ما الذي تغيّر في مصر بعد الربيع العربي؟.. فستان رانيا يوسف يتساءل!

ما الذي تغيّر في مصر بعد الربيع العربي؟.. فستان رانيا يوسف يتساءل!

مدون الجزائر

فور اختتام فعاليات الدورة الأربعين لمهرجان القاهرة السينمائي، فاحت رائحة جدلٍ كبيرٍ قادمٍ من البساط الأحمر، لأحدِ أكبر وأهمّ المهرجانات العربية، وانتقل النقاش إلى الصحافة، فاستدْعت على صدرِ صفحتِها الأولى عناوينَ كهذا: "فضيحة! شاهد فستان الممثلة رانيا يوسف"، لنستيقظ في اليوم التالي على بيانٍ لنقابة المهن التمثيلية المصرية، يدين الممثّلة بتوقّع رئيس النقابة الفنّان أشرف زكي.

"صادم"، أقلّ ما يمكن أن نصف به "البيان"، فقد دقّ ناقوسُ الخطر بلغةٍ حادّة ترافع العادات والتقاليد في وصف فستان الفنانة رانيا يوسف، وقد جاء الكلام على النحو التالي: "المظهر الذي بدتْ عليه بعض ضيفاتِ المهرجان لا يتوافق مع تقاليد المجتمع وقيَمه وطبائعه الأخلاقية، الأمر الذي أساء لدور المهرجان والنقابة المسؤولة عن سلوك أعضائها، ولذلك سوف تقوم النقابة بالتحقيق مع من تراه تجاوز في حقّ المجتمع، وسيلقى الجزاء المناسب، حتّى تضمّن عدم تكرار ذلك".

هكذا يسجّل التاريخ أن البساط الأحمر لمهرجان القاهرة هو أول بساط في التاريخ يقود نجمًا سينمائيا إلى المحاكمة بسبب إطلالته؛ فقد تقرّر فعلًا محاكمةُ رانيا يوسف يوم ١٢ يناير، في قضية عنوانها "التحريض على الفسق والفجور"، بعد قيام بعض المحامين برفع دعوى ضدّها، والمطالبة بتقديمها للنائب العام المصريّ بسبب فستانها في مهرجان القاهرة السينمائي، استنادًا لبيان النقابة.

الصدمة كانت كبيرة على الممثلة رانيا يوسف (45 سنة، متزوجة، وأمٌ لطفلين). قرّرت رانيا من جهتها الردَّ بنشر بيان على صفحتها الخاصة في الفايسبوك، لوضع حدٍ للغط، حمل بين السطور خوفًا على مستقبلها الفنّي أكثر من أيّ شيء آخر، فكتبتْ: "احتراماً لمشاعر كل أسرة مصرية أغضبها الفستان الذي ارتديته في حفل ختام مهرجان القاهرة السينمائي الدولي، أودّ أن أؤكّد أنني لم أكن أقصد الظهور بشكلٍ يثير حفيظة وغضب الكثيرين ممّن اعتبروا الفستان غير لائق".

وأضافت: "أكرّر التأكيد على تمسكي بالقيَم والأخلاق التي تربّينا عليها في المجتمع المصري، والتي كانت وما تزال وستظلّ محلّ احترام. وإنني إذ أعتزّ بكوني فنانة لها رصيدٌ طيّب وإيجابيّ، لدىَّ جمهوري، فإنني أتمنى من الجميع تفهّم حسن نيتي وعدم رغبتي في إغضاب أيّ احد، وإن شاء الله أكون عند حسن ظنّ الجميع"، ثمّ أكدت على اعتزازها بانتمائها لنقابة الفنّانين.

هكذا تحوّل الفستان إلى حديثِ العام والخاص في مصر، و جلب لها تعاطفاً واسعاً من النقاد والسينمائيين، وكتب المخرج المصري هشام النحاس: " تحية للفنانة رانيا يوسف لجرأتها وشجاعتها في ارتداء الفستان الذي أثار حفيظة المحافظين والمتجمّدين، وتحية لجرأتها في توضيحها واعتذارها بعد ذلك، ضربت جمود المجتمع وطبطبت عليه".

ولكن هذا البيان الذي أصدرته رانيا يوسف، تحوّل أيضاً إلى حلقة جديدة لانهزام الفنان المصري، فقد اعتبره عددٌ من النقاد المصريين، نوعاً من الخُذلان أمام سياسة "هَجينة" تُمارسها النقابة على الفنّ المصري، كما قال الناقد المصري محمد عاطف: "لا أسوأ من كلام الرجعيّين سوى الاعتذار لهم".

وأضاف: "أنا فعلًا آسف، وأعترف بأنّني كنتُ على خطأ عندما أعلنت تضامني مع شخصٍ كان من المفروض أن يردّ بعبارة، الأمر يخصّ حريّتي الشخصية، وختم كلامَه على صفحته في الفايسبوك، باللهجة المصرية: "خلّيكم كده راكعين لأحكامهم وقابلين للابتزاز خوفًا من ضياع النجومية، وعودوهم إنّ الناس كلّها لازم تبقى على مزاجهم".

بشكلٍ عام، فإن حالة من الخذلان انتابت النّقادَ المصريين، وقد هاجموا البيان الذي أصدرته النقابة واستغربوا ردّة فعل رانيا، وقال الصحفيّ والناقد المصري محمد عبد الفتاح من صحيفة "الأهرام": "كده المسألة مقصودة، برلمان ونقابة وإشعال نار بترّهات الحدث المشرف"، فباعتقادِه إنّ الأولى هو أن تعبّر النقابة عن فرحتها بنجاح المهرجان، و تبارك تتويج المواهب المصرية بالجوائز، على غرار الفنان شريف دسوقي، الحائز على جائزة أحسن ممثّل في فيلم "ليل خرجي"، للمخرج أحمد عبد الله، وتثني على مجهود إدارة عملت في ظروف صعبة على مدار ستة أشهر.

أقوال جاهزة

شارك غردرغم حجم الأصوات المدافعة عن الفنانة، إلا أنّ هناك أصواتاً أخرى أصرّت على دعم القرار الذي أصدرته النقابة، ووصفته بالإيجابي، وبأنه يصبّ في خانة حماية صورة مصر، باعتبار أن الفنانة "ليست حرّة كما يدّعي البعض"، لأنّها ليست في سهرة خاصة، بل هي تمثّل اسم مصر في مهرجانٍ عالمي.

شارك غردالسؤال الذي يطرح نفسه هو أنه ما الذي تغير في مصر بعد "الربيع العربي"، كيف يمكن أن توافق "هوليود الشرق" على هذا الحصار على الفنان؟ بعد أن طبعت  الأفلام المصرية أجمل قبلة في تاريخ السينما العربية، ولطالما حملت السينما المصرية وهج الحرية والجرأة منذ سينما الأبيض والأسود.

الفستان الذي زلزل مصر.. كيف بدأت الحكاية؟

على المباشر، وقفت الفنانة رانيا يوسف فوق البساط الأحمر لمهرجان القاهرة. في بداية الأمر تعاملت العديدُ من القنوات المصرية بكثيرٍ من الإعجاب بفستان رانيا يوسف التي مرّت بسلامٍ باتّجاه مقاعد المسرح الكبير لدار أوبرا القاهرة، لحضور حفل الختام، إلا أنّ بعض الأصوات تعالت في ما بعد، معلنةً رفضها لمظهر لبسِها الشفّاف الذي يكشف عن ساقها. هكذا بدأت الوشوشات والغمزات على صدر بعض المواقع التي تحب الاصطياد في المياه الصفراء.

وسط كومة الأخبار وحالة الهستريا التي خلفها خبرُ الفستان، إلا أن الانتقاد توقف في زاويةٍ عن غلطة ارتداء الفستان، دون تصنيف الممثلة رانيا في خانة الممثلات الهزيلات من الناحية الفنية. فالأمر يتعلّق هذه المرة بفنانة تصنّف في خانة النجمات اللواتي يحترمهنّ الجمهور والإعلام المصري على حد السواء، فأدوارها ليست على مستوى هابط كما يقال، وقد خلّفت نقلة حقيقة في مسارها وسمعتها منذ ظهورها عام 2001 إلى جانب مسلسل "عائلة الحاج متولّي"، رفقة النجم الراحل نور الشريف، والمخرج محمد النقلي.

الموضوع بقدر ما خلّفه من موجةٍ  تصبّ في صالح الممثلة، وصلت إلى حدّ إعلان عددٍ من المحامين الدفاع عنها تحت شعار "نحن ندافع عن حرية الرأي والتعبير وحرية الفكر والإبداع، الحرية وليس العري"، تحوّل أيضاً إلى مصدر لصناعة السخرية؛ كما كتب الناشر المصري محمد هاشم، صاحب دار "ميرت" للنشر: "هو صحيح مجلس النواب سيناقشون فستان رانيا يوسف؟ ما هذا الجنون؟ أليس هؤلاء من صفّقوا للتنازل عن تيران وصنافير؟". كما سخّر رجلُ الأعمال المصريّ نجيب ساويرس من الحملة، وقال على حسابه الشخصي على "تويتر": "مكانش فستان ده بتاع رانيا يوسف خلاص التايم لاين اتحجز، صحوني لما فلسطين تبقى دولة وترامب يتصالح مع الصين وكوريا الشمالية... والأهلى ياخد الدوري".

رغم حجم الأصوات المدافعة عن الفنانة، إلا أنّ هناك أصواتاً أخرى أصرّت على دعم القرار الذي أصدرته النقابة، ووصفته بالإيجابي، وبأنه يصبّ في خانة حماية صورة مصر، باعتبار أن الفنانة "ليست حرّة كما يدّعي البعض"، لأنّها ليست في سهرة خاصة، بل هي تمثّل اسم مصر في مهرجانٍ عالمي.

البساط الأحمر.. 96 سنة من الإثارة و التشويق

فكرة البساط الأحمر يعود تاريخها إلى عهد نابليون بونابارت، و يقال إنّ أول من سار عليه من رؤساء العالم هو الرئيس الخامس للولايات المتحدة الأمريكية الراحل جيمس مورنو، عام 1821.  قد أصبح البساط الأحمر تقليداً يعانق كلّ الحفلات الرسمية الخاصة بهوليود منذ عام 1922، خلال توزيع جوائز الأوسكار.

هكذا باتت السجادة الحمراء شريكاً لكلّ المهرجانات العربية، لا يمكن الاستغناء عنه في حفلي الافتتاح والاختتام، ولا يزال مهرجان القاهرة السينمائي أيضاً ينظر إليه بكثير من الاهتمام منذ أربعين دورة. ويزداد الاهتمام به عام بعد عام، فالسجادة الحمراء باتت تغطّي تقريباً معظم الساحة الأمامية لدار الأوبرا المصرية، وقد تمّ هذه السنة توسيعُ مهامّها إلى حفلات العرض الأوّل كلّ مساء، كما هو معتمد في المهرجانات الكبرى من برلين وكان وفينيسيا، ليرفع من مستوى الإبهار في الدورة التي نُظّمت تحت إدارة المنتج محمد حفظي.

البساط الأحمر من جهة ثانية، بقدر ما هو فرصة لنقل الجمال، وتصوير النجوم في أبهى حلّة، هو بالنسبة لبعض الأقلام والعدسات، فرصة لتصيّد عثرات النجوم، وقياس درجة الجرأة لدى هذا النجم أو ذاك، كما أنه بالنسبة للمهرجان باروميتر يقيس درجة الحرية لدى الشعوب ومدى تقبّلهم للأخر، ولهذا شكّل خبر بيان نقابة المصرية، صدمة حقيقة للصحافة العالمية، وقد اتجهت العناوين في صحيفة "نيويورك تيمز" و"ديلي مايلي" لوضع علامة تعجب كبيرة أمام خبر "فستان رانيا"، الذي انتشر كالنار في الهشيم.

بشكل عام يمكن القول إن فستان الفنانة رانيا يوسف دخل تاريخ مهرجان القاهرة، ولا شك أنه سيبقى شاهداً على خطوات وصفت بالجريئة، حملت عواقب وخيمة لممثلة لا تزال في منتصف الطريق. ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هو أنه ما الذي تغير في مصر بعد "الربيع العربي"، كيف يمكن أن توافق "هوليود الشرق" على هذا الحصار على الفنان؟ بعد أن طبعت  الأفلام المصرية أجمل قبلة في تاريخ السينما العربية، ولطالما حملت السينما المصرية وهج الحرية والجرأة منذ سينما الأبيض والأسود، ولا يزال سجلّ صور الفنانين يحتفظ بأناقة فاتن حمامة وشادية وهند رستم وغيرهنّ من نجمات الزمن الجميل.

 

هذه التدوينة تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي رصيف22.

التعليقات