبب القذائف التي كانت تنهال على المدينة.

شارك غردتحوّلت البقعة التي أسكن فيها لمثار إعجاب، وحسد في بعض الأحيان. فمكافأة لنا، لا تقنين في الكهرباء طوال هذا الشهر، على عكس أحياء ومناطق أخرى تعاني من ساعات تقنين كهربائية طويلة بشكل يومي، وهو أمر اعتدناه مذ اندلعت الحرب هنا.

يقع منزلي وسط الأحياء المسيحية المحتفلة بعيد الميلاد، ومن السهل عليّ أن ألاحظ كل جديد في التزيينات والاحتفالات بشكل يومي.

مع أول أيام كانون الأوّل/ ديسمبر، بدأ الأهالي بنصب شجرات العيد وتزيينها، كالعادة باللون الأحمر أو الأبيض على الأغلب. اخترقت التزيينات جدار خجل العام الفائت وانطلقت لتملأ واجهات المحال وشرفات المنازل، ولتمتد بين المنازل المتقاربة على طول الطرق بأشكال وألوان متنوعة. تكتب إحدى الفتيات على صفحتها على فيسبوك "لو كانوا ساعدوا بسعر هي الزينة بعض النازحين مو كان أفضل؟". في دمشق وريفها اليوم ما لا يقل عن مليوني نازح، ويُشاع أن أضخم شجرة عيد ميلاد هذا العام في دمشق، وطولها حوالى 30 متراً، كلفت 10 ملايين ليرة سورية (20 ألف دولار).

الباعة الجوالون يملأون الطرق والأرصفة وهم يعرضون مختلف أنواع البضائع، المحلية أو ذات المنشأ الصيني على الأغلب، والتي صنعت خصيصاً لهذه المناسبة. قبعات، أشرطة ملونة، كرات، نجوم، بوالين بمختلف الألوان والأحجام، نظارات كرتونية ملونة، ألعاب تصدر أضواء مبهرة، وغيرها مما يشد انتباه آلاف المارة يومياً. يحاولون المنافسة مع أسعار المحالّ التجارية، التي تعرض بضائعها بأرقام "فلكية" كما يقول البعض. "عم يجيبوا البضاعة من بيروت منشان هيك غالية. القطعة الصيني ب1000 ليرة والأجنبية مو أقل من 5000". بكل الأحوال، وفي كل يوم أسير فيه داخل الأسواق، نادراً ما ألحظ زبائن داخل المحال، أو مارّة يحملون أكياس مشتريات. "السنة الماضية وقت القذائف كنا عم نبيع أكتر"، تقول لنا فتاة تعمل في محل مستحضرات تجميل، ضاحكة. يبدو لي ذاك غريباً، فلمَ يقبل الناس على شراء مستحضرات التجميل، والموت مختبئ في زاوية قريبة؟

بين شارع وآخر، يقف أو يتجول شبان ورجال يرتدون زي بابانويل الأحمر والأبيض. بعضهم متطوع يوزع السكاكر ويتصور مع الأطفال. آخرون يبيعون بعض الألعاب والبوالين، والبعض يشعر بالملل على ما يبدو فيكتفي بالتجول وهو يرن جرساً صغيراً بين الفينة والأخرى. يقترب طفل يبيع أقلاماً من بابا نويل طويل، يطلب من المارة شراء قلم بمئتي ليرة. لا يبدو بابا نويل مكترثاً كثيراً به، إذ يفضّل الالتفات للأطفال المحتفلين. فتاة تعطي الطفل نقوداً ليشتري بها الشوكولا، وتأخذه لأحد المحال فيدخلها ويخبئ النقود في جيبه ويعود للمناداة على أقلامه. أضحك في قلبي. أسأله "هل تريد هدية من بابا نويل؟" "ومن يكون بابا نويل؟" يجيب.

"هل تخاف منه؟".

"لا أعرفه".

أنصرف وأقول له "كل عام وأنت بخير" فيرد بخجل "وأنت بخير".

تحوّلت البقعة التي أسكن فيها لمثار إعجاب، وحسد في بعض الأحيان. فمكافأة لنا، لا تقنين في الكهرباء طوال هذا الشهر، على عكس أحياء ومناطق أخرى تعاني من ساعات تقنين كهربائية طويلة بشكل يومي، وهو أمر اعتدناه مذ اندلعت الحرب هنا. مكافأة أخرى تمثلت بتعليق عشرات حبال الإضاءة "على حساب البلدية" كما يحب كثيرون أن يقولوا بابتسامة عريضة. "ليش البلدية ما علقتلنا أعلام وأضوية وقت أعيادنا؟" استنكر سكان بعض الأحياء الأخرى هذه البادرة الأولى من نوعها في المدينة.

ومع دنوّ موعد العيد، بدأت فرق الكشاف الكنسية بالسير في جولات داخل أحياء المدينة القديمة على وجه الخصوص. تحوّلت المنطقة لكتلة من الصخب والألوان. في إحدى الجولات، سارت في المقدمة ثلاث سيارات فخمة فيها فتيات وأطفال بزي بابا نويل، وأمضوا قرابة الساعتين وهم يحييون الجموع المحتشدة على طرفي الطريق، ووراءهم عازفون وحملة أعلام وصور. في جولة أخرى اكتفت الفرقة ببعض المهرجين والأشخاص المتنكرين بأبطال مسلسلات كرتونية، وهم يحملون البوالين الملونة. الكثير من الطرق التي مروا بها تحمل آثار قذائف الهاون. حفرة كبيرة بجانبها حفر صغيرة من صنع الشظايا.

وفي كل حارة أو زقاق، عُلقت إعلانات حفلات عيد الميلاد ونهاية العام، عدا الإعلانات التي تمتلئ بها مطاعم وفنادق المدينة. يُشاع أن هيفاء وهبي تلقت دعوة رسمية لإحياء حفل رأس السنة في دمشق، وأن سعر التذكرة نحو 250 ألفاً (500 دولار)، لكن الخبر لم يؤكد حتى اليوم. لا صورة لهيفاء وهبي في أي مكان بعد.

الكثير من الضجيج الذي أشعر بأنني غير قادرة على احتماله. الكثير من أحاسيس الغربة، والرغبة بأن أغلق على نفسي باب غرفتي، وأصم أذني عن كل تلك الأصوات، وأغمض عيني كي لا أرى تلك الألوان المبهرة.

منذ حوالى أسبوع، سمعت حديثاً عابراً بالصدفة بين شخصين لا أعرفهما.

"كيف حالك؟".

"لست بخير".

"لماذا؟ انتهت الحرب وكل شيء للأفضل".

"ليتها لم تنتهِ. الله يرحم أيام القذائف. كان الخوف من الموت والمجهول يوحدنا، واليوم كل شيء يفرقنا. لا شيء سيعود كما كان، لا شيء".

هذه التدوينة تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي رصيف22.
زينة شهلا

صحافية سورية في دمشق

التعليقات