تلك المنطقة الوسطى بین الإنسان والطیر

تلك المنطقة الوسطى بین الإنسان والطیر

أقف في غالیري "أجیال" في بيروت، أمام منحوتات للفنان سمعان خوام؛ منحوتات لطیرٍ أخذ بعض صفات الانسان فسمّاه birdman.

یغامر سمعان خوام، الفنان السوريّ الذي عاش في لبنان في منطقة "جدیدة"، حین یعطي طیره صفة الإنسانیة؛ إنه یحاول خلق شخصیة جدیدة تأتي من هذا المزج الجدید بین الانسان والطیر. في تلك المنطقة الوسطى بین الإنسان والطیر، تجتمع التفاصیل الوجدانیة والعاطفیة، حیث یفقد الكائنان وجودهما المنفصل ولیس بالضرورة أن یصبح الطیر إنساناً أو أن یصبح الإنسان طیراً؛ إنها لیست أنسنة لهذا الطیر أو العكس، بل هي محاولة لخلق كائنٍ متفرّد من صفاتهما، ویكون له القدرة على الطیران. وفي ذلك المزج الجدید یبقى الطیر غریباً، ینظر الیه الزائرُ كأنّه یعرفه من قبل، ویحاول أن یألفه، ولكنه في بعض المنحوتات تطغى الغرائبیة بشكل كامل.

یأخذنا معرض سمعان خوام نحو التساؤل عن المزج بین ثنائیات كثیرة لیست بالضرورة متناقضة، بل هو النحت الجدید الذي یعطیها صفة ثالثة مغایرة لهما تماماً، مثل المزج بین الواقع والمتخیل، بین النسیان والذاكرة، بین المدینة والریف، بین الألفة والعدائیة، وبین الحبّ واللاحب.

في هذا المزج تبدو الأشیاء تائهة أحیاناً، لكنّها في أحیان أخرى تكون غریبة عن نفسِها، وعمّا حولها؛ ليست منتمیة، ولكنّها تأخذ ممّا حولها بانتقائیة، وتلمع بأصالة روحها.

أقوال جاهزة

شارك غردتذكّرنا هذه المنحوتات بكتاب الكائنات المتخیّلة لبورخیس. في هذا الكتاب یسرد بورخیس سیرة الكائنات التي وردت في الكتب والأساطیر، والتي تخیّلتها الكتب حتى أصبحت جزءاً من خیال العالم. هذه الكائنات التي ربما تشبه العنقاء أو طائر الفینیق الخارج من دمار المعارك، ناصع البیاض، أو ربّما كائناً جدیداً لم یتحدّث عنه بورخیس، لكنه أسطوريّ أیضاً.

في تلك المنحوتات أیضاً وجدتُ محاولاتٍ للطیران، فسألت نفسي: هل كانت تلك محاولات للطیران أم أن هذا الكائن الجدید هو محاولة جدیدة لفهم عمق الحریة؟ إنها محاولة لقراءة جدیدة للحریة؛ فهي لیست الطیران فقط، ولو كان الأمر كذلك، لنحتَ الفنّان منحوتاتٍ على شكل بشر، ولهم أجنحة تعبّر عن فكرة الحریة، ولكنه بدلاً من ذلك، صنع كائناً یختلف عن البشر، ربّما یقترب أحیاناً من الطیر أكثر، وأحیاناً من الإنسان أكثر، حیث یبدو في كلّ مرّة أن الطیر یأخذ صفة ما للانسان؛ أحیاناً عینه، وأحیاناً أخرى یده، وفي مرّات كثیرة تذوب العوالم بینهما فیصبح شیئاً غریباً عن الإنسان وعن الطیر.

إذاً هما كائنان لیس بالضرورة متناقضین بل هما منسجمان، لا خصومة بینهما، توارثا عن أمّهما الطیران، وعن أبيهما الإنسان الحرّیة والتلقائیة وربّما الفكر.

كان لون المنحوتات أبیض، ممّا أعطى للطیور الغرائبیة طقساً من الفرح والبهجة؛ فرغم غرائبیة العرض، یبقى شعورُ الفرح و القوّة مسیطراً على الجوّ.

یلهمنا الفنّان بالنظر أكثر إلى اللوحات، وتأمّل أسطوریة المشهد؛ فالمشهد أقرب إلى الأسطورة منه إلى الواقع.

تذكّرنا هذه المنحوتات بكتاب الكائنات المتخیّلة لبورخیس. في هذا الكتاب یسرد بورخیس سیرة الكائنات التي وردت في الكتب والأساطیر، والتي تخیّلتها الكتب حتى أصبحت جزءاً من خیال العالم. هذه الكائنات التي ربما تشبه العنقاء أو طائر الفینیق الخارج من دمار المعارك، ناصع البیاض، أو ربّما كائناً جدیداً لم یتحدّث عنه بورخیس، لكنه أسطوريّ أیضاً.

في إحدى المنحوتات یطغى شكل الإنسان على الطیر؛ فكأنّما هي دعوة للتأمل في سرّ تحوّل هذا الكائن، فربّما هو في هذه الوضعیة بالذات یحاول الطیران لكنه غیر قادر بعد. فما زال في أول تحوّلاته، أو ربّما هو مجرّد إنسان یتوق لیملك أجنحة.

في كلّ منحوتة هناك دعوة مفتوحة للمخیلة كي تتقصّى حقیقةً ما مختفیة خلف طبیعة هذه الطیور الجمیلة التي یطلقها الفنّان أمامنا بكلّ جمال ومعنى.

هذه التدوينة تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي رصيف22.

كاتبة ورسامة فلسطينية.

التعليقات