الإنستغرام.. قوّتنا، وضعفنا، وقدوتُنا الأولى في الحياة

الإنستغرام.. قوّتنا، وضعفنا، وقدوتُنا الأولى في الحياة

منذ أن أتذكّر كان لدينا دائمًا نحن الإيرانيين نماذج نقتبس منها نمط الحياة من الموضة حتى الهوايات والأزياء والماكياج وطرق الزواج وكلّ شيء؛ ففي سنوات ما، كنّا نقتبس مثلًا طرقًا للعيش، من المسلسلات الإيرانية التي تروي لنا أنماط حياة مختلفة عن التي نراها في الواقع. وفي فترة تزامنت مع دراستي في الثانوية، أي في التسعينيات، سيطرت علينا مسلسلات من أمريكا اللاتينية. كما أنّنا في فترة أخرى تأثّرنا كثيرًا من المطربين والممثلين في بلادنا. وفي حقبة أخرى، وعندما دخلتُ الجامعة اقتبسنا طريقة وضع الأثاث وتنسيق الملابس من المسلسلات التركية وحتّى الخليجية، لاسيّما في الأهواز، حيث يتابع الناس المسلسلات التي تُبثّ من القنوات الفضائية العربية. واستمرّ بنا الوضع كذلك؛ فقضينا فترة لاحقة في الفيسبوك وعالمه، حتّى ظهر لنا الإنستغرام، هذه الشبكة الملوّنة والمتنوعة سهلة التناول، إذ هي لا تخضع للحظر من قبل السلطات في بلادنا.

وبعد كلّ الاقتباسات التي شهدتْها حياتنا، أصبح اليوم الأمر مختلفًا تمامًا؛ فقد أصبحنا غارقين في الحياة الجميلة التي يرويها لنا الإنستغرام. ولم تعد نماذجنا وقدواتنا للحياتنا مستلهمة من المطربين أو الممثّلين، بل من أشخاص عاديّين ينشرون صور حياتهم اليومية وهم برفقة أزواجهم أو أطفالهم؛ يتجوّلون في المطاعم والمولات والمقاهي والمطارات؛ يسافرون إلى مناطق جميلة في إيران وتركيا والبعض إلى أوروبا؛ يقيمون حفلات مع أصدقائهم وأمامهم أطباق ملوّنة وشهية. بعضهم نباتيون، فأصبحنا نباتيّين مثلهم؛ وللبعض أطفال جميلون هادئون، فصرنا نحبّ إنجاب الأطفال.

أقوال جاهزة

شارك غردأصبحنا اليوم نقتبس مواقف نجوم الإنستغرام من السياسة والأحداث الإجتماعية، وحتى شعورهم تجاه المطر والثلج والقراءة وإلخ. هربنا من معايير السعادة والنجاح التي طالما فرضَها علينا مجتمعنا الحائرُ دائمًا بين التقاليد والحداثة.

شارك غردسواء إن كانت هذه الأخبار والصور والقصص حقيقية أم لا، وإن كان بإمكاننا تطبيقها على حياتنا اليومية أم لا، إلا أننا على الأقلّ نهرب إليها من همومنا لنعيشَ حياة أخرى هادئة وملونة، وإن كانت لبضع لحظات.

أصبحنا اليوم نقتبس مواقف نجوم الإنستغرام من السياسة والأحداث الإجتماعية، وحتى شعورهم تجاه المطر والثلج والقراءة وإلخ. هربنا من معايير السعادة والنجاح التي طالما فرضَها علينا مجتمعنا الحائرُ دائمًا بين التقاليد والحداثة. وسواء كنّا متأكدين من أن الصفحات التي نتصفحّها في الإنستغرام تظهر كافة جوانب حياة الإنسان أو فقرات جميلة منها فقط لجذب مستخدمي الشبكة الإجتماعية أم لا، إلا أنّنا غدونا نستمتع بها، ونحاول تطبيقها في حياتنا اليومية للشعور بالسعادة كما يشعر بها نجوم الإنستغرام.

وسواء إن كانت هذه الأخبار والصور والقصص حقيقية أم لا، وإن كان بإمكاننا تطبيقها على حياتنا اليومية أم لا، إلا أننا على الأقلّ نهرب إليها من همومنا لنعيشَ حياة أخرى هادئة وملونة، وإن كانت لبضع لحظات.

قرأتُ مرة لأحدى نجمات الإنستغرام الإيرانيات نصًّا نشرتْه على صفحتها تعليقًا لصورة لها جالسة محتضنة طفلها الصغير، يتضمّن ما يلي: "الأمور التي لا يظهرها لنا الإنستغرام: الشعرات البيضاء التي ليس لدي وقت كي أصبغَها؛ الطفلة التي هربت باكية لأنها مُنعت من اللعب تحت المطر؛ الطفل الذي يصرخ طوال اليوم؛ أعصابنا، أنا وزوجي، المحطّمة؛ خروج العائلة إلى المطعم مرة واحدة فقط خلال كلّ شهر! والأشياء التي يظهرها لنا الإنستغرام: يا لها من امرأة أنيقة! يا لها من بشرة جيدة! لابدّ أن لها أطفالًا جيّدين وهادئين، يتيحون لها ولزوجها الخروج براحة إلى خارج البيت والتقاط الصور بسهولة؛ يا لتَرَفهم! يأكلون جميع وجباتهم اليومية في المطاعم!"   

قد نعرف جميعنا أن ما يظهره الإنستغرام لنا لا يشمل كلّ أبعاد الحياة اليومية للآخرين الذين نتابعهم، وأنه لابدّ أن تكون هناك أمور خفيّة لا نعرفها عن حياة الآخرين، تشبه ما لدينا وما نجرّبه في حياتنا اليومية ووتيرتها العادية في كلّ يوم، إلا أن هوسًا ما غريبًا يجرّنا إلى الفضول بل الوله بمشاهدة صورهم ومتابعة أخبارهم، وما يأكلون وما يلبسون، وأين يذهبون، وكيف يعبّرون عن الأمور من الشخصية حتى الاجتماعية والسياسية. ثمّ دون إرادة أو بإرادتنا نتأثر بها، سعداء بهذا التشبّه والتأثّر ومعرفة أخبار الآخرين، وثمّ.. أين نحن من أنفسنا؟!

هذه التدوينة تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي رصيف22.

التعليقات