قوم لوط حالةٌ خاصة وربطهم بالمثليّة الجنسيّة قياسٌ فاسد

قوم لوط حالةٌ خاصة وربطهم بالمثليّة الجنسيّة قياسٌ فاسد

أميل للتوجه الذي يركّز على الأولويات في البحث والنقاش، وأعتبر أن الحديث حول موضوع المثلية الجنسية يشبه شخصاً يتحدث عن حُرمة الخمر في بيئة لا تجد ماءً يشربه أهل المكان الذي يتحدث فيه، ومثل كثير من الشيوخ الذين يتحدثون عن الإسراف والترف في مسجد قابع وسط العشوائيات حيث الفقر المدقع؛ ولكن نظراً للحديث الذي يدور حول موضوع المثلية الجنسية، وجدت أن أحدّد بعض الأمور، بعيداً عن الموقف من موضوع المثلية الجنسية نفسه، قبولاً أو رفضاً.

نجد أن ثمة ربطاً يحدث بين موضوع المثلية الجنسية وبين ما حدث لقوم لوط، وأن البعض يستحضر غضب الله على قوم لوط لدرجة القضاء عليهم جميعاً، ثم يُسقطه على موضوع المثلية الجنسية حالياً، مستهدفاً من ذلك أن يعرض لمدى قبح التصرف للدرجة التي جعلت الله يقضي على قوم بأكملهم.

من هنا وجب أن نتوقف قليلاً كي نضع الأمور في نصابها.

وردت قصة قوم لوط في القرآن أكثر من مرة في أكثر من سورة، {وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّن الْعَالَمِينَ، إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاء، بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ} سورة الأعراف.

{وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيب، وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ} سورة هود.

وقال تعالى: {إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ، إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ، وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ} سورة الشعراء. 

وقد وردت قصة لوط تقريباً بالمعنى نفسه في الكتاب المقدس، "وقبلما اضطجعا أحاط بالبيت رجال المدينة رجال سدوم من الحدث إلى الشيخ كل الشعب من أقصاها"، "فنادوا لوطًا وقالوا له أين الرجلان اللذان دخلا إليك الليلة أخرجهما الينا لنعرفهم"، هو ذا لي ابنتان لم تعرفا رجلا أخرجهما إليكم فافعلوا بهما كما يحسن في عيونكم، وأما هذان الرجلان فلا تفعلوا بهما شيئًا لأنهما قد دخلا تحت ظل سقفي". (سفر التكوين – إصحاح 19).

ويقول ابن كثير في عمله الموسوعي "البداية والنهاية"/ الجزء الأول: "إنهم كانوا مع ذلك (يقصد ممارسة الفعل الفاحش) يقطعون الطريق ويخونون الرفيق ويأتون في ناديهم، وهو مجتمعهم ومحل حديثهم وسمرهم، المنكر من الأقوال والأفعال على اختلاف أنواعه".

أقوال جاهزة

شارك غردقياس البعض لحالات فردية في موضوع المثلية الجنسية على حالة مدينة بأكملها هي مدينة قوم لوط هو قياس فاسد، ليس فقط لأنه يقيس حالة جماعية على حالات فردية، ولكنه يقيس حالات اغتصاب على حالات تقوم على التراضي في الغالب...

شارك غرد"إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ الْعَالَمِينَ"... يفسّرها البعض على اعتبار أن المثلية لم تكن موجودة قبل قوم لوط، ولكن التفسير الأقرب للصواب أن الحديث ليس عن المثلية بحدّ ذاتها بل تحولها لتوجه مجتمعي وصل حدّ الرغبة باغتصاب رسل الرب...

ثمة جانب هام يجب أن نلفت إليه النظر حول قوم لوط، وهو أنهم لم يكتفوا بممارسة "الفاحشة" فقط، بل تجاوزوا حدود ذلك وصولاً إلى فعل الاغتصاب.

ما ورد حول مطالبتهم لوط أن يخرج لهم ضيوفه كي يفعلوا بهم "الفاحشة" يؤكد هذا التصور، فضيوف لوط لم يكونوا من أهل القرية، ولم يكن قوم لوط يعرفونهم ولم يعرفوا عنهم أنهم يمارسونها، ورغم ذلك حاصروا البيت مطالبين إياه أن يُخرجهم، ولم تشفع له مطالباته وتوسلاته، ولا توضيحاته لهم أن نساء المدينة، الذين اعتبرهم لوط بناته، أولى بممارسة الجنس معهم، لكنهم لم يستجيبوا لنداء لوط وتمادوا في غيّهم، فما كان إلا أن أصابهم ما نعرفه حول العذاب الذي قضى عليهم جميعاً.

هنا يجب أن نقف عند عدة نقاط مهمة، وهي أن حالة قوم لوط هي حالة فساد جماعي غير قابل للإصلاح، فقد بقي لوط بينهم فترة من الزمن دون إحداث أي أثر، وخرج في النهاية بأسرته غير كاملة (لم تنجُ زوجته من العذاب).

هذا الوضع لم يحدث قبل أو بعد حالة قوم لوط، فلم نجد مجتمعاً بأكمله يمارس هذا الفعل ولا يترفّع عن إتيانه، بل اختلت موازين قوم لوط لدرجة رفضهم لما كان يُعرف بالطبيعي من الأمور، ومن هنا لا يجب أن نقيس على حالة قوم لوط لأنها حالة خاصة لا يُقاس عليها، وأي قياس عليها سوف يكون قياساً فاسداً.

النقطة الثانية، وهي أن ما كان يحدث مع قوم لوط ليس مجرد ممارسة المثلية الجنسية القائمة على قبول الطرفين، بل تخطى الأمر لفعل اغتصاب، فوفقاً لما ورد في القرآن الكريم في أكثر من موضع، وحصارهم لبيت لوط من أجل اغتصاب رجلين في زيارة لوط، نجد أننا أمام فعل اغتصاب وليس مجرد ممارسة قائمة على التراضي، والاغتصاب عقوبته مغلظة في كل القوانين الحديثة تقريباً. 

ومن هنا أود القول إن قياس البعض لحالات فردية في موضوع المثلية الجنسية على حالة مدينة بأكملها هي مدينة قوم لوط هو قياس فاسد، كما أن القياس ليس فاسداً فقط لأنه يقيس حالة جماعية على حالات فردية، ولكنه يقيس حالات اغتصاب - حالة قوم لوط - على حالات فردية ليس فيها اغتصاب في الغالب، ولو حدث اغتصاب سواء كان لرجل أو امرأة، فكل القوانين في مثل هذه الحالة صارمة جداً، سواء في الشرق أو الغرب. 

ثمة كذلك مثال صارخ يوظّفه كثيرون في إعلان رفضهم للمثلية والمثليين، وهو أن حالة قوم لوط لم تحدث قبلهم ولا بعدهم، مستشهدين بقول لوط لهم "إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ الْعَالَمِينَ". يفسرها البعض على اعتبار أن المثلية لم تكن موجودة قبل قوم لوط، ولكن التفسير الأقرب للصواب - من وجهة نظري - هو ليس عن المثلية وأنها لم تكن قائمة قبل قوم لوط، ولكن عن تحول المثلية لتوجه مجتمعي، وفي الوقت نفسه حالات الاغتصاب اللوطي للغرباء أياً كانوا، لدرجة أنهم أرادوا اغتصاب رسل الرب.

هذه التدوينة تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي رصيف22.

باحث مصري وحائز على دكتوراه في الفلسفة

التعليقات