لماذا أنتِ عزباء حتّى الآن؟

لماذا أنتِ عزباء حتّى الآن؟
للوهلة الأولى، تبدو الإجابة عن السؤال سهلة ومباشرة، ببساطة يمكن أن يكون الأمر خاصاً بك وحدك، وبشكل فردي، سواء باتخاذ قرار واضح بالتوقف عن المواعدة، أو لأنك تعانين من تبعات الخروج من تجربة صعبة، أو لأنك تريدين التركيز على تحقيق إنجازات عملية أو شخصيّة في الحياة.
لكن الكثيرات أصبحن مثلك بمعدلات متزايدة على مدار السنوات الأخيرة، ليس في العالم العربي فقط، وإنما حول العالم، في ظاهرة عالمية لتأخر سن الزواج ليصل إلى الثلاثين للجنسين، وللنساء بشكل خاص.
في عالمنا العربي، وفي مصر بالتحديد، نعاني من ظاهرة زواج القاصرات بالأصل، لكننا على الجانب المقابل، في طبقات اجتماعية متباينة وبشكل أوضح في النُخب المدينيّة، نلاحظ تأخر سن الزواج وتراجع معدلات الخصوبة، تمتلئ حساباتنا على الفيسبوك وسائر مواقع التواصل الاجتماعي، بالتساؤلات حول العلاقات العاطفية، وعن مغامرات البحث عن الشريك المناسب، وعن إمكانية إيجاده من الأصل، وبالطبع بالشكوى أو من محاولات التأقلم مع الوحدة.
لماذا تظل فتاة مُتحققة وذات وظيفة ودخل جيد وفي الثلاثين من عمرها دون شريك؟
خلال السنوات الأخيرة، زادت معدلات حصول النساء على التعليم العالي حول العالم، وشهدت البلدان العربية صعوداً واضحاً في معدلات حصول النساء على فرص التعليم أو العمل، مع تزايد حدة ووضوح الأصوات المطالبة بالمزيد من الحقوق والحريات للمرأة والمساواة بالرجال في الحقوق الاقتصادية والاجتماعية.
وبنظرة أكثر تدقيقاً داخل البيوت المصرية، فالفتيات دائماً كن مقيّدات بالكثير من الحواجز العائلية والاجتماعية التي تمنع حصولهن على الفرص مثل الفتيان، سواء في الإنفاق على التعليم، أو اكتساب المهارات اللازمة لسوق العمل، أو حتى تنمية المواهب المختلفة، حيث يتم إعداد الفتاة أولاً للزواج وتحمّل مسؤولية بيت وتربية أولاد، ثم تأتي بقية الاعتبارات.
خلق هذا حافزاً للعديد من الفتيات لأن يتحدّين النسق الاجتماعي والأدوار الاجتماعية القائمة، بالإصرار على الحصول على شهادة جامعية، وربما أيضاً الحصول على درجة الماجستير، والسفر للدراسة في المركز أو العاصمة، والقتال للحصول على فرصة عمل ولو بعلم أنها براتب أقل من زميلها الرجل، وظهرت فئة الفتيات المستقلات اللواتي يسعين للحفاظ على استقلاليتهن عن بيت العائلة ودعمهم المادي، وبالتالي الانصياع لقواعدهن في لعبة الارتباط والزواج.
في المقابل، لا يزال الرجل يحصل على فرص أعلى في التعليم وفي سوق العمل، وبرواتب أعلى لنفس الوظيفة، لكنه لا يستطيع أن يضاهي التميّز الذي حققته النساء في الأجيال الجديدة، وانخفضت نسبة الرجال الحاصلين على تعليم عالٍ ودرجات اكاديمية، ويعملون بوظيفة مستقرة وذات دخل ثابت، أمام النساء اللواتي حققن ذلك في نفس متوسط العمر.
تغيّرت أولوياتِك إذن! ولم يكن هذا بدون ثمن، إذ قلّت المساحة التي قد تجدين فيها شريكاً مناسباً، تحديداً لأن كلمة "مناسب" لها بعد اجتماعي وثقافي واقتصادي واضح، إذ يجب أن يكون أعلى دخلاً منك، وأعلى تعليماً، ويستطيع الالتزام وتحمّل مسؤولية تكوين أسرة، فبعد عدة تجارب فاشلة مع رجال أقل دخلاً أو تعليماً أو أصغر سناً، بتعقيدات التركيبة الذكورية الأبوية للمجتمع، التي تفترض أن يكون الرجل هو الأعلى دخلاً وهو رب الأسرة المسؤول عن إعالتها، كان الدرس قاسياً: لا بد أن تتغير الاعتبارات الاجتماعية لأدوار الرجال والنساء قبل الدخول في تجربة أخرى كهذه.
لكن الأسباب لكونك وحيدة الآن لا تقف عند ذلك، ف"تأخر بدء الحياة المستقلة "كما ترجمتها د. هبة حندوسة في تقرير التنمية البشرية مصر 2010، أو مرحلة الانتظار Waithood  المصطلح الذي أطلقته ديان سينجرمان (2008) Diane Singerman ادخل اعتبارات أخرى لها جذور اقتصادية، سينجرمان هي أستاذة مشاركة في قسم الحكومة في كلية الشؤون العامة بالجامعة الأمريكية بواشنطن، أشارت في كتابها عن الضرورات الاقتصادية للزواج في الشرق الأوسط، إلى أن "مرحلة الانتظار" مصطلح يتعلق بالجنسين، ويعتبر اقتصادياً في جذوره، ففي بلدان عديدة في الشرق الأوسط – ومصر تحديداً- قرار الزواج عالي التكلفة، وفي نفس الوقت لا يمكن تكوين عائلة خارج هذا الإطار، مع معدلات هائلة من البطالة، وعدم استقرار في الوظائف المتاحة، والأجور المتدنية، وبالتالي يدخل الشباب بعد تخرجهم من الجامعة، في مرحلةٍ من انتظار النضج، إذ يهربون من تحمل المسؤولية، ومن الزواج، و -أضيف إليها - بعد قليل، سيهربون من العلاقات التي تحمل احتمالاً بالزواج.
في بلدان تعتبر الزواج هو سبيلك للتحقق الاجتماعي بأن تصبح "رجلاً" أو أن تكوني " ست بيت"، وبالتأكيد هو سبيل الأغلبية للحصول على الجنس بشكل مستقر ومنتظم، فإن معدل البطالة في منطقة شمال أفريقيا يتوقع أن يكون 11.5% في نهاية عام 2018، بمعنى أن 8.7 مليون نسمة من قوة العمل عاطلين عنه، وعالمياً، تعتبر منطقة شمال أفريقيا هي الأعلى في معدلات البطالة، متضمنة معدلات بطالة عالية بين الشباب والنساء، بمعنى أن الشباب يمثلون أكثر من 34% من نسبة البطالة، بينما يمثلون فقط 14.6% من قوة العمل، طبقاً لمنظمة العمل الدولية.
أما بالنسبة لمصر، فإن معدل البطالة للشباب في 2017 يقر أن 29.6% من الشباب (رجال وإناث) القادرين على العمل والراغبين فيه، لا يجدون وظيفة.
قادت هذه التغيّرات الجندرية والاقتصادية إلى تغيرات ثقافية واجتماعية أيضاً، فبانعدام قدرة الشباب على تحمل تكاليف الزواج والاستقلال عن العائلة وطول أمد "مرحلة الانتظار"، بدأ الحديث عن ثقافة "الشباب الدائم" يتصاعد، وبدأ تقديس كل ما هو شاب لا ينضج أو يتغيّر، ولم يعد النضج والاستقرار مع شريك واحد وتكوين أسرة مغرياً أو وضعاً مثالياً يتم التطلع لتحقيقه كما في الماضي، وإنما السعي الدؤوب للمزيد من السفر والانطلاق وعدم تحمل مسؤولية إنجاب أطفال في هذا العالم القاسي والحرية المُطلقة دون تعقيدات يضيفها وجودهم، والأهم: ثقافة تعدد الشركاء.
أقوال جاهزة

شارك غردلكن الكثيرات أصبحن مثلك بمعدلات متزايدة على مدار السنوات الأخيرة، ليس في العالم العربي فقط، وإنما حول العالم، في ظاهرة عالمية لتأخر سن الزواج ليصل إلى الثلاثين للجنسين، وللنساء بشكل خاص.

شارك غردتغيّرت أولوياتِك إذن! ولم يكن هذا بدون ثمن، إذ قلّت المساحة التي قد تجدين فيها شريكاً مناسباً، تحديداً لأن كلمة "مناسب" لها بعد اجتماعي وثقافي واقتصادي واضح، إذ يجب أن يكون أعلى دخلاً منك، وأعلى تعليماً، ويستطيع الالتزام وتحمّل مسؤولية تكوين أسرة.

شارك غردقادت هذه التغيّرات الجندرية والاقتصادية إلى تغيرات ثقافية واجتماعية أيضاً، فبانعدام قدرة الشباب على تحمل تكاليف الزواج والاستقلال عن العائلة وطول أمد "مرحلة الانتظار"، بدأ الحديث عن ثقافة "الشباب الدائم" يتصاعد.

شارك غردتألقت تطبيقات المواعدة، بالعديد من الاختيارات التي تتيحها للتوافق، والوعد بالحصول على رفيق مختلف لكل ليلة، ورغم أن التوافق لا يتحقق بسهولة، إلا أن هذا الشعور "بالوفرة الزائفة" خلق خوفاً من "تفويت المتعة المحتملة" بالاستقرار مع شريك واحد.

تعدد الشركاء يستلزم فرصاً أكثر في لقائهم، أليس كذلك؟ لكن لا يوجد وقت في ظل عالم متسارع للذهاب إلى النادي أو الخروج مع الأصدقاء، وهنا تألقت تطبيقات المواعدة، بالعديد من الاختيارات التي تتيحها للتوافق، والوعد بالحصول على رفيق مختلف لكل ليلة، ورغم أن التوافق لا يتحقق بسهولة، إلا أن هذا الشعور "بالوفرة الزائفة" خلق خوفاً من "تفويت المتعة المحتملة" بالاستقرار مع شريك واحد، خصوصاً مع وجود نوعين من الناس:" الراضون بالمعقول Satisficers" الذين يتخذون قراراً بالاستقرار مع الشريك إذ وجدوا فيه معاييرهم المطلوبة، لا يعني هذا أن المعايير فقيرة، قد تكون غاية في الجودة والندرة، لكنها ما إن تتوافر في شخص فهم مستعدون للاستقرار معه.
و"طلاب الحد الأقصى Maximizers" الذين يريدون اختيار الشريك المثالي، فحتى في وجود شريك لديه كل ما يسعدهم، فهم لا يستطيعون اتخاذ قرار بالاستقرار معه إلا بعد اختبار كل الاحتمالات الأخرى، والتأكّد أنهم يتخذون أفضل قرار ممكن". وفي عالم المواعدة الإلكترونية واحتمالاتها المفتوحة، يعد هذا مستحيلاً، طبقاً لنظرية مفارقة الاختيار  لباري شوارتز، الطبيب النفسي الأمريكي.
لا يبدو أن الوحدة مشكلتك الخاصة الآن، أليس كذلك؟ عزاؤنا الوحيد، أنكِ لستِ وحدك، هناك الملايين من النساء حول العالم، يشققن طرقهن المتفرّدة في تغيير البُنى الاجتماعية والثقافية والاقتصادية القديمة، نحو مستقبل أكثر عدلاً ومساواة، وأنتِ واحدة منهن.

هذه التدوينة تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي رصيف22.
وئام مختار

كاتبة وباحثة مصريّة.

التعليقات