تنتشر الأوساخ في بيروت، ونتخفّى خلف فيروز

تنتشر الأوساخ في بيروت، ونتخفّى خلف فيروز
 يستغرب عشيقي الفرنسي، تيو، أغاني الصباح التي أضعها. منذ مشاركتنا العيش معاً في بيت واحد، كانت فيروز مجرد كائن غريب في صدى سمعه. امرأة ثمانينية قد تشبه أيقونات الأغنية الفرنسية المنسيات. لكنه ما لبث أن تعرف عليها وحيداً وبجهد مضاعف، كي يكتشف سيدة صنعت تاريخاً موسيقياً من الصعب تكراره في لبنان.
أو ليست فيروز أيضاً لدى الفرنسيين، مغنية فرنكفونية رغم لبنانيتها؟

وفيروز التي جاء امتلاء رقتها دافئاً إلى سمع تيو، كانت في المناسبة إحدى "معضلات" تعرفي إلى معظم الشبان الفرنسيين. فهي ليست مجرد صوت صباحي يمرّن وحدتي ويجعلني أفهم أن الحياة ناقصة من دونها، بل أيضاً جزء من قدرتي على التأقلم مع الآخر البعيد عني. أي أنها قد تتحوّل فيروز من مغنية محلية من ذاكرتي وطفولتي ويومياتي، إلى نقطة وصل مع من سأحبهم من الغرباء. وما أقصده من الغرباء، الشبان الذين التقي بهم من الفرنسيين والأوروبيين بشكل عام. من لا يقيم وزناً لفيروز خسر رهانه. فيروز من بين معايير كثيرة كي اقتنع بشريكي. على فيروز أن تعرف أنها عُرابة حبّ أو قاتلته.

ولأن تيو، يحاول مراراً أن يضع قلبي بحوزته، فهم اللعبة أو لنقل السر. وأُعجب بفيروز كإعجابه بالمغنية بربرا وميلان فارمر. وحين يضيع أحد الصباحات مني، أكون فيه مستعجلاً للذهاب إلي العمل او لموعد ضروري، يقول لي أنه افتقد لفيروز. هذا الافتقاد الذي يجعلنا أكثر قرباً وحميمية، أنا الذي أردد دوماً: حبّي لفيروز دائم. أورثه لكل عشاقي. من لا يحب فيروز، فهو في الضرورة لا يحبني أيضًا.

مع الوقت تعوّد تيو. صار يبحث في "يوتيوب" عن اسمها بالفرنسية. يعرف أن هذا الاسم كاف، كي يجعل صباحي وصباحه معاً، رشيقاً وحنوناً في باريس، مدينته ومنفاي. وكم تخفف فيروز من هذه القسوة ونحن نعيد معها مقطع: صباح ومسا، شي ما بينتسى. فما هو النسيان يا فيروز؟

أجالس هذا السؤال كل يوم. فحسب "ويكيبيديا"، إن النسيان هو الدخول في حالة من الفقدان الظاهري أو تحوير للمعلومات المخزنة في الذاكرة المديدة عند محاولة استرجاعها. لكن هل تكفي ذاكرة واحدة لتعد خيباتنا ومآسينا وحلاوة العيش أيضاً؟ نعم قد تكفي، حين تكون الذاكرة مربوطة بأغاني فيروز وإلهاماتها.  وهل النسيان مبرر في حالة غيابنا عن أراضينا البعيدة؟ فيروز لا تنكر هذا الشيء، وهي تؤكد لنا أن شيئاً ما مضمر هناك. وفي هذا الخفاء ما ينتظرنا: "لعلّ وعسى أترك هالأسى ويرجع لي حبي صباح ومسا". وحبنا هو أماكننا التي جئنا منها. رائحة أمهاتنا والقهوة بالهال والشاي الأسود. أصوات أصدقائنا والسهر القديم. ومطر أوطاننا الحزينة.

ولفيروز قصة خاصة معنا، نحن الذين نعيش في الغربة. في البداية ننقطع عن كل ما يربطنا ببلادنا. رفض نفسي. مقاومة بديهية لشعور الاغتراب. العيش بالجديد وقبوله. الهروب من اللبنانيين ومن مطاعهم الوافرة في بلاد ماري انطوانيت. الهروب من وجوههم أحياناً ومن لكناتهم الخفيفة. التحدث فقط بالفرنسية والتهام الكرواسان بدلاً من المنقوشة بالزعتر والبونجوس بالأناناس. كل هذا لن يجدي. فيروز وحدها تستطيع أن تبدده بالمطلق. أي أنها تستنسخ منا أفراداً مهجنين لكنهم متجذرون بلبنانيتهم. تلك اللبننة الآتية من وهم، أو لنقل المسحورة بالكلمة. أو ليست فيروز صوتاً وكلمة ولحناً، هي هذا التذكر بما يعنيه لبنان الكلمة بما يرتبط بالشعر العامي، برموزه جوزيف حرب وسعيد عقل وزكي ناصيف ومنصور الرحباني؟ أو ليس لبنان هو هذا التغني به ليل نهار "قطعة سما" لا مثيل لها على أرض الملكوت؟

أقوال جاهزة

شارك غردوما أقصده من الغرباء، الشبان الذين التقي بهم من الفرنسيين والأوروبيين بشكل عام. من لا يقيم وزناً لفيروز خسر رهانه.

شارك غرد أنا الذي أردد دوماً: حبّي لفيروز دائم. أورثه لكل عشاقي. من لا يحب فيروز، فهو في الضرورة لا يحبني أيضًا.

شارك غردكل هذا يصبح حقيقة، رغم سورياليته. أي هذا التغني تورثنا إياه فيروز. ونورثه إلى محيطنا، فرنسيين وعرباً.

شارك غردفيروز تساوي البلد نفسه، والبلد مختصر بفيروز، ولأن لا رابط بين لبناننا والبلاد الباردة التي نحاول أن ننتمي إليها، يمسي صوت فيروز خيطاً خفياً يشد لبنان إلينا.

كل هذا يصبح حقيقة، رغم سورياليته. أي هذا التغني تورثنا إياه فيروز. ونورثه إلى محيطنا، فرنسيين وعرباً. خصوصاً أن الكثير من العرب هنا في فرنسا، يختصرون بلدنا بفيروز والكبة النية. لننسَ الكبة النية. ولنفكر كم أن فيروز بمكانتها الفنية وعراقة صوتها ومجدها الآتي من الكلام والغناء، لا تفكر كشخص، يوماً أنها تتجاوز الثالثة والثمانين سنة. وها هي على هذه العتبة من العمر. تشخصن صورة فيروز في الذاكرة. لا تزال في مسرحيتها "ميس الريم" بأناقة فستانها الأزرق وريشه وقبعتها المفتوحة وأقراط مذهبة في الأذنين، هي فيروز التي بقيت. نتذكرها فقط "زيون" وحبها لجدتها الباقية في ضيعتها كحلون.

لكن أغنية "غربة" تقربنا أكثر من فيروز ومن لبنان معاً: "غربه يا غربة. يا مربى الشوق وقمر الغربة. يا هم جديد انولد بعيد. وإجا ع العيد يضوي الغربة. يا جبال يللي الهوا بشباكك العالي. إنتي وأهلك سوا ايام ع بالي". وها هي في هذه الغربة الشاقة، أيام على بالنا نتهادى بها. نتزحلق عبرها إلى الحاضر. إلى صورتنا عن أنفسنا، كلبنانيين متفرنسين، أو فرنكفون. أو ليست فيروز أيضاً لدى الفرنسيين، مغنية فرنكفونية رغم لبنانيتها؟ هذا بالتأكيد ما نحسه من خلال أحاديثنا عن فيروز مع أصدقاء فرنسيين. يعرفون فيروز. تعيدهم إلى لبنان الذي في بالهم، وتعيدنا إلى لبنان الذي في بالنا.

كأن التباساً يحصل. فيروز تساوي البلد نفسه، والبلد مختصر بفيروز، ولأن لا رابط بين لبناننا والبلاد الباردة التي نحاول أن ننتمي إليها، يمسي صوت فيروز خيطاً خفياً يشد لبنان إلينا. نكتشف أن ما يوصلنا بالوطن الأم، صوتها الشجي. الألحان الآتية من جبال لبنان التي لم تعد تشبه كلمات أغنياتها. لكنها راسخة في ذاكرتنا هكذا. خضراء، وافرة وينابيع نظيفة. ورغم فضيحتنا عالمياً بأن الأوساخ تنتشر في شوارع عاصمتنا، فإن هذا لا يمنعنا من التخفي خلف فيروز. كأن فيروز تحمي صورة وطننا من هذه الحقيقة الفجة والبشعة. على الأقل في رؤوسنا التي نحملها بتثاقل. فيروز إرث الأوهام الذي نحبه ونعتقده ونتشبث به. "شيزوفرينيا" نضع فيها خوفنا من بلد لم يعد يشبهنا ولا نريد أن نحيا به بعد الآن.

هذه التدوينة تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي رصيف22.
صهيب أيوب

كاتب وصحافي لبناني مقيم في فرنسا. عمل في صحيفة "الحياة" اللندنية وأسس مشروع "تعا نكتب" الهادف إلى تعميم الكتابة الإبداعية بين أوساط اليافعين، وينشط في مجال حقوق الإنسان والجندرة.

التعليقات