فتاة إيرانية جاءت لمشاهدة الشفق القطبي، لابدّ أن تتحدّث معها

فتاة إيرانية جاءت لمشاهدة الشفق القطبي، لابدّ أن تتحدّث معها

كنتُ ذاهبة من هلسيكي إلى روفانيمي، ومنطقة لابلاند، وقرية بابا نويل، قاصدة رؤية الشفق القطبي. عربة القطار التي كنتُ فيها فاقدة لأي جهاز تدفئة. كنتُ متكوّرة على المقعد بالقبّعة والمعطف، طاوية قدميّ في حضني، وأشهق بقوة كي أصدر أنفاسًا دافئة. سألتني السيدة التي جاءت لمراقبة التذاكر إن كنتُ أشعر بالبرد. ابتسمت: "هوممم". اقترحتْ أن تجلب لي بطانية، فقبلتُ. كان عليّ أن أقضي ١٢ ساعة من السفر بذلك الوضع. كما أنه لم يكن لديّ أيّ فكرة عن الوجهة اللاحقة، وطريقة الذهاب إليها. "لا أفكّر بها حتى أصل".

توقّف القطار في بعض المحطات، وركب المسافرون. جلستْ إلى جانبي امرأة مكتنزة الجسم بعينين زرقاوين إلى لانهاية. شعرتُ كأنّي فرّوجة صغيرة أمامها. جلستْ في المقعد المقابل لي. ابتسمتْ. كان واضحًا جدًّا أنها تريد فتح الحديث. لصقتُ رأسي بالزجاج لأشاهد الخارج.

كنتُ أنزلتُ حافة القبعة حتى حاجبيّ، ورفعتُ الوشاحَ حتى أنفي؛ محدقّة بالمشهد الخارجي المغطّى بالثلوج، وقلبي يثلج سرورًا من مشاهدة الشتاء الحقيقيّ المليء بالثلج. التفتُّ فجأة ورأيتُ المرأة ذات العينين الزرقاوين محدّقة بي. ابتسمتُ من باب التهذيب، فقالت دون أيّ تمهيد: "لديك أجملُ عينين رأيتهما حتى اليوم؛ كم هما عميقتان". ضحكتُ دون هوادة. قلت لها، ومرة أخرى من باب التهذيب: "إذًا، ربّما لم تنظري في المرآة حتى اليوم؛ عيناك أجمل".

لم تبدِ ردّة فعل إزاء كلامي. كان جليًّا أنها تريد فتح باب الحديث وحسب. "أنت من أين؟". "إيران". "واو، إيران". اتّسعت ابتسامتها والحديث انفتح. "فتاة إيرانية، لوحدها، هنا؛ كيف هذا؟" ابتسمتُ، وقلتُ لها إن الكليشيهات التي تسمعونها عن إيران، لا تشبه الحقيقة كثيرًا، ودعوتُها أن تأتي لترى بنفسِها. رفضتْ دعوتي بلُطف، قائلة إنها تخاف. ابتسمتُ ولم أواصل أكثر. لففتُ الغطاء حول جسمي بشدّة، وخبّأتُ وجهي ثانية بين وشاحي إلى حين نصل.

أقوال جاهزة

شارك غردفي الحقيقة كان القاسم المشترك بيننا هو أن أقاربنا يظنّوننا مجانين، أو من فرطِ البطر اتّجهنا نحو هنا؛ وإلّا أيّ إنسان سليم العقل يشتغل ثلاثة أو أربعة أشهر من أجل قضاء أسبوع أو عشرة أيام تحت السماء؟

شارك غرد فتاة إيرانية قدمتْ لوحدها إلى عزّ الثلج والجليد من أجل مشاهدة اللحظة التي تصبح السماءُ فيها خضراء وزرقاء، كانت بلا شكّ صالحة جدًّا للتعامل والحديث.

وصلنا أخيرًا. سألتُ قسم الاستعلامات في المحطّة عن طريق الوصول إلى الشفق القطبي. منحوني عناوينَ لبعض الجولات التي كان يمكنني الذهاب معها لمشاهدة تلك المعجزة المدهشة. كانت الأسماء مدروجة على ورق، واحدًا تلو الآخر. بحثٌ بسيط في الانترنت ساعدني لأجدَ الجولة التي أريدها. كانت غالية، لكنني لم أستطع التخلّي عنها. حين دفعتُ النقودَ للمرأة الجالسة في الغرفة خلف الصندوق، شعرتُ بارتجافةٍ في يدي، فحدّثتُ نفسي: "نعم، فقد أخذتِ تشيخين!".

*

السماءُ فوق رأسي أصبحت مطرًا؛ أخضر وفضّيًّا، على صفحة سوداء… كنتُ مستلقية فوق الجليد والثلج، خارج الخيمة التي كانت من المقرّر أن تكون مأوانا. كنّا عبارة عن فريق مكوّن من ستة أشخاص، قادمين إلى أقصى نقطة في شمال فنلندا، من أجل مشاهدة الشفق القطبي. كنتُ الإيرانية-الأسيوية الوحيدة في الفريق. بالطبع لم يكن هناك مشكل أمامي في التعامل؛ فتاة إيرانية قدمتْ لوحدها إلى عزّ الثلج والجليد من أجل مشاهدة اللحظة التي تصبح السماءُ فيها خضراء وزرقاء، كانت بلا شكّ صالحة جدًّا للتعامل والحديث.

في مثل هذه المجموعات تكون جملة "حدّثينا عن نفسك" هي الجملة الأوّلى في كلّ المحادثات بين الأشخاص الذين يشبهونني، بينما هم غرباء مع بعضهم بعضًا. في الحقيقة كان القاسم المشترك بيننا هو أن أقاربنا يظنّوننا مجانين، أو من فرطِ البطر اتّجهنا نحو هنا؛ وإلّا أيّ إنسان سليم العقل يشتغل ثلاثة أو أربعة أشهر من أجل قضاء أسبوع أو عشرة أيام تحت السماء؟

نعم، كان هذا هو القاسم المشترك بيني وبين نيك، جان، أستريه والاثنين الآخريْن اللذين كانا من روسيا، ولم أعرف اسميْهما. كلّ واحد منّا بدأ قصة حياته من مكان ما. بدأتُ من اليوم الأوّل لسفري، مع أنّي بين تارة وأخرى، ومع كلّ ذكرى منهم، كنتُ أتذكّر شيئًا من حياتي غير المتوازنة، وأبوح به لهم.

كنتُ منتعشة؛ من السهر، والمرافقين أنقياء القلوب، من الأحاديث المشتركة التي لم تكن تنتهي، من المسابقة التي قمنا بها في التحدّث عن أنفسنا، ومن بساطتهم وأفكارهم غير المشغولة بالهموم. كنتُ منتعشة بالضحك. قال نيك: "تصبحين أجمل حين تضحكين.."، ضحكتُ، وقلت: "لكنّك لم ترَ وجهي غير الضاحك!" قال: "بل رأيت؛ في القطار، في الطريق من هلسنكي إلى لابلاند، كنّا في عربة واحدة، لكنّك كنتِ غارقة في أفكارك، وتتحدثين مع تلك المرأة الفنلدية". قلت: "غريب أننا أصبحنا رفيقيْ سفر هنا"، قال: "ليس غريبًا جدًّا، غالبية الذين يأتون إلى هنا، هدفهم هو مشاهدة الشفق القطبي!". رفعتُ كتفيّ؛ كنتُ أحبّ أن أفكّر أن هذا أيضًا حدثٌ من الأحداث الغريبة التي حدثت لي خلال السفر، لكنّه خيّب ظنّي.

كلّهم كان لديهم أكياس نوم، وكان ينبغي أن يكون لي أيضًا، لكنّ الجانب المقتصد من عقلي كان قد قال لي إنه لا يستأهل أن أشتري كيسَ نومٍ من أجل ثلاث ليالٍ، وبأني سوف أجد حلًّا له كالمعتاد. ولا حاجة للحلّ؛ ففي الليلة الأولى أعارتني أستريه كيسَ نومها، وفي الليلة الثانية واحدٌ من الروسييْن، وفي الليلة الثالثة لم ينم أحدٌ منّا. جلسنا معًا حتى الصباح، وتحدّثنا عن خططنا المستقبلية.

في طريق العودة، في سيارة الفان الكبيرة والبيضاء نِمنا كلّنا، أخضرَ وفضّيًّا. كانت السيارة تسير على الطريق المتجمّد بهوادةٍ، وكأنّك لا تتحرّك. منعطفات ناعمة إلى اليمين واليسار كانت تُميلنا. كنتُ في أعمق نومٍ في حياتي إلى أن رماني فرامل قويّ.. إلى اليقظة.. استيقظت.. وكنتُ في غرفة الفندق، على سريري تحت شبّاكٍ كان الثلجُ خلفه قد فعل ما فعل.

لم يكن لديّ أي مخطّط لمواصلة سفري في هلسنكي سوى التمشي في المدينة، وربّما زيارة متحف آخر أو اثنين، ومن المحتمل الذهاب إلى أحد البرامج الحيّة الخاصة بليلة العام الجديد. أغمضتُ عينيّ لتبقى نكهة ذلك النوم الأخضر والفضّيّ في فمي.

 

ترجمة عن الفارسية: مريم حيدري

هذه التدوينة تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي رصيف22.

كاتبة ومترجمة إيرانية، ورحالة.

التعليقات