زيارة إلى حيّ البغاء في أمستردام

زيارة إلى حيّ البغاء في أمستردام

ليس تعفّفًا قول إني ذهبت إلى هناك مصادفةً، فقد كان الموقع على قائمة المواقع التي أنوي زيارتها في هولندا، لكنه بقي كذلك، على القائمة وحسب، لمدة عام. أتحدّث عن حيّ الضوء الأحمر Red Light District (ريد لايت ديستركت) أو حيّ البغاء في أمستردام.

كنت أقضي بضعة أيام برفقة زوّار لي، جاؤوا من البحرين، وكنّا نسكن في فندق بساحة الدام Dam Square. الفندق يقع على بعد 3 دقائق مشياً من حيّ الضوء الأحمر، ورغم هذا، لم أرَ شيئاً يوحي بوجودي على مقربة منه، عدا الزحام السياحيّ العاديّ، الذي من الممكن أن يُحدثه وجود حانة صاخبة، منفذٌ لبيع الحشيش، أو حتى محالّ البطاطا المقلية الهولندية الشهيرة. إذ لا شيء في المحيط يشبه تصوّراتي الشخصية عن أحياء البغاء، تصوراتي التي استقيتها غالبًا من التلفزيون وما رأيته أو سمعت به في بلادنا. وحينما قادتني خرائط جوجل للعبور من ذاك الموقع، كنت أوصل صديقًا لي لأقرب محطة مترو، بعد أمسية هادئة على شرفة أمستردامية راقية. أولى علامات بلوغ المكان كانت أعمدة معدنية مضاءة باللون الأحمر. ولا شيء من هذا يثير الارتياب. استغربت الضوء الأحمر وأكملنا السير، حتى رفعت عينيّ على فاترينة لغرفة صغيرة مضاءة بالأحمر، تقف فيها امرأة مانيكان شبه عارية. ظننتها مانيكان ولم تكن كذلك. وراء الفاترينة فاترينة أخرى بفتاة أخرى، ووراء التي وراءها الشيء نفسه، هكذا حتى نهاية الزقاق المفضي إلى الحيّ، حيّ الضوء الأحمر نفسه.

بإمكان الواحد منا أن يبدو رصينًا في أي موقف، فقط لو أنه استعد، وأنا لست بالشخص غير ذي الخبرات البصرية أو قليل السفر والتثقف، إلا أنني فوجئت وحسب، فبدا رد فعلي ساذجًا وغرًّا. وكانت ثانيتان من الارتباك قبالة الفتاة بائعة الهوى في فاترينتها الحمراء، كفيلتين بتحويل نظرات الغواية التي همّت بتصديرها، إلى ضحكة من رد فعلي الكوميدي!

بعدها عرفت أني في حيّ البغاء، وشرعت أتمشى بهدوء وثقة، أتلفّت، نعم، وأتفرّج، لكن أتظاهر وكأنني شفت هذا عشر مرات من قبل. مئات الفاترينات، ومئات السيّاح والزوّار، لذلك يمكنك أن تتخيل أن المنافسة شرسة. تحاول بعض بائعات الهوى جذب الزبائن من خلال ارتداء ملابس أكثر تطورًا (يبدو أن أزياء الممرضات والشرطة والقطط والأرانب هي الأزياء الأكثر رواجًا)، بينما يتبنى البعض منهن نهجًا أكثر استباقية عن طريق طرق الزجاج، والتلويح وتشجيع المارة على الاقتراب. متاجر تبيع الأدوات الجنسية، والملابس التي تحاكي الفانتازيا الجنسية، مسارح للعروض الحيّة، أي والله، عروض حيّة، مسرح ومقاعد وجمهور، وربما بوشار، وفعل حميمي!

أميل لفكرة أن الغالبية جاؤوا من أجل تسوّق النوافذ، الـ window shoping أو بدافع الفضول، واكتشاف المكان، لذلك عرف القائمون عليه كيف يستدرجون المتفرجين إلى دفع أي مبلغ من المال، لقاء هذه الفُرجة، فإن لم تختر الذهاب إلى العرض الحيّ في المسرح، يمكنك ببضعة يوروات أن تحظى بنافذة صغيرة تتلصص من خلالها على أنثى عارية، أو على أكثر من ذلك. ويشير الضوء الأحمر فوق الفاترينات المشرّعة إلى أن بائعة الهوى متوفرة حاليًا. أما إن كانت الستارة مسدلة على الفاترينة والضوء الأحمر مُطفأ: فالأمر يتحدّث عن نفسه، أليس كذلك؟!

أقوال جاهزة

شارك غردأولى علامات بلوغ المكان كانت أعمدة معدنية مضاءة باللون الأحمر. ولا شيء من هذا يثير الارتياب. استغربت الضوء الأحمر وأكملنا السير، حتى رفعت عينيّ على فزاترينة لغرفة صغيرة مضاءة بالأحمر، تقف فيها امرأة مانيكان شبه عارية. ظننتها مانيكان ولم تكن كذلك. وراء الفاترينة فاترينة أخرى بفتاة أخرى,

شارك غردتحاول بعض بائعات الهوى جذب الزبائن من خلال ارتداء ملابس أكثر تطورًا (يبدو أن أزياء الممرضات والشرطة والقطط والأرانب هي الأزياء الأكثر رواجًا)، بينما يتبنى البعض منهن نهجًا أكثر استباقية عن طريق طرق الزجاج، والتلويح وتشجيع المارة على الاقتراب.

شارك غردحتى عندما مرّت زيارتي الأولى بسلام، بقي بداخلي خجل. من بائعة الهوى التي ضحكت مني، ومن إباحية هذا المكان المتبجّحة، على سلامته العالية لزوّاره ولعامليه. والحقيقة أني جهدت طوال الزيارة، وبعدها، في إخفاء هذا الخجل.

حتى عندما مرّت زيارتي الأولى بسلام، بقي بداخلي خجل. من بائعة الهوى التي ضحكت مني، ومن إباحية هذا المكان المتبجّحة، على سلامته العالية لزوّاره ولعامليه. والحقيقة أني جهدت طوال الزيارة، وبعدها، في إخفاء هذا الخجل. حتى صرتُ كلما جاءني ضيف من الخارج، أسأله: “ها، رحت حيّ الضوء الأحمر؟” أدّعي بهذا السؤال أني خبيرة بالمدينة، ومعتادة جوّها ذاك. والحق أني لا اعتدته ولا شعرتُ بعاديّته، ولا يحزنون. بل إنّ أخذي لزواري من أيديهم إلى هناك، ليس فقط لمداراة المحافظة الصغيرة التي بداخلي، وإنما للاستمتاع الخفيّ بلحظة الاندهاش والعَبَط التي تعتريهم، والتي تشعرني بأنني على ما يرام، وأنني لست الوحيدة الغرّة هنا.

الأمر الآخر هو شعور مباشرٌ بالضيق من وقوف النساء في الفاترينات هكذا، كما كانت السبايا توضع على منصات حتى يتمكن الشاري من رؤيتهن. صحيح أنهن لسن سبايا، وأنهن يقمن بهذا العمل بإرادتهن الشخصية، وضمن ضوابط مهنية وصحيّة تحددها الدولة، بدخل يعود عليهن، ومن المتوقع أن يعلنّ عن دخلهنّ الماديّ ويدفعن الضرائب، إلا أن العلم بهذا كله، لم يحل دون شعوري بحالة من الاسترقاق، بيع الحرية وإن لبعض الوقت. لست بمعرض تقييم أخلاقيّ لمهنة البغاء. أظنني أعقل وأكثر واقعيّة من هذا. أنا فقط، أشرح شعوري حيال شكل من الأشكال المعاصرة لهذه التجارة في المدينة التي أسكن.

الهولنديون بالعموم، ليسوا فخورين كثيرًا بحيّ الضوء الأحمر، أو حيّ البغاء في أمستردام، ولا يحبون أن يختصر زوار هولندا البلاد في حيّ البغاء ومقاهي بيع الحشيش، بل إنهم يفضلون اتخاذ رمز كالبقرة، أو الطواحين لهم وللبلاد على سواها. لكنهم فخورون بأن بلادهم بلاد حريات فردية، وهو ما تأتي في سياقه إباحة وتنظيم هذه الممارسات، وهم -الهولنديون- يبتعدون في السُكنى بعض الشيء عن قلب أمستردام، تاركينه للسيّاح حتى يمارسوا فيه “حرياتهم الفردية”.

على أية حال، الضوء الأحمر سيبقى مضاءً، بلادٌ تضيئه من خلف حجاب، وبلادٌ تضيئه جهارًا.. والغالب أن المباع أنثى والمشتري رجل.

هذه التدوينة تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي رصيف22.
رنوة العمصي

كاتبة بحرينية مقيمة في أمستردام.

التعليقات