تعاني في فرنسا، وتشعر بالسعادة في مصر؟!

تعاني في فرنسا، وتشعر بالسعادة في مصر؟!

وُلدت صديقتي في أسرة بسيطة في قرية في وسط فرنسا. كان والدها يعمل ميكانيكيّاً، ووالدتها ربة بيت. وأسرتها كانت تعاملها بقسوة بالغة.

قالت لنفسها ذات يوم: "يكفي كلّ هذا"، وغادرت منزل أسرتها بملابس قليلة، إلى منزل صديقتها. ساعدها والد الصديقة لتلتحق بالمدرسة في غياب وليّ أمرها الفعلي، وساعدتها مديرة المدرسة الجديدة بتعاطفها معها.

أنهت الصديقة دراستها قبل الجامعية، وكان ذلك في منتصف تسعينيات القرن الماضي. ثمّ تاقت لتعلّم الإنكليزية سعياً لإيجاد فرصة عمل. لم يكن أمامها سوى حلّ واحد: أن تذهب إلى إنكلترا للعمل كـau pair، وهي وظيفة للفتيات للعمل كمساعدة منزلية وجليسة للأطفال في آن واحد. تأتي الفتاة غالباً من خارج البلاد، تعيش مع الأسرة المضيفة، وتشاركها الطعام، وتحصل على أجرٍ زهيد.

في إحدى المرّات دخلتْ ربة الأسرة المضيفة في شجار مع رفيقها المنفصلة عنه، ولتجنّب تهديداته المتكررة، قرّرت الانتقال من بيتها إلى بيت آخر. وكان على الصديقة أن تسهر طوال الليل تعبئ محتويات المنزل في كراتين، استعداداً للانتقال في الصباح، كانت تتضوّر جوعاً من المجهود البدنيّ المبذول، لكنّ صاحبة المنزل التي تمطر عليها طوال الوقت بتعليقات سخيفة عن كمّية الطعام الذي تتناوله، لم تقدّم للصديقة حصة إضافية من الطعام.

في تلك الفترة (تحديداً في يونيو 1995)، أعلن الرئيس الفرنسي جاك شيراك أن فرنسا ستجري ثماني تجارب نووية أخيرة، ونتج عن الأمر استهجانٌ أوروبي وعالمي ضدّ فرنسا، وكان على صديقتي المسكينة أن تواجه بعض تبعاته، حيث ذهبت ذات مرّة إلى حانة قريبة لتجد اللافتة التالية: "ممنوع دخول الكلاب، والفرنسيين."!

تعلّمت صديقتي اللغة الإنجليزية بقدرٍ معقول، وعادت إلى فرنسا لتتقدّم لامتحان القبول بكلية الصحافة؛ وهو امتحان يدخله الآلاف، ولا يجتازه سوى العشرات، فكانت هي من بينهم.

كان آنذاك موردها الأساسي في الحياة هو المنحة الدراسية التي تحصل عليها. وذات مرة حدث خطأ إداريّ في الجامعة؛ ضاعت أوراق صديقتي. انقطعت المنحة، فعاشت تقتات على الخبز واللبن لشهور طويلة، ولم تنقذها سوى مصادفة من السماء، عندما دعاها صديق لتحكيَ قصّتها في برنامجٍ إذاعيّ، كنموذج لمعاناة الطلّاب الفرنسيين الفقراء.

ذهبت إلى الاستديو، وأفرغت ما بصدرِها من ألمٍ في الميكروفون، لتحدثَ المعجزة بمجرّد مغادرتها باب الاستديو. رنّ هاتفها، وكان على الطرف الآخر مسؤولٌ جامعي، يخبرها أنّ مشكلتها قد حُلّت.

بعد أن أنهت صديقتي دراستها استضافت حفلة صغيرة في بيتها، وبالمصادفة أخبرها أحدُ الضيوف عن عمّه الذي يعمل في جريدة مهمة، وقد يساعدها في الحصول على فرصة تدريبية بها، وكانت الفرصة التي فتحت لها أبواب الحياة.

زرتُ فرنسا مرة وحيدة في صيف 2012، ونزلتُ في ضيافة صديقتي التي أصبحت تمتلك الآن شقة صغيرة في حي aubervilliers شمال باريس، تدفع أقساطها الشهرية من عملها. وكان لي أن أسمع حكاياتها في هذه الزيارة.

قد تظنّ أن قصة صديقتي هي "حالات فردية" لمعاناة الفرنسيين، لكن عليك أن تتمهّل حتى أخبرك عن المفاجأة التي كانت في انتظاري.

بعد ساعات من وصولي لمنزل الصديقة، فوجئت بشابّ يفتح باب المنزل ويدخل. ألقى التحية وسار بهدوء إلى غرفة في نهاية الردهة. تعجّبت، لأني أعلم أن الصديقة غير متزوجة.

أجابت الصديقة على السؤال الذي رأتْه بعيني: "الشابّ هو رفيق غرفة؛ خرّيج شاب. يدفع إيجار غرفته من راتبه القليل، ويدرس في الوقت نفسه درجة الماجستير أملاً في إيجاد فرصة أفضل. هو بالأساس ابن صديقتي، يحتاج بعض الاستقلال في حياته بعيداً عن منزل أسرته."

كان الوضع محرجاً بالنسبة لي، وفكّرت أن أنتقل إلى فندق، لكن قرّرت أن أبقى ليلة لأرى الأمر. غادر الشابّ بعد قليل، ثمّ جاء مساء متأخراً. غسل قميصه بيديه، وعلّقه ليجفّ في الحمام، وتوجّه نحو غرفته. وفي صباح اليوم التالي، عندما استيقظت لم يكن موجوداً؛ لا هو، ولا قميصه.

حكت لي صديقتي أن هذه ليست أحوال الرفيق وحده، بل حال آلاف الفرنسيين الشباب من المتخرجين الجدد؛ فبعد انتهاء دراستهم الجامعية يعانون الأمرّين ليجدوا وظيفة أو فرصة تدريبية، كي يحصلوا على راتب يكفل لهم بالكادّ العيش الكفاف.

خلال إقامتي في فرنسا والتي امتدّت أسبوعاً، لمحتُ وجه الشاب مرّات لا تتجاوز الثواني. يخرج مبكراً ويعود متأخراً، ويغسل ثيابه بعد العودة ليرتديها في اليوم التالي.

كان الأمر بمثابة صدمة حضارية معاكسة لتلك التي مرّ بها سابقون ذهبوا إلى الغرب، وعادوا للشرق يتحدّثون عن التحضّر والمدنية. أحزنني الأمر، وكاد أن يتسبّب لي في أزمة نفسية لولا ما حدث قبلها بعامين في القاهرة.

في نهايات عام 2010 وبدايات 2011، التقيت بتلك الصديقة الشابّة، طالبة فرنسية/إنجليزية تدرس في جامعة كامبردج. كانت قد أتت إلى القاهرة لتعلّم العربية. فتاة وحيدة لأسرة بسيطة تسكن مدينة نيس جنوب فرنسا. والدتها تعمل مترجمة بالقطعة، ووالدها رسّام حرّ. حصلت الفتاة على منحة دراسية بجامعة كامبردج لتفوّقها الدراسي، واختارت القاهرة لقضاء عام البعثة الدولية الذي تسمح به الجامعة لطلابها كجزء من الدراسة.

حكت لي صديقتي كيف تغيّرت فكرتُها عن المصريين عندما جاءت للقاهرة، بعد أن سألتُها إذا وجدتْ أهلَ مصر على ما ظنّته عنهم قبل مجيئها: "هم في حالٍ أفضل ممّا يظنّ أهل أوروبا؛ عندما تسيرين في وسط القاهرة، تجدين الناس يحملون أكياس التسوّق، ويأكلون البوظة من حلواني العبد. أظن أن الفرنسيين يعيشون ظروفاً أسوأ من المصريين، الجميع يهرع مكفهرّ الوجه إلى العمل في الصباح؛ والتسوّق المتكرّرُ، فتلك رفاهيةٌ ليست متاحة للكثيرين".

انفتح فمي حيرةً من كلامها، وانفطر قلبي ممّا حكته لي لاحقاً. عندما حان موعد ذهابها إلى مصر، سعى والدها أن يعرّفها ببعض المصريين قبل ذهابها؛ أخبر دائرة معارفِه عن حاجته، فأوصى به صديقُه بالتواصل مع ثريٍّ مصريّ يعيش في قصرٍ فخم جنوب فرنسا، لأنّ لديه ابنة في نفس عمر الصديقة، تقضي وقتها بين القاهرة ونِيس. فعل الأبُ، ورحّب المصريّ. أخذ الأب الفرنسي ابنته وذهب لقصر المصريّ، وتعارفت الفتاتان. جاءت الفتاة الفرنسية إلى القاهرة فدعتْها الفتاة المصرية إلى العشاء في مكانٍ فخم.

لم تسعد الفرنسية كثيراً بالدعوة، فلم يكن لديها من الملابس ما يليق بمكانٍ فخم كذلك. أمّا المشكلة الأكبر فكانت إذا ما اضطرّت لدفع فاتورة حسابها: "ترى كم ستكون التكلفة؟" دبّرت الفتاة أمرَ الملبس، وذهبت، ثمّ جلست طوال العشاء في قلقٍ داخليّ من أن تضطر إلى دفع الفاتورة، لكن الحمد لله، عندما جاءت اللحظة الحاسمة قالت المصرية الثرية بأنها هي الداعية، وليس على صديقتي دفع الحساب، فتنفست الفتاة الصعداء.

من بين مواقفَ كثيرة مع هذه الصديقة التي كانت نموذجاً نادراً في اللطف والاجتهاد، أذكر ذاك الموقف، عندما عادت من جولة تسوّق في "وكالة البلح" (مكان معروف في وسط القاهرة تقصده الطبقات الكادحة لشراء الملابس المستعملة)، وعلى وجهها ملامح صيّاد ماهر اقتنص للتوّ صيداً ثميناً. استعرضت أمامي ما اشترته، وكانت تردّد مع كلّ قطعة عبارة "هل تعرفين كم ثمنها؟.. وان جنيه"، وشظايا الفرح تتطاير من كلامها. ثمّ قالت إنها لا تستطيع الصبرَ لتصطحب والدتها عندما تأتي لزيارتها لهذا السوق العظيم.

هل عجيب أن يحدث ذلك في فرنسا؟ ربّما، لكن السؤال الذي ألحّ على عقلي جاء في سياق آخر، عندما قرأتـُ خبراً يقول إنّ زوجة الرئيس ماكرون -ذلك الشابّ المتواضع الذي دخل قصر الإيليزيه ليُنصب رئيساً للجمهورية الفرنسية بسيارة صغيرة وبدلة ثمنها 380 جنيه استرليني- اشترت طقم أطباق عدد قطعه 1200، بتكلفة 59 ألف دولار أمريكي، من أموال دافع الضرائب الفرنسيين؛ تذكّرت أحوال الأصدقاء الفرنسيين الذين أعرفهم، وسألت نفسي عندئذ: "ترى هل ستأكل فيه جاتوه؟"

حكت لي صديقتي كيف تغيّرت فكرتُها عن المصريين عندما جاءت للقاهرة، بعد أن سألتُها إذا وجدتْ أهلَ مصر على ما ظنّته عنهم قبل مجيئها: "هم في حالٍ أفضل ممّا يظنّ أهل أوروبا؛ عندما تسيرين في وسط القاهرة، تجدين الناس يحملون أكياس التسوّق، ويأكلون البوظة من حلواني العبد. أظن أن الفرنسيين يعيشون ظروفاً أسوأ من المصريين، الجميع يهرع مكفهرّ الوجه إلى العمل في الصباح؛ والتسوّق المتكرّرُ، فتلك رفاهيةٌ ليست متاحة للكثيرين".

هذه التدوينة تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي رصيف22.
صباح حمامو

صحفية وكاتبة، درست بجامعة القاهرة وجامعة ميتشجان. أسست دار "حاء" للنشر والتوزيع، ولها كتاب مطبوع وآخر تحت الطبع.

كلمات مفتاحية
فرنسا مصر

التعليقات