كيف تتّصل حياتُنا بالروايات.. وبِلاعبةِ المصارعةِ الحرّة في لبنان؟!

كيف تتّصل حياتُنا بالروايات.. وبِلاعبةِ المصارعةِ الحرّة في لبنان؟!

تتقاطع الشخصیات في الروایات مع أحداث الواقع أحیاناً، لدرجة نشعر أن بعض الوقائع تحدث في روایة؛ فالروایات الجمیلة برأیي، تجعلنا نقرأ ما بداخلنا وما حولنا قراءةً أخرى، كما أنها تجعلنا نضع وقائع كثیرةً داخل ما نقرأ، ونؤلف روایاتِنا الخاصّة عن الأشیاء.

أظن أحیاناً أن بحثي عن الكتب لیس عشوائیاً، فهو جزء من بحثٍ داخلي عمّا یروي حنیني إلى الأشیاء والقصص. وهناك بحث آخر موازٍ، هو بحث في الحیاة عن تلك القصص، وتلك الوجوه التي كأنها أتت من الروایات ولكنها لا شكّ حقیقیة.

وحتى خیاراتنا في الحیاة، قد تكون أحیاناً عشوائیة، وأحیاناً تعود إلى علاقتنا بتلك الشخصیات التي كوّنت حیاتَنا وفكرتَنا عن تلك الحیاة؛ فأتخیّل أنّ شخصیات الروایات ینزلون منها إلى الحیاة، ویحاورونني بكلّ هدوء حول خیاراتي، أو ما تفكّر به صدیقاتي. یقولون لي بما أصبتُ وما أخطأت، حتى أحیاناً أراهم یقفزون من الكتب وینزلون إلى الحیاة ویعیشونها كما هي، ویقرّرون أن یكونوا عكسَ ما أراد لهم الكاتب أو الكاتبة أن یكونوا؛ یصبحون أحیاءً، ولهم وجهات نظر مختلفة بالحیاة. تأتي شخصیات الواقع أحیاناً معجونة بتلك الأفكار التي تحملها الكتب وكأنها أمثلة حیّة عمّا هو مدفون في تلك البیوت الورقیة المتنقّلة بین العوالم.

حین وقع بین یدي كتاب "صباح الخیر أیها الحزن"، كنت أبحث عن روایة تشجّعني على القراءة أكثر، وربّما على الكتابة أیضا. وفعلاً كانت هدیة رائعة من معرض الكتاب؛ فهي الروایة الأولى للكاتبة الفرنسیة "فرانسواز ساغان"، بترجمة "رجاء الطالبي"، وتتحدّث فیها عن خیاراتها في الحیاة، وعلاقتها بأبیها، وعن تدخّلها في حیاته وحبّه.

أقوال جاهزة

شارك غردأظن أحیاناً أن بحثي عن الكتب لیس عشوائیاً، فهو جزء من بحثٍ داخلي عمّا یروي حنیني إلى الأشیاء والقصص. وهناك بحث آخر موازٍ، هو بحث في الحیاة عن تلك القصص، وتلك الوجوه التي كأنها أتت من الروایات ولكنها لا شكّ حقیقیة.

شارك غردأحرزت غنى المیدالیات، وشاركت في البطولات وكانت الفائزة الوحیدة في هذا المجال. إنها حریّتها في أن تقفَ رغم كلّ شيء، وتتابع السیرَ وحدَها مثل كثیرات في مجالاتٍ أخرى یحاولن أن یفعلن شیئاً في عالمٍ یهمل اللاعبات في هذه الحیاة، وهذه هي روایة الواقع الحيّ بامتیاز.

وفي الروایة تكتشف سیسیل أن علاقتها القویّة بأبیها تجعلها تفكّر في إبعاد حبیبته آن عنه، بعد تدخّل آن في حیاتها. فتفكر بأن تجعل سیریل، حبیبها، یحبّ عشیقة أبیها السابقة إلزا، ولكي توهمَ أباها بأنّ أحداً ما، سرق حبّه السابق، وبذلك تجعل أباها یعود إلى مغامراتِه، وینسى آن. ولكن بعدما تتركهما آن، تحزن سیسیل كثیراً، وتشعر بأنّها كانت مخادعة.

أخذتني الروایة بعیداً نحو العلاقة مع الأب؛ حیث مرّت تلك العلاقةُ بفتراتٍ من التّجاذب والنّفور والانسجام. ففي الروایة وصفٌ للمشاعرِ الأنثویّة، في الحبّ والعلاقة مع الآخر، وكیف تحاول مراهقةٌ أن تكون لاعبةً في قدر حیاتها.

وفي الروایة أیضاً تتحدّث الكاتبة عن الجنسانیة بطریقة لیست مضلّلة، إنّما واضحة، حیث تنحاز لحریّة خیاراتها بالتوازي مع حریّة خیارات والدِها؛ فهي لها الحقّ في حبّ سیریل كما لوالدها الحقّ في اختیار آن. لكنّ الكاتبة عبرت عن ذلك بخدعة مراهقة، دون أن تعرف لماذا تفعل ذلك.

وفي تلك الفترة أتت المصادفة الواقعیة أن أتعرّف على غنى عماد جبر عن طریق صدیقة مشتركة. أخبرتْني غنى أنها اللاعبة الوحیدة في المصارعة الحرّة في لبنان. وكانت الدّهشة أن تكون هناك امرأة لاعبة، ومصارعة حرّة ووحیدة. هذه الصعوبة التي جعلتني أسأل عن أمور كثیرة؛ ربّما كان سؤالي عن رأي الآخرین الذي لم تعد غنى تكترث بهم.

أجابتني غنى أنها عانت قلیلاً، لتقنع أهلَها بضرورة اللعب بالنسبة لها، وبأن حیاتها التي اختارتْها بعیداً عن الآخرین. ولكنّ الأهمّ من ذلك أن والد غنى كان مصارعاً، وكانت علاقتها بأبیها قویةً لدرجة أنها بعد وفاته، قرّرت أن تكون مصارعة، في نوع من الإحیاء لتلك العلاقة بینهما.

وعن شعور غنى بأنها اللاعبة الوحیدة للمصارعة في لبنان، فقد أفصحتْ عنه بجملةٍ واحدة، وبثقة عالیة:  "أحبّ المرأة القویّة، ولیس المرأة الضعیفة، وكان أبي دائماً ما یذكّرني بذلك".

الجمیل بل اللافت أنّ غنى لا ترى اختلافاً بینها وبین الرجل، ولم یكن الجنس هو العائق أمامها، بل إنها المساواة في الحق بأن تكون ما ترید. وتشعر غنى بتفرّد أنها الوحیدة في لبنان،  وترید لهذه اللعبة ان تكون للفتیات أیضا.

أحرزت غنى المیدالیات، وشاركت في البطولات وكانت الفائزة الوحیدة في هذا المجال. إنها حریّتها في أن تقفَ رغم كلّ شيء، وتتابع السیرَ وحدَها مثل كثیرات في مجالاتٍ أخرى یحاولن أن یفعلن شیئاً في عالمٍ یهمل اللاعبات في هذه الحیاة، وهذه هي روایة الواقع الحيّ بامتیاز.

هذه التدوينة تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي رصيف22.

كاتبة ورسامة فلسطينية.

التعليقات