ما الأهمّ، مهاراتنا أم شهاداتنا؟ نسأل سوق العمل

ما الأهمّ، مهاراتنا أم شهاداتنا؟ نسأل سوق العمل

مدون الأردن

دومًا أبحث عن عمل، أقدّم سيرتي الذاتية لمواقع الوظائف على الإنترنت، يوميًا أرسلها لوظيفتين على أقل تقدير، وبين فترة وأخرى أتلقى اتصالًا هاتفيًا لمقابلة عمل، وعندما أذهب أجد المؤهلات المطلوبة للوظيفة ذات العائد المادي الجيد أعلى من قدراتي ومهاراتي، وأحيانًا أخرى تكون الوظيفة أقل كثيراً مما أعرف، إذ يستطيعُ كل من لم ينه تعليمه الجامعي أن يشغلها، وغالبية هذه الوظائف لا يتجاوز مردودها مئتي دينار أردني.

أقف الآن أمام سؤال محرج عن سيرتي الذاتية؛ هذه الورقة التي كتبتُ فيها منجزي التعليمي ومكانَهُ وسنواتِه، وتقديرَهُ أيضًا، وتبعتُها بِجُملٍ عن قدرتي العالية في العمل تحت الضغط والظروف المختلفة والمفاجئة، وجملة أخرى تتغنى في العمل بروح الفريق التي ذيّلت بها فقرة المهارات والقدرات، إلى أن جاء اليوم الذي أرسلتها لوظيفة لخريّجي نظم المعلومات في أحد المواقع، ورد الموقع برسالة: "الوظيفة التي تقدمت إليها لا تتناسب مع سيرتك الذاتية"، متبوعةً بخيار: "قدّم على أية حال".

يبدو أن تخرجي من أفضل جامعات الأردن في تخصص نظم المعلومات الحاسوبية لا قيمة له أبدًا، لأنه لم يترافق مع مجموعة مهارات في البرمجة وتطوير المواقع وشهادات تدريبية لآخر تحديثات البرامج الحاسوبية، تجعل صاحب العمل يفضلني على غيري من خريجي التخصص نفسه، هذا التخصص سريع التطور وكثير المجالات في العمل، يقدم غالبًا فرصه ورواتبه العالية لمن يبدع في التعلم فيّه، ويتدرب على برامجه الجديدة ويقرأ في تطوّره محليًا وعالميًا حتى يُصبحَ بإمكانه التقدم لوظيفة نظم معلومات من دون أن يخاف من سؤالٍ واحد عن كيفية تطوير موقع ما، ويتلعثم.

لدينا إحصائية صدرت عن جريدة أردنية رسمية قبل سنوات حول عدد حاملي الشهادات العليا في الأردن، من دكتوراه وماجستير ودبلوم عالٍ، ومقارنتها باحتياجات السوق الأردني، وقدرته على تحمل عبئها عليه، وقد بيّنت الدراسة أن في الأردن ثمانية آلاف من حملة الدكتوراه، و45 ألفاً من حملة الماجستير، وأن السوق لا يتحمل ربع هذا العدد من الشهادات، وباقي العدد سوف يضاف إلى إحصائيات البطالة في السنوات القادمة، كل هذا يقود إلى سؤال: هذا زمن المهارات أم زمن الشهادات؟

في عصرنا هذا، حيث سهولة إيجاد المعلومة، وكثرة المواقع التي تقدّم لك ما تحتاج من سلعٍ وخدماتٍ وإجاباتٍ عن الأسئلة، ومساعدات في العثور على فكرة إبداعية، وروابط لتحميل برامج الفوتوشوب والتصميم والرسم، وملفات التعلم البيتي في يوتيوب التي تعفيك من دفع النقود إذا نويت أن تتعلم مهارة ما، كالعزف على أية آلة موسيقية، أو تَعلُّم نوع ما من أنواع الرياضة أوالرقص، وغيرها، كيف يمكن لشهادة تثبت أنك تعلّمت في الفترة المحددة، ضمن ظروف الفترة ومقوماتها، وتطورها بالنسبة للفترة الحالية التي تبحث فيها عن عمل، أن تقنع من ينظر إلى سيرتك الذاتية أنك تملك مهارات الوظيفة الحالية، بالتزامن مع التطور الهائل في التصميم الجرافيكي مثلًا أو في نظم المعلومات أو في العلاج الطبيعي على سبيل المثال.

في قضية المهارات والشهادات يقابل الباحث عن الوظيفة، جهة أخرى هي الشركة أو المؤسسة أو صاحب العمل نفسه، هذه الجهة التي تسألنا قبل أي شيء عن الشهادة التي يحملها الواحد منا، قبل أن تسأل عن مهاراتنا، بالرغم من أن المهارات في كثير من التخصصات تجاوزت المقرر التعليمي الأساسي لها. ما الذي يهمّ صاحب الشركة الذي يبحث عن شخص لتصميم لافتة لشركته إن كان قد تخرج من الجامعة بتقدير امتياز أو لم يتخرج؟ إذا كان يقدم له تصميمًا جميلًا ومواكبًا لكل ما هو معروض في السوق أو في مواقع التواصل الاجتماعي؟ وكيف يمكن أن يقتنع مدير في مؤسسة ثقافية أن المتقدّم للوظيفة يمكنه تقديم مشروع ثقافي جدّي يتناسب مع الاحتياجات الحالية للمؤسسة إذا كانت سيرته الذاتية تقول إنه حاصل على الماجستير في الأدب الحديث فقط؟ من دون وجود منجز ثقافي حقيقي في سيرة المتقدّم الذاتية، كل هذا يجعل السؤال الأول هنا هو: ماذا تعرف وماذا أنجزت؟ وما الذي تتعلمه الآن؟

أقوال جاهزة

شارك غرديبدو أن تخرجي من أفضل جامعات الأردن في تخصص نظم المعلومات الحاسوبية لا قيمة له أبدًا، لأنه لم يترافق مع مجموعة مهارات في البرمجة وتطوير المواقع وشهادات تدريبية لآخر تحديثات البرامج الحاسوبية، تجعل صاحب العمل يفضلني على غيري من خريجي التخصص نفسه.

شارك غردفي الأردن ثمانية آلاف من حملة الدكتوراه، و45 ألفاً من حملة الماجستير، والسوق لا يتحمل ربع هذا العدد من الشهادات، وباقي العدد سوف يضاف إلى إحصائيات البطالة في السنوات القادمة، كل هذا يقود إلى سؤال: هذا زمن المهارات أم زمن الشهادات؟

شارك غردللآن وبالرغم من زيادة نسبة البطالة تجد الأسرة تفضل المهندس على المبرمج، والمعلم على المصمم الجرافيكي، وتكابر على فكرة المهارات أو لا تستوعبها حتى، فتجدها تلقي اللوم على قلة فرص العمل وانعدام الأمل من العمل دون السفر للبحث عنه.

يتدخل في سوق العمل كل من المؤسسة التعليمية التي تقدّم الأساسيات على الأكثر في أي تخصص يدرسه الطالب، وربما بسبب أنها بالنسبة الأكبر حكومية فهي تحتاج وقتًا أكثر نسبًيا لتتطور وتواكب العصر السريع، مما يرمي على الطالب مسؤولية أكبر في البحث والتفكير في الطرق التي عليه أن يتبعها ليسير جنبًا إلى جنب مع احتياجات سوق العمل، ومن ثم المؤسسات الأبوية التي تفاضل حتى اللحظة بين مسميات التخصصات والألقاب التي يحملها الابن أو الابنة؛ للآن وبالرغم من زيادة نسبة البطالة تجد الأسرة تفضل المهندس على المبرمج، والمعلم على المصمم الجرافيكي، وتكابر على فكرة المهارات أو لا تستوعبها حتى، فتجدها تلقي اللوم على قلة فرص العمل وانعدام الأمل من العمل دون السفر للبحث عنه، ومن ثم الأنماط الاجتماعية الرجعية في التفكير والتي لا تعرف كيف تتعامل مع شخص ابتعد عن موضوع تعليمه في الجامعة وذهب نحو ما يعرف وما يحبّ أن يتعلم ليصبح قادرًا على المنافسة في سوق العمل بمهاراته وقدراته، لا باسم الشهادة والجامعة والتقدير. (وأن النجاح في التخصص الذي يحبُّه يجب أن لا يكون تحديًا للعائلة والمجتمع، لأنّ عوائق المنافسة كافية كتحدٍّ للإنسان).

السيرة الذاتية هي ورقة المهارات، وهي امتحان بسيط لقدرتنا على طرح الأسئلة على أنفسنا حول ماذا نريد أن نتعلم، وكيف يمكننا أن نستحق وظيفة ما بجدارة، ومن ثم العمل بجدية على مشروعنا الذاتي الذي تشكل فيه الشهادة الجامعة نقطة صفر ليس أكثر، نحن نتعلم في الجامعة ثم نسأل سوق العمل: ماذا تريد؟ وليس العكس، السوق يعوّل على إصرار حامل الشهادة على التعلّم والمنافسة لتلبيته، في ظل عثوره على الكثير من أصناف الشهادة نفسها مكدسًا في أدراج وصناديق بريد الشركات.

هذه التدوينة تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي رصيف22.
سنابل قنو

شاعرة أردنيّة، درست نظم معلومات حاسوبيّة وعملت كاتبة ومجودة نصوص في مسرح دمى العربة في عمّان لمدة عاميْن.

التعليقات