عن أنفي وأنف فيروز

عن أنفي وأنف فيروز

أفكر أخيرًا في أنفي كثيرًا، أنا التي أهملت التفكير فيه مقابل التفكير في تفاصيل عديدة في جسدي؛ مراحل الوزن الزائد، مؤخرتي التي تحتاج إلى رياضة (أو هكذا علّمتني الميديا)، هل ازداد وزني هذا الأسبوع نصف كيلوغرام أم أحسنت الحفاظ عليه ثابتًا خلال العشرة أيام الأخيرة؟

لا أذكر حياتي منذ أن كنت في السابعة من عمري، بلا هاجس الوزن الزائد. كنت قد تخلصت من هاجس الأسنان بعدما وضعت جسرًا ورتبتها وأصبحت ”كأسنان اللولو“، هكذا قال لي أبي مرّة. المهم، لم يكن لدي الوقت الكافي لأفكر في أنفي، كنت قد تجاهلته.

أوكي، المرة الوحيدة التي فكرت في أنفي بعمق، عندما كان عليّ أن أضع حلقة فيه: ”هل يصلح أنفي الطويل لحلقة عليه مثل الأنوف الجميلة؟“، كان ذلك في العام 2011، مع بداية الثورات، وضعت حلقة على أنفي، سقطت بعد يوميْن، ولم أعيد الحلقة إلى مكانها. خفت أن تقع من جديد.

لكن بعد ذلك، فهمت أن أهم ما في الثورة هو سقوط جدار الخوف، ففي العام 2015، وبعد مسار تغييرات عديدة،  فقدت فيها أيضًا من وزني ”مبلغًا وقدره“... شعرت أن أنفي الآن جاهزًا لأن يستقبل الحلقة الأبديّة. ومنذ ذلك الحين، أحببت الحلقة على أنفي، ولم أحبّ أنفي.

لطالما فضلت أن أتصوّر من الأمام، بمعنى لا أحب ”البروفيل“ الأيسر ولا الأيمن. لربما أحب الأيمن أكثر، لأن يبدو فيه أنفي ”ماشي حاله“. ومع الوقت، تعلمت أن لا أفكر فيه.

لكن منذ فترة قصيرة، عاد أنفي إلى يوميات حياتي، وذلك بعدما التقيت صدفةً بمغني راي جزائري، وأوّل ما قاله لي: ”أنفك جميل“. طلبت منه أن يعيد ما قاله، ظنًا مني بأني لم أفهم لهجته الجزائريّة، أو لأن الكحول عندها قد فعل فعلته!  فأعاد المغني ما قاله مع ابتسامة ”راي“ أصيلة: ”أنفك جميل“. وأنا، صراحةً، "سخسخت".

لم يغازل أحد - ولا حتى أمّي - أنفي قبل تلك الليلة. يعني، كان من الممكن أن يختار المغني شيئًا آخر في جسدي، أو روحي طبعًا ليغازله، لكنه اختار أنفي. هذا لا يعني شيئًا، إلا أن أصدقه وأصدق - وأخيرًا - أن أنفي الطويل جميل.

عندما عادت سيرة أنفي إلى حياتي، وتزامنًا مع ذكرى ميلاد السيدة فيروز، فكرت مرارًا ماذا يمكن أن أكتب في هذا اليوم؟ وصراحة، لم أجد أكثر حميمية من الحديث عن أنفي وأنفها، أنفها الذي عندما اختارت فيروز أن تجري عملية تجميليّة له، اهتزّت الأمةّ العربيّة قليلًا، هكذا علمت من قراءاتي عن القضيّة على الأقل.

لكن، عدا علاقاتنا مع أغانيها وصوتها، من منا لا علاقة لديه مع أنف السيدة فيروز؟ من منا لا يتأمل أي أنف لها في صورة ما قبل مشاركتها؟ من منا لا يرى فيروز ”أجمل“ وجهًا بعد العمليّة؟

صراحة، هو صراع حقير. صراع على الأقل تمرّ به كل امرأة لا تحبّ أنفها، وترغب لو كان أقصر قليلًا، أو بلا ”حردبة“ عند منتصفه، أو "مش هالقد عريض". هذه هي الأفكار الناتجة عما نعتقد - أو ما جعلونا نعتقده - بأنه أكثر جمالًا، وبأن هذه هي معايير الجمال في العالم. بالمناسبة، لم أسمع أغنية واحدة تتغزل بأنف أحد!

طيّب، لنرتب الأفكار قليلًا: أوّلًا، هذا الصّراع لا يعني رجم أو انتقاد من تختار أن تخوض عملية تجميليّة للأنف، أو أي عضو في جسدها غير مرتاحة معه. من حقها أن تختار المسار الذي يساهم بأن ترى نفسها جميلة بعينَيْها، حتى لو كانت بوصلة العين هذه معايير مجتمعية وتجارية واقتصادية، حاضرة في اللا وعي.. ولذلك "طُز" باللا وعي أحيانًا، وطُز هي كلمة تركيّة تعني "ملح".

ثانيًا، الجمال جمال الرّوح.

أقوال جاهزة

شارك غردأفكر أخيرًا في أنفي كثيرًا، أنا التي أهملت التفكير فيه مقابل التفكير في تفاصيل عديدة في جسدي؛ مراحل الوزن الزائد، مؤخرتي التي تحتاج إلى رياضة (أو هكذا علّمتني الميديا)، هل ازداد وزني هذا الأسبوع نصف كيلوغرام؟

شارك غردلكن، عدا علاقاتنا مع أغانيها وصوتها، من منا لا علاقة لديه مع أنف السيدة فيروز؟ من منا لا يتأمل أي أنف لها في صورة ما قبل مشاركتها؟ من منا لا يرى فيروز ”أجمل“ وجهًا بعد العمليّة؟

شارك غردمن حقها أن تختار المسار الذي يساهم بأن ترى نفسها جميلة بعينَيْها، حتى لو كانت بوصلة العين هذه معايير مجتمعية وتجارية واقتصادية، حاضرة في اللا وعي.. ولذلك "طُز" باللا وعي أحيانًا، وطُز هي كلمة تركيّة تعني "ملح".

المهمّ، بالعودة إلى أنفي. وعلى الرّغم من الحديث أعلاه، فإن خطوة فيروز بإجراء عملية تجميل لأنفها، كانت الأقسى على قلبي أو لنقل جعلتني أفكر كثيرًا. بمعنى، هي نموذج مهمّ في الحياة، في حياتي، لها حضور حميميّ على تفاصيل يوميّة؛ من الحبّ إلى الوطن (هذا ليس ترتيب أولويات). لذلك، تأثيرها أكبر، خاصّة أنه لم يؤثر عليّ عدد النساء اللواتي أجرين عمليات تجميل لأنوفهن، لكن فيروز؟ كبيرة هاي...

أعتقد أن التجاهل كان خير خيار للتعامل مع أنفي. خاصة وسط انشغالات جسديّة أخرى، مثل الوزن كما أسلفت أعلاه، وهو حدث أكبر وأكثر وطأة. كما أني لا أنشر صورًا لفيروز عبر صفحتي، اكتفي بالاستماع إلى أغانيها وأحيانًا مشاهدة بعض الأفلام والمسرحيات ومقاطع مصوّرة من الحفلات. وبالعموم، أنا إنسان سمعيّ أكثر مما هو بصريّ. الصّوت أهم من الوجه. حتّى من الممكن أن أقع في غرام رجل من صوته فقط في هذا الزّمن!

أعتقد أني اليوم، تقبّلت أنفي كما هو. هو أنف جاء مع طباعه الخاصّة. سيكون من الغريب أن أبدلّه بأنف جديد، ستُلقى عليّ عندها مهمّة تربيته منذ الصّغر، كي يعتاد أحدنا الآخر. أعتقد في مثل هذا الحال، ستكون مهمّة إنجاب طفل، أسهل بكثير! أوك، هذه مبالغة.

لكني متأكدة إلى حد ما، بأننا مع الوقت، نتعلم أن نتقبل ما فينا، خاصّة ما لا نحبّه؛ في شخصياتنا وأجسادنا. نتحرر من معايير عديدة فُرضت علينا، أخبرونا بأنها ليست جميلة، أو أقل جمالًا، أو أنها تجعل منا نساء ناقصات (أو رجالًا ناقصين). نتعلم أن نخفف القسوة على أنفسنا وعلى أشياء لم نختَرْها بالفعل. نتعلّم أن ما يجعل من أنوفنا جميلة، هو أن نراها جميلة.

بالإضافة إلى كل هذا، لدي سؤال مهم متعلّق بعالم الأنوف: متى توقف البشر عن إلقاء تحية السلام  بعضهم على بعض بواسطة تقبيل الأنوف؟

هذه التدوينة تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي رصيف22.
رشا حلوة

كاتبة وصحافيّة ثقافيّة فلسطينيّة مواليد مدينة عكّا، مقيمة في برلين. حاصلة على بكالوريوس علم الاجتماع وعلوم الإنسان (الأنثروبولوجيا) من جامعة حيفا. تكتب مقالات وتقارير متخصّصة في الثقافة والفنّ، وكذلك الثقافة بمفهومها الأوسع؛ قصص الناس، وطقوس حياتهم وعلاقاتهم، والسفر، وغيرها. حصلت عام 2016 على إقامة صحافة ثقافيّة من 'أكاديميّة العزلة' في مدينة شتوتغارت الألمانيّة. تكتب في مدوّنتها الإلكترونيّة 'زغرودة' منذ عام 2007. محررة قسم "رأي" في رصيف٢٢.

التعليقات