شجرة الكريسماس التي أخرجتني من الجنة

شجرة الكريسماس التي أخرجتني من الجنة

أردنا شجرة كريسماس في التسعينات، شجرة كالتي يعرضها التلفزيون الأردني في الأفلام الأجنبية التي تصل مدتها إلى 45 دقيقة كحد أقصى بعد القص. 

القص كفعل مشتق من القصاص، القصاص من المخرج والممثل والكاتب وكل من سولت له نفسه عرض مشهد شهواني على آخر مجتمعات المعمورة التي حافظت على الأخلاق الحميدة. ولأن القص لم يطل الشجرة أردناها هي والزينة والحلويات والهدايا، أردنا أن نحتفل كما يحتفل هؤلاء الأطفال الشقر على الشاشة، وكما تحتفل المذيعة اللبنانية ذات الثوب القصير والفم الكبير. كنا صغاراً وكانت الأمنيات صغيرة.

لكن أمي رفضت، هي لم تشأ أن تتساءل إن كانت الشجرة حلالاً أم حراماً، ورأت في الطلب رغبة طفولية عابرة لن يضر تجاهلها شيئاً. ثم إنها لم ترغب بإعطاء الجارات مادة للتشكيك في وازعها الديني، كانت هذه المجموعة من "النساء الثقات" من أشد المتأثرات بالمد الإخواني العظيم الذي طغى على طفولتنا ومراهقتنا في التسعينات، الجارات اللواتي وضعن مصاغهن الذهبي في حضن زوجة شيخ الجامع لدعم إخوة لنا في أفغانستان. 

على رأسهن المبشرة بالجنة: الواعظة أم أحمد، التي كانت تتكفل بقياس درجة أخلاق كل بنت في الحارة من الطالبات والموظفات مرتين في اليوم، صباحاً بناء على نوع اللباس ودرجة المكياج، ومساء بناء على الساعة التي تعود بها الفتاة إلى منزلها. 

ثم بمنتهى الشفافية كانت تنشر تقاريرها الدورية عن الفتيات على بقية الجارات سعياً منها لتحقيق مبدأ حق الحصول على المعلومة. وبالرغم من الرقابة المشددة التي تمارسها المرأة على بيتنا نظراً لعدم التزامي وأختي بالحجاب أردنا الشجرة، كبيرة ساطعة بحيث تخترق أنوارها قلب أبو أحمد الأسود.

وأبو أحمد الإخواني الفخور هو زوج المذكورة أعلاه، ملتح بلباس باكستاني كاكي، آنذاك كان واضحاً لدى الناس عدم وجود فروق مرجعية بين السلفي والإخواني، كان هذا قبل أن يقرر أحدهم فصل الإسلام السياسي عن الإسلام العسكري إعلامياً، بحيث لا يتحمل أحدهما وزر الآخر في حال أخفق، وبحيث ينجو في حال سقوط الآخر. 

أبو أحمد هو الرجل الذي يخافه الأطفال وتهابه النساء ويتملقه الرجال وتمقته المراهقات، فهو صاحب الكلمة الفصل فيمن هو تقي وفيمن هو "قليل دين"، أهم إنجازاته كان فصل صغار القطط عن أمها ووضعها في كيس خيش ورميها بعيداً عن الحارة للتخلص من موائها ليلاً مما يمكنه من النوم والاستيقاظ باكراً لصلاة الفجر. 

لم يكن أبو أحمد ليقبل بأن توضع شجرة مضيئة في الشارع الذي يخلو من العائلات المسيحية، الشارع التقي الورع الذي يصحو كله على صلاة الفجر بسبب محرك سيارته الضوضائي. وبالتالي لم تتوارَ زوجته عن إخباره بإلحاحنا الذي نقلته أمي لها خلال قهوة الصباح على صيغة نكتة عن أولادها، ولم تكن المرأة لتردد بالعودة لأمي متجهمة محذرة من أن الشجرة حرام، وأن التشبه بالكفار حرام، وأن مجرد الاحتفال بأعيادهم بشجرة أو بدون شجرة حرام حرام حرام. 

أقوال جاهزة

شارك غردلكن أمي رفضت، هي لم تشأ أن تتساءل إن كانت الشجرة حلالاً أم حراماً، ورأت في الطلب رغبة طفولية عابرة لن يضر تجاهلها شيئاً. ثم إنها لم ترغب بإعطاء الجارات مادة للتشكيك في وازعها الديني.

شارك غردكنا صغاراً في التسعينيات، وكان المد الإخواني عظيماً وممتداً وجباراً. عشناه كله بدءاً من حرماننا من شجرة عيد الميلاد وانتهاء باشتراط الحجاب أو الزواج على آلاف الفتيات ممن رغبن بدخول الجامعة.

شارك غردشاهدنا في عشر سنوات كيف اختفى المنديل المعقود للخلف والثوب المطرز لصالح الحجاب الذي يغطي الحاجبين والجلابيب المكعبة، واختفاء الأعراس التقليدية لصالح تلك غير المختلطة وبناء قاعات كاملة لهذه الغاية.

شارك غردولم تكن المرأة لتردد بالعودة لأمي متجهمة محذرة من أن الشجرة حرام، وأن التشبه بالكفار حرام، وأن مجرد الاحتفال بأعيادهم بشجرة أو بدون شجرة حرام حرام حرام. 

كنا صغاراً في التسعينيات، وكان المد الإخواني عظيماً وممتداً وجباراً. عشناه كله بدءاً من حرماننا من شجرة عيد الميلاد وانتهاء باشتراط الحجاب أو الزواج على آلاف الفتيات ممن رغبن بدخول الجامعة. شهدناه كله، حين كانت في كل حي واعظة منقبة، وكانت المرجع الأساسي في تحديد المقبول والمرفوض عند النساء وصاحبة الدور الأهم في التزويج والتطليق.

شهدنا دمغ كل فتاة غير محجبة في جيلي بالانفلات، وتمزيق الأمهات للصور القديمة خوفاً من أن تقلد بناتهن لباسهن في السبعينات والستينات. وشهدنا ظهور أسماء ذات صبغة إسلامية مثل قتيبة حارثة قتادة ساجدة إسلام تقى براءة أبرار. 

شهدنا تحول فلسطين من قضية إنسانية وسياسية إلى طوشة بين المسلمين واليهود، وعشنا لنقول أقصانا لا هيكلهم. ولاحظنا برغم صغر أعمارنا كيف تراجع أهالينا عن عاداتهم البسيطة المتحررة لصالح التزمت، وكيف تم تعهير الحريات في الطبقات الفقيرة والمتوسطة لتمسي الحريات الاجتماعية حكراً على الطبقات الغنية من المجتمع. 

شاهدنا في عشر سنوات كيف اختفى المنديل المعقود للخلف والثوب المطرز لصالح الحجاب الذي يغطي الحاجبين والجلابيب المكعبة، واختفاء الأعراس التقليدية لصالح تلك غير المختلطة وبناء قاعات كاملة لهذه الغاية، وغياب الأهازيج لصالح الدفوف والأغنيات الدينية البيدوفولية. 

في التسعينات شهدنا المرحلة الأصعب من المد الإخواني الذي سيطر على التطور الاجتماعي في البلاد العربية، إلى ذلك الزمن أردت أن أعود بوعي اليوم لأدين مجتمعاً كاملاً خضع لتوجيهات الشيوخ والواعظات، وبتواطؤ مرئي مع الأنظمة التي تركت مهمة "تربية المجتمع" للجماعة تحسباً لظهور أية نزعات تحررية اجتماعية قد تقود لنزعات فكرية قد تقود لنزعات سياسية.

أستطيع أن أقول الكثير عن تلك الفترة من خلال تفاصيل حياتي الصغيرة التي تتشابه مع ملايين الحيوات في العالم العربي، عن حرمانات صغيرة بلا طائل أشيعت كعادات اجتماعية محبّذة من باب الاحتياط، وتم تبنيها من قبل عائلات عادية، فالقليل الذي ذكرته من تحولات التسعينات الاجتماعية حدث في العائلات الوسطية إن جاز التعبير لا في العائلات المتدينة أو المتشددة. 

اليوم أنا لا أريد شجرة، علمانيتي تجاوزت الخراف والأشجار إلى مكان أوسع وأكثر بياضاً، ومع هذا لم تزل الأمنية عالقة في عقل صغير وقديم يتساءل كلما مررت بقرب شجرة الميلاد: ماذا لو احتفلنا مرة واحدة بالكريسماس؟

هذه التدوينة تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي رصيف22.
جمانة مصطفى

شاعرة، صدر لها 4 مجموعات، تعمل في الصحافة المرئيّة والمكتوبة، وتدير مهرجانًا بعنوان "خان الفنون"، يقام في العاصمة الأردنية عمّان.

التعليقات