هل تشكّل "نتفليكس" وأخواتها خطرًا على مفهوم السينما؟

هل تشكّل "نتفليكس" وأخواتها خطرًا على مفهوم السينما؟

من داخل صالات السينما ومحالّ بيع أشرطة الفيديو استقينا نحن أبناء الثلث الأخير من القرن العشرين كلّ ثقافتنا السينمائية، تلك كانت معابدنا التي أشبعنا فيها جوعنا السينيفيلي يوماً. كانت رحلة البحث عن شريط فيلمٍ قديمٍ مهمة شاقة، بينما الذهاب إلى السينما متعة لا يكاد يضاهيها شيء. هبّت رياح التغيير مع وصول الثورة الرقمية فحلّ عصر الإنترنت والأقراص المدمجة وانقرضت شرائط الفيديو التي تمنينا اقتناءها يوماً. تسارعت خطى التطوّر، فبتنا على مشارف انتهاء عصر الأقراص ودخول خدمات البث مثل نتفليكس وأمازون وغيرهما. بات التذوق السينمائي يسيراً ومسهّلاً لأقصى الحدود، كانت الأفلام محصورة بشرائط الفيديو وصالات السينما لتصبح عرضة للقرصنة على الإنترنت والتنزيل على الأقراص ثمّ باتت على بعد كبسة زر سواء على التلفاز أو الكومبيوتر وصولاً إلى لمسة بسيطة على شاشات الهواتف الذكية والأجهزة اللوحية. هل نتفليكس وأخواتها تشكّل خطراً على مفهوم السينما؟ هل نشهد تغير الثقافة السينمائية؟ والسؤال الكبير هل نتفليكس هي سينما الأجيال القادمة؟

مما لا شك فيه أن شيئاً ما يتغير أو بالأحرى قد تغير فعلاً في صناعة السينما. المعركة بين نتفليكس والمهرجانات السينمائية الكبرى ما هي إلا الدليل على استشعار بعض صنّاع السينما للخطر. مهرجان كان ابتدأ الهجوم عام 2017، صدر الحكم، أفلام نتفليكس منزلية ويمنع مشاركة أي فيلم لم يجرِ جولة تجارية في دور السينما، قبله صدر قرار أكاديمية الفنون والعلوم السينمائيّة التي تتخذ المعيار ذاته للأفلام التي تترشح لجوائز الأوسكار. إنّه التطور الذي لا فرار منه، ولكنّه هل سيتسبب هذه المرة باختفاء صالات السينما؟ قليل من العودة إلى الوراء إلى قضية مشابهة قد تكون مجدية لفهم مسببات الأزمة اليوم.

عام 1927، عُرض "مغني الجاز" وهو أول فيلم سينمائي تضمّن حواراً متزامناً مع السرد. هذه الخطوة اعتُبرت يومها أزمة جذرية تضرب السينما بسبب التطور التكنولوجي، عنصر الصوت تسبب بالانقسام. البعض اعتبره خطوة مبشرة في طريق التطور السينمائي والبعض الآخرُ تلقّاه بالعداء مثل تشارلي تشابلن أو سيرجي إيزنشتاين. خشي هؤلاء أن يفسد الابتكار التقني الجديد القوة التعبيرية الفائقة التي وصلت إليها السينما الصامتة. توأمة الصوت مع الصورة فرضت تغييرات على طريقة العرض والتلقي، فتغيرت صالات السينما للتكيف مع التطور التكنولوجي الجديد، تماماً كما حصل لاحقاً مع الأفلام الثلاثية الأبعاد. خصوبة الاختراعات ارتبطت بغريزة بقاء السينما وحفاظها على نفسها، لم يكن معقولاً أن تبقى السينما على حالها بينما تتطوّر كلّ تفاصيل حياة الإنسان. تاريخ السينما إذاً هو تاريخ تطورات تكنولوجية متتالية أثّرت على السينما وطرائق تعبيرها لكن دون أي مساس بماهيتها. لا زلنا نرى إنتاجات جديدة لأفلام بالأبيض والأسود وكذلك افلاماً صامتة وأفلاماً ببعدين بسيطين والسينما استوعبت كذلك الألوان والحوارات والأبعاد الثلاثة. إذاً لماذا هناك شعور بالخطر اليوم على السينما؟ لأنّ نتفليكس وأخواتها هي أكثر من تطور تقني، بل هي تتسبب بتغيير جذري على الثقافة السينمائية عبر اختزال مرحلة المشاهدة وتجاوز الشاشة الكبيرة وفعل المشاهدة الجماعية.

أقوال جاهزة

شارك غردمما لا شك فيه أن شيئاً ما يتغير أو بالأحرى قد تغير فعلاً في صناعة السينما. المعركة بين نتفليكس والمهرجانات السينمائية الكبرى ما هي إلا الدليل على استشعار بعض صنّاع السينما للخطر.

شارك غردلكنّ نتفليكس وأخواتها باتت أمراً واقعاً، وتجاهلها لن يجعلها تختفي. ما كنا نعتبره قبل سنوات من الخيال العلمي بات أسلوب حياةٍ لعموم الناس ممن انساقوا وراء الديناميكيات الجديدة المقدمة من مواقع خدمات البث والترفيه الجديدة.

شارك غردلذلك لا يمكن لنتفليكس التي لديها أكثر من مئة مليون مشترك أن تكون خدمة تقتل السينما. من يخنق الإبداع، من يقيّد الخيال، من يحدّ من الفن، هؤلاء قد يقتلون السينما. من يكتب السينما، يخلقها ومن ينتجها يستطيع قتل السينما.

لكنّ نتفليكس وأخواتها باتت أمراً واقعاً، وتجاهلها لن يجعلها تختفي. ما كنا نعتبره قبل سنوات من الخيال العلمي بات أسلوب حياةٍ لعموم الناس ممن انساقوا وراء الديناميكيات الجديدة المقدمة من مواقع خدمات البث والترفيه الجديدة. التكنولوجيا واسعة الحيلة وتزاوجها مع المجتمع قدرٌ، لكنّه زواج مفتوحٌ على نماذج مستحدثة قد لا نتخيلها حالياً.

هذه حقيقة يجب أن تتعايش معها صناعة الأفلام بما في ذلك المهرجانات: تصل الأفلام عند عتبة الجمهور وفق الطلب. هذا مخيف للبعض ربما، ولكنّه لا يهدد مفهوم السينما برأيي. التجربة السينمائية لا تضاهيها أفلام الكنبة وكبسة الزر، التجربة الكاملة لمشاهدة فيلم سينمائي هي في السينما. لا يمكن تجاوز الشاشة الكبيرة أو الاستغناء عنها، وهذا أساسيٌ لصنّاع الأفلام ومحبيها على حدّ سواء. حتى اللحظة وفي ذروة موجة نتفليكس ما زالت دور العرض تعجّ بالناس في عطلة نهاية الأسبوع، إذاً فحيّزها محفوظٌ في حياة محبي السينما الكثر. سيبقى هناك مجال لحياة سينمائية "خام" تفتح الطريق لمشاهدة السينما بطريقة "كلاسيكية". لإقناع جيل نتفليكس بأن نتفليكس ليست سينما، ببساطة شديدة خذ بيدهم إلى صالة السينما وسحرها سيتكفّل بالباقي.

الصدام يأخذ طابعاً أيديولوجياً بكلّ تأكيد ما قد يؤدي لتطرفٍ وتصلّب دون طائل. نتفليكس و"كرايتيريون كولكشن" قريباً قد تكونان الحل أيضاً. للذين يعيشون بعيداً عن دور العرض، للذين يريدون سينما غير تجارية في الدول العربية مثلاً أو للذين لا تعرض صالات مدنهم السينما القديمة.

لا أدافع عن أفلام تُشبِعُها شاشات صغيرة، لكنّ إلقاء أعباء وعلل السينما على أي وسيلة تنقل الأفلام ليس عادلاً، أمّا إلقاء اللوم على المنافس حتى لو لم يكن منافساً ليس مبرَّراً. تتسبب السينما بالضرر لنفسها دون منّة من أحد، الأفلام التجارية، أزمة الأفكار، التذاكر الباهظة، الصالات السيئة.

أؤمن تماماً أن "الذهاب إلى السينما" يتفوق على "مشاهدة فيلم"، لكنّ الفيلم يبقى الأساس. الوسيلة عظيمة لكنّ المحتوى هو الكفيل بالحفاظ أو القضاء على هذا الفنّ. لذلك لا يمكن لنتفليكس التي لديها أكثر من مئة مليون مشترك أن تكون خدمة تقتل السينما. من يخنق الإبداع، من يقيّد الخيال، من يحدّ من الفن، هؤلاء قد يقتلون السينما. من يكتب السينما، يخلقها ومن ينتجها يستطيع قتل السينما.

في المعركة ضدّ نتفليكس وشبيهاتها سيخسر المعاندون إن بقوا على تعنّتهم وستُحجَّم نتفليكس عبر حرمان إنتاجها من جوائز قد تكون مستحقّة في المهرجانات السينمائية الكبرى. حفاظاً على السينما، شروط اللعب النظيف هي الضمانة. أفلام المهرجانات على الأقل يجب أن تحضر على الشاشة الكبيرة، في صالات لنتفليكس ربّما، أمّا المخرجون فهم من تقع عليهم المهمة بفرض هذا المرور الإجباري. ففي النهاية الهدف واحد: الأفلام.

هذه التدوينة تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي رصيف22.

التعليقات