يا عبدُ، يومُك هو عمرك.. يوميّات من مطار بيروت، وطهران

يا عبدُ، يومُك هو عمرك.. يوميّات من مطار بيروت، وطهران

مدون إيران

بيروت، قبل المطار

طائرة في عالم آخر أنا، في عالمي، وسائق التاكسي يتصل بي، قائلًا إنه قد وصل تحت المبنى ليقلّني إلى مطار بيروت. يعلن السائق عن استعداده للصعود ومساعدتي في إنزال حقيبة السفر، وكنت قد طلبت منه ذلك من قبل.  أقول: أحتاج إلى ما خمس أو ست دقائق فقط، وأواصل غسل الصحون الأخيرة في المطبخ، و"شَجَريان" يصدح في البيت بصوت عالٍ، ليشيّعني من بيروت إلى طهران بأغانيه المفضّلة لي، تتخلّلها مقاطع محبّبة من أم كلثوم،؛ مقاطع من"الحبّ كلّه" وتلك التي أسمعها دائمًا: "أراك عصيّ الدمع". هكذا كوّنتُ قسمًا خرافيًّا في "ساوند كلاود"، ليلعب دور "هاتف الغيب في ركن الحانة" كما وصفه عمر الخيّام في رباعياته.

يتصل السائق ثانية وقد مرّ أكثر من عشر دقائق. أقول له: "يمكنك الصعود"، وأفتح الباب. حتى يصل الطابق الثالث أو الرابع (لم أعرف بعد في أيّ طابق أنا، وفقَ المعايير!)، أبحث عن غطاء عدسة الكاميرا. يصل ويمسك الحقيبتين، وينزل. أجد الغطاء أخيرًا، أضعه على مكانه في العدسة بتأنٍّ، وأنقل بعض أصص النباتات من داخل الشقة إلى الشرفة كي يسقيها المطر في غيابي ولترى القمر والنجوم، وصوت هاتف الغيب مازال عاليًا في البيت. أنزل دون أن أطفئَه، فيتبعني في الدرجات. يحلو لي كذلك دائمًا؛ ألّا أطفئ صوت الموسيقى وأنا مغادرة البيت؛ سينطفئ بنفسه حين ينقطع الاتصال بين الهاتف المحمول والسمّاعة.

أركب السيّارة وأفتح الشبّاك. طقس بيروت معتدل وربيعيّ في منتصف الخريف، وبعد يوم مشمسٍ، مزخرف ببعض الغيوم اللطيفة. الغيومُ هواتفُ غيبية في مثل هذه الأيّام المحبّبة لي!

مطار بيروت

في المطار أُثير استغراب المسافرين ورجال الشرطة منذ البداية. كنت أهمّ بدخول مبنى المطار مع العربة من الباب الضيّق الخاصّ بالأشخاص؛ أسأل إن كانت هناك عربة لنقل الحقائب بعد تفتيشها، والعربات جنبي. أبتسم حين أجد أن الطيران سيزيد تأخره أكثر ممّا أخبرونا وسط اعتراض المسافرين واستيائهم.

أجلس في مقهى المطار وأهمّ بكتابة مقالٍ؛ هذا المقال. أصوات المطار هواتف، لكنّها ليست من الغيب. في خضمّ كثيرٍ من التثاؤبات، أخرج الكتاب الذي أقرأه منذ أيّام. "ديفيد لنتش"، يتحدّث عن تجربته مع المديتيشن لثلاثين عامًا. لم يكن يومًا ما من مخرجيّ المفضّلين، رغم أفلامه العبقرية، فأنا ذائبة ووفيّة منذ البداية ببعضٍ آخرين، لا علاقة لهم بسينما "ديفيد لنتش"؛ لكنّ هذا لا يعني ألّا يجذبني كتابه.

"التشاؤم يشبه العتمة تمامًا؛ ولكن ما هي العتمة؟ حين تنظر إلى العتمة، ترى أنها لا شيء بحدّ ذاتها؛ بل هي غياب شيء ما. تشعل الضوء، فتذهب العتمة." هكذا يعتقد "لنتش". جملة أو حكمة بالأحرى، تُطبّق في حياتي دون أن أفكّر أنها حكمة! الشيء الذي يضاف إلى هذه الحكمة "اللنتشية" بالنسبة لي هو أنّ هواتف الغيب تشعل الضوء بنفسها، ويحلّ الضوء. أيّ هواتف غيبية أخرى حاضرة في حياتي أو في حيواتنا دون أن نعرف؟ هذا أمرٌ عليّ أن أدوّنه يومًا ما. وكم يمتلك منها كلّ واحد من هؤلاء المتّجهين كلٌّ إلى مدينة؟ أتساءل دون أن أشعر بحاجة للإجابة. أريد أن أُترَك في وحدتي، وأن أفكّر الآن بشؤونٍ تعنيني وحدي، وحسب؛ هكذا بكلّ أنانية!

يبدو أن التأخر الذي دام أكثر من ساعتين قد انتهى، وعليّ أن أتّجه نحو بوّابتنا التي تغيّرت هي بدورِها.

أقوال جاهزة

شارك غردفي المطار أثير استغراب المسافرين ورجال الشرطة منذ البداية. كنت أهمّ بدخول مبنى المطار مع العربة من الباب الضيّق الخاصّ بالأشخاص؛ أسأل إن كانت هناك عربة لنقل الحقائب بعد تفتيشها، والعربات مركونة بالقرب منّي؛ وأبتسم حين أجد أن الطيران سيزيد تأخره أكثر ممّا أخبرونا وسط اعتراض المسافرين واستيائهم.

شارك غردتمتدّ ذاكرتي إلى جسور الأهواز، وأنا أنظر إلى وصفة جديدة لحساء اليقطين في مجلّة الطبخ. تسعدني دائمًا الوصفات الجديدة للقطين، ومن على السرير يناديني "بريسون" تعالي! ليصنعَ ليلتي الأولى في طهران، بعد غيابٍ طويل، وقبل غيابٍ آخرَ قريب.

الطائرة

أصوات الصلوات على النبيّ محمّد وآله تتعالى من قبل كثيرٍ من المسافرين المتديّنين المتّجهين غالبيتهم إلى زيارة المراكز الدينية في إيران. أنام قليلًا، وأفتح عينيّ لأقرأ قليلًا من "النفّري". جالسٌ إلى جانبي شابٌّ ملتحٍ، كان قد استلم وجبتي وأنا نائمة ووضعها أمامي. كالعادة لا أشعر بالجوع، فأعود إلى الكتاب. أليس من الأفضل أن أضع كتابَ النِّفَّري هذا في كلًّ من مدني، بدل أن أحملَه كلّ مرة بِثقلِه من مدينة إلى أخرى؟ "يا عبدُ، يومُك هو عمرُك"، هكذا يصارحني حبيبي الصوفيّ!

اليوم التالي.. في طهران

كان قد حلّ الصباح حين وصلتُ طهران. أنام وأستيقظ في التاكسي المتّجه إلى بيتي، وأطلب من السائق أن يضع موسيقاي في مسجّل السيّارة. أستمع إلى أغانيّ خلال الساعة التي يستغرقها الطريق من المطار الواقع خارج المدينة، إليها، وإلى البيت، وثمّ يكون لي بيتي ثانية، وأشيائي الأليفة، والنباتات التي أشعر بانتظارها لي.

أخبرتْني أختي وأنا في بيروت بأنّ بائع الكتب القديمة حصل لي أخيرًا على "رسائل عين القضاة"، الكتاب الذي أبحث عنه منذ شهور، وقد جلبتْه لي بمجلّدين طُبِعا بداية الثمانينيات، وها هما يرحّبان بي في صالة البيت.

أنام ساعتين أو ثلاثُا، ثمّ تأتي أختي، وبين نعاسٍ وشوقٍ إلى الشوارع، ننطلق فيها. كعادة الأيام الأولى بعد العودة إلى طهران، نذهب معًا من أجل شراء الأزهار  للبيت، والكرَفْس، (لماذا الكرفْس؟ لأنّه خضرتي الهابطة من الجنّة، ويبيع الشهيَّ والطازجَ منه رجلٌ عجوزٌ، جارُ بائع الأزهار). وكما تجري العادة أيضًا، أشتري المجلّات التي أتابعها شهريًّا في طهران، من طبخٍ إلى قصص، فإذا بالمجلة الفصلية المفضّلة لي والمعنيّة بالسينما والأدب قد صدرت، وماذا على الغلاف؟ صورة "روبير بريسون". يا لي من كائنٍ معزّز في هذا العالم، ومعنيّ بالمفاجآت الجميلة. حننتُ إليه وأنا في مطار بيروت، وها أنا أجد ملفًّا عنه في هذه المجلّة، في طهران.

"أيّ شيء يدور حول الأمر الواقع ويبدو غير حقيقيّ، تخلّ عنه!". هذا ما قاله إلهي في السينما، "بريسون"، وهو ما أحاول دائمًا تطبيقه في الحياة؛ اكتشاف دائم عن الأشياء الحقيقية، مهما كانت صغيرة وبسيطة. "بريسون" و"بازوليني"، أيّهما الإله الذي كوّن رؤيتي إلى السينما قبل الآخر؟ وأيّهما غُرمت به أوّلًا، وأنا في سنوات اليفاعة وغزارة كلّ شيء من قراءات وأفلام وكتابة في الأهواز، حيث كنّا نتبادل أفلامنا الجميلة أنا وصديقتي الحبيبة؟ تمتدّ ذاكرتي إلى جسور الأهواز، وأنا أنظر إلى وصفة جديدة لِحساء اليقطين في مجلّة الطبخ. تسعدني دائمًا الوصفات الجديدة للقطين، ومن على السرير يناديني "بريسون" تعالي! ليصنعَ ليلتي الأولى في طهران، بعد غيابٍ طويل، وقبلَ غيابٍ آخرَ قريب.

 

هذه التدوينة تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي رصيف22.
مريم حيدري

شاعرة وصحفية ومترجمة من إيران، الأهواز. ممّا صدر لها في الترجمة إلى الفارسية: "أثر الفراشة" لمحمود درويش، وإلى العربية: "ذكرياتي، مذكرات بنت ناصرالدين شاه القاجاري". وقد صدر لها ديوان "باب موارب" عن منشورات المتوسط بإيطاليا. تكتب مقالات في الثقافة والفن وأدب الرحلة مع صحف ومجلات عربية وفارسية، ولها اهتمامات في السينما والطبخ والكَريه.

التعليقات