قوّة السينما العلاجيّة: الشاشة التي تبوح بآلامنا الخاصّة

قوّة السينما العلاجيّة: الشاشة التي تبوح بآلامنا الخاصّة

في القاعة المظلمة في حضن الشاشة الكبيرة والصوت العالي، نجتاز عوالمنا، إنها تجربة تكاد تماهي النوم. "ببراءة الجنين عليك أن تعيش السينما، ستعود إلى الرحم، إلى السكون والظلام بانتظار الحياة، الحياة التي ستظهر على الشاشة" يقول المخرج الايطالي فيديريكو فيلييني. هي عالمٌ موازٍ، تدخل تاركاً شخصك، عالمك المرهق، حروبك التي تمتصّك، إخفاقاتك المتكررة، وعوائق النجاح والقوة التي تسحبنا نحو الأسفل. هو وقت مستقطع من ضجيج روتين يستنزفك، نافذة تطلّ عبرها على ما تريده من حياة آخرين لا تعرفهم. لا تسقط السينما عليك، المشاعر التي تعتريك والانفعالات التي ترتابك ليست هجينة. الإثارة، الرعب، الحب، الاستياء، الذنب، الغضب أو الحزن هي حتماً ملكك، من وعيك الداخلي وتاريخك العاطفي وخبراتك الحياتية. الفيلم ليس قالباً إسمنتياً، إنّه عجينة أفكارك ومشاعرك، إنّه قصتك الخاصة. ومن هنا تماماً، نبعت قوة السينما العلاجية التي اكتشفها علم النفس.

في تزامن جميل، ولد علم النفس والسينما في نهاية القرن التاسع عشر. ظهر علم النفس كتنظيم ثابت عام  1879 عندما انشأ الفيسيولوجي والفيلسوف وعالم النفس فيلهلم فوندت في ألمانيا أول مختبرٍ في علم النفس التجريبي. السينما من ناحية أخرى بدأت في كانون الأوّل/ ديسمبر من عام 1895 على يد الأخوين لوميير. تطورا بتزامن حتى تداخلا، فنشأت علاقة وثيقة بين الإثنين. بديهياً علم النفس جزء من مراحل مختلفة من عملية خلق الفيلم، من تطوير الشخصيات وخصائصها، إلى تركيب المجتمع والبيئة وصولاً إلى كتابة السيناريو. كذلك شكّل علم النفس مادة سينمائية، دوره، الاضطرابات النفسية، رحلة العلاج لمريض نفسي الخ... لكنّ الربط الأعمق بينهما عقده الدكتور غاري سولومون عام 1947 عندما اكتشف فوائد السينما في العملية العلاجية واستخدم الأفلام كوسيلة للوصول إلى العقل الباطن للإنسان.

يدخل العلاج بالسينما في إطار العلاج التكميلي لأمراض عضوية ونفسية، مثل العلاج بالرسم والموسيقى والرقص. لنقترب من الفكرة أكثر، الأحلام علاجٌ فطريٌ، نغوص في النوم وتراودنا أحلامٌ وخيالاتٌ في أعماق قد لا ندركها، كذلك الحال مع السينما. بمحاكاة الوعي وتحفيز الادراك، بحكّ الخيال والقفز إلى العين وطرقات الموسيقى وشبك الحبكة تعالج السينما الذات وتداويها.

الصلة بينهما مع الزمن باتت أوثق، يعتقد المعالجون النفسيون الذين اختبروا السينما بقدرتها العلاجية. فقد أثبتت فعالية كبيرة في مساعدة الأشخاص الذين يعانون من القلق، الإدمان، الاكتئاب، العنف المنزلي، الحزن، نوبات الهلع، رهاب المجتمع، اضطرابات الأكل، الاضطرابات المرتبطة بالصدمات وغيرها الكثير.

السينما نوع من الفنون العاكسة، لا تنتهي الجلسة السينمائية العلاجية عند الخروج من العيادة، فالفيلم يبقى معنا حتى بعد الخروج، يقدم لنا استمرارية التفكير في المشكلة الأساس، بالقضايا الوجودية، المادية، الروحية وحتى اللاحقيقية. إنها بمثابة دفعٍ لتطوير الذات من خلال تحفيز موارد شخصية لم  نعتقد يوماً أننا نملكها، خاصة في مواجهة بعض المخاوف التي لا أساس فعلي أو منطقي لها. رؤية مخاوفنا أمامنا على شاشة كبيرة هي عملية غير سارة ومؤلمة بحّد ذاتها، إلا أنها الطريقة الصحيحة للبدء في التغلب عليها، تساعدنا على فهم أصل هذا الخوف، كيف بدأ واستراتيجيات مواجهته. أبسط مثال على بعض المخاوف التي تنتابنا خوفنا من المرض أو حتى الأطباء أنفسهم، ممثلون عدة لعبوا دور علماء نفس وأطباء ومعالجين، هنا السينما وسيط لتقريب المهنة من المريض. تساعد السينما على التفكير في مواقف تشكّل جزءًا من الحياة وقد يكون من الصعب التعامل معها، مثل الحزن، الموت، التنمر، المرض... تفتح الباب على التفكير، التعلّم والنقاش الذي يمكّن الجميع من المساهمة به بخبرتهم أو تحليلهم. مثال على ذلك الموت، فالموت الذي يشكّل الفكرة الأساس لأفلام كثيرة أو اعتدنا وجوده كفكرة ثانوية على الأقل، نراه، نرى طريقة التعامل معه والكلام عنه، هي وسيلة نفسية تحضيرية لما قد يحصل أو حصل.

لا يمكن حصر العلاج السينمائي بالعلاج الفردي، فالسينما في الأساس هي عملية مشاهدة جماعية، لذلك فهي فعالة في العلاجات الجماعية. يتم استخدام السينما بشكل منتظم في علاجات الإدمان على المخدرات. بعد مشاهدة فيلم، يتم التأسيس لحلقة نقاش، يصبح الإفصاح أسهل بكلّ ببساطة لأنّ التكلم عن شخصٍ آخر أسهل بكثير من أن يتكلم الشخص عن نفسه. بنفس الوقت لها دورٌ وقائي، هي بمثابة تحذير او عرضٍ للعواقب المحتملة للسلوك المضرّ، وعادة ما تستخدم في اضطرابات الطعام وإدمان المخدرات الذي لم يصل لمراحل متقدمة، السينما تساعد المريض على رؤية ما يمكن أن يحدث له في حال استمر على حاله.

نواجه كبشر حروبنا الصغيرة التي نخوضها، ولكن في خضمّ هذه الحروب قد نغفل الآخرين ومشاكلهم، قد لا نتمكن من فهم طريقة تصرفهم، قد يولد خوف منهم، وقد ينشأ نوعٌ من القلق الاجتماعي. هذه الاضطرابات يمكن للسينما أن تساهم في حلحلتها، تلقننا طرق التصرف والتفاعل كبشر، تفهمنا دوافع الأشخاص وخلفيات تصرفاتهم. طريقة العلاج هذه تساعدنا على أن نوسع رؤيتنا، نكون أكثر تعاطفاً أو على الأقل أكثر تفهّماً، نضع أنفسنا مكان الآخرين فتتضاءل حدّة القلق من البشر.

يمكن أن تكون مشاهدة شخص يصارع لتحقيق أهدافه، دافعاً للقيام بالشيء عينه. في بعض الأحيان تكون قوة ما تنقله الشاشة عاصفة لدرجة أنها تولد حافزاً للتغيير، لكسر الخوف من الجديد أو للخروج من فقاعة الراحة الوهمية. قد تعثر على خيارات جديدة، وقد تقلب اتجاه الحياة بأكملها. قد تمنحنا السينما جرعة من التفاؤل، تكون مكبّراً لرؤية جوانب الحياة الجميلة، لتقدير التفاصيل الصغيرة، للتفاعل مع متع الحياة اليومية. الحياة معقدة واقعياً وسينمائياً، ولكن هناك فرصة دائماً للبدء من جديد. عندما تطلّ السينما على حياة أشخاص يمرون بفترات صعبة ثمّ يتغلّبون عليها، تغرس شعورًا بالأمل. نصل إذاً لدور السينما الفعال في المساهمة بالشفاء من الأمراض المستعصية، أثناء المعاناة مع المرض العضوي تتهدّد الصحة النفسية، فالصحة النفسية جزءٌ لا يتجزّأ من الصحة الجسدية. تترك الآثار النفسية ندباتٍ ملموسة على صحة الإنسان. وهنا تحلّ السينما مساعدة في التغلّب على الأمراض المستعصية عبر المحافظة على صحة نفسية سليمة. السينما هنا هي الطبيب النفسي، هي رادعٌ أمام الاكتئاب، للهروب من الواقع لفترة من الزمن، للترفيه عن النفس وتشتيت المريض عن الألم والمرض لبعض الوقت.

أقوال جاهزة

شارك غردلا تسقط السينما عليك، المشاعر التي تعتريك والانفعالات التي ترتابك ليست هجينة. الإثارة، الرعب، الحب، الاستياء، الذنب، الغضب أو الحزن هي حتماً ملكك، من وعيك الداخلي وتاريخك العاطفي وخبراتك الحياتية.

شارك غرديدخل العلاج بالسينما في إطار العلاج التكميلي لأمراض عضوية ونفسية، مثل العلاج بالرسم والموسيقى والرقص. لنقترب من الفكرة أكثر، الأحلام علاجٌ فطريٌ، نغوص في النوم وتراودنا أحلامٌ وخيالاتٌ في أعماق قد لا ندركها، كذلك الحال مع السينما.

شارك غردالسينما نوع من الفنون العاكسة، لا تنتهي الجلسة السينمائية العلاجية عند الخروج من العيادة، فالفيلم يبقى معنا حتى بعد الخروج، يقدم لنا استمرارية التفكير في المشكلة الأساس، بالقضايا الوجودية، المادية، الروحية وحتى اللاحقيقية. إنها بمثابة دفعٍ لتطوير الذات من خلال تحفيز موارد شخصية لم  نعتقد يوماً أننا نملكها.

مدّة الفيلم تعادل جلسة علاجية كاملة، خلالها لا يتكلم المريض بقدر ما يشاهد، إنها لعبة التماهي والاسقاط في ظلّ تأثير بصري وسمعي يعزز التركيز على الفيلم وبالتالي على المشكلة. يلتقط ويتفاعل ويكتسب. قد يشاهد من يعانون مثله، من انهاروا أو من تعايشوا، يلتقط مشكلته، يتفاعل معها فيكتسب بدائل أو حلولاً، بمرونة تامة، فهو ليس على سرير المرض بل يشاهد مرضه من الخارج. هذا النوع من العلاجات يطال أوجه الحياة كافة، فصلاحية الفيلم لا تنتهي فور الانتهاء من المشاهدة. يأتي الحديث عن الفيلم ليضاعف من فوائده. حتى الخروج من العيادة لا يعني أنّ مفعول الجلسة السينمائية قد انتهى، فالفيلم وسيلة لتطوير الذات، حلقة من سلسلة تفكير لا تنتهي. من المشكلة إلى ما وراءها، إلى الوجود والمادة والروح وحتى إلى اللاحقيقي.

السينما تلمسنا بشكل شخصي، تطبب نفوسنا، تفضي لنا بمشاكلها علّنا نفضي إليها. كلّ ما تعجز عن الافصاح عنه لأي كان، نفّسه وأطلقه في صالة السينما. فلنتحدث إلى السينما ولنفتح قلوبنا لها، ستردّ الجواب، ستتحدث إلينا والأكيد الأكيد أنها ستمنحنا الحلول.

هذه التدوينة تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي رصيف22.

التعليقات