العنف غير المستهجن في السودان، كيف نضع حدًا له؟

العنف غير المستهجن في السودان، كيف نضع حدًا له؟

عندما نتحدث عن العنف يحضر مصطلحان لتعريفه التعمد والأذى. وهنا يقف البعض موقفًا رجعيًا ويبرر العنف حسب درجة الأذي واعتماداً على النوايا ومدى وجود سبب يعزي للصدفة والخطأ عوضاً عن التعمد. لاحظ عزيزي القارئ أن الضرر نسبي وقياسه بمعزل عن الضحية عبثًا وكذلك لا يوجد شيء يقنعني بعدم تعمد العنف عدا غياب العقل وهو مصيبة أفدح.

من المقولات الشائعة، إلى التعامل مع اللصوص و مروراً بالتعليم الأساسي يشكّل العنف مترادفًا للحياة الاجتماعية البسيطة في بلادي. لا يستهجنه أحد، إلا إذا قاد إلى أبواب المستشفيات وحتى عندها قد تجد شافعاً يمنع تدخل القانون ويحل الأمر ودياً، أفكر بحيرة، أي مودة تلك و المعنّف ينزف؟ هذا سؤال لن تجد له أجابة منطقية. فالعاطفة التى تقود للضرب تقود أيضاً للتستر على المجرم. في ظل مجتمع يستند إلى العرف يجلس القضاء القرفصاء وتحكم مجالس الصلح.

عنف أسري منكر وآخر مبرر

لطالما أدهشتني الازدواجية: فضرب الزوجات جريمة كبيرة لا تغتفر ولن تجد امرأة يعلم أهلها أنها تهان وتبقي على تلك الحال، أغلب السيدات يتجملن فلا يبدين سوء أزواجهن أمام الأب والأخ. بينما يمكن لنفس الأب والأخ أن يضربها. وقلما تلجأ المعنفات للقانون أو إلى المنظمات الحقوقية.

وأيضًا يمكنك أن تضرب طفلاً كي تؤدبه! هنا يكون العنف الأسري مرحلة من مراحل تطوّر الإنسان، فكيف سيتعلم الصواب والانضباط؟ بل يمكنك في الأحياء الشعبية أن تضرب ابن الجيران إن وجدته في الطريق وأساء الأدب ثم يحييك الأب، تكون عندها جارًا جيدًا! ثقافة التربية الجماعية هذه تنكمش لأسباب لوجستية، فالناس يسكنون قرب العمل أو في الطابق الأعلى في منزل ذويهم، صار الجار بعيداً لكن الفكرة تقبع بجلال في المخيلة دون مراجعة و حساب. حدثني زميلي منزعجًا أن سيدة هاجت حين صفع ابنها الذي هشم زجاج سيارته، يا لها من "وقحة"، كان ينبغي لها أن تقبّل يده! 

العنف في المدارس

خلال عيد المعلم، لاحظت أنه رمز لحقبة رعب ومشاعر مضطربة، سواء قالوها بجدية أو مازحين، الطلاب يكرهون المعلم. ذلك الشخص الذي يضربهم لأنهم لم يفهموا أو يحفظوا!

يتطوّر الأمر لتعيين شخص من الشرطة في مهنة غريبة، بما ادعوها، أنه قوة السلطة المدرسة، هذا الرجل موجود فقط لتطبيق عقوبات قانون المدير. رجاءً لا تبحث عن وزارة التعليم من البديهي أنها لا تهتم هي من سمحت بتعيينه.
مرة من ألف مرة، يحتج أحد الآباء لأن ابنه وُجد في حالة تحتاج لتدخل طبيب، مرة قد تسحب أم صغيرها من مؤسسة تعليمية خوفاً عليه وغضباً مما أصابه، مرات يصمت الطفل و أهله لا يكترثون.

بابا قاسم وضرب الحبيب 

داخل مؤسسة تعليمية رائدة في تعليم المرأة وعلى يد حفيد الرجل الذي أسسها، وقف قاسم بدري أو "بابا قاسم" وضرب تلميذة واثنتين والله يعلم كم قبلهما وبعدهما. انقلب الفيسبوك رأسًا على عقب في حالة اندهاش وقبل أن يستيقظ الجمهور من الصدمة، داهمتنا حملة الدفاع القوية من طالبات "جامعة الأحفاد" فكما يبدو يحق لبابا قاسم ما لا يحق لغيره!

خرج الرجل باعتذار باهت لن يصدقه عاقل مما أدى لسحب منحة الأمم المتحدة التي تمتعت بها "جامعة الأحفاد" لعقود. خسارة كبيرة لم تهز الرجل ولا طالبات الجامعة، حيث قمن بالاعتذار له عما اعتبر "إساءة لسمعته"، الأمر يشبه المزحة لهزليته.

هذه الحادثة تزيد الأمل وتنقصه في آنٍ واحد، فلو نظرت لحالة الاستنكار العام من متصفحي الإنترنت، ستسعد  وتفكر بأن هؤلاء القوم ينكرون العنف. أما لو التفت ناحية آلـ قاسم والطالبات فالخيبة مدوية. الفتيات هن من شد الرحال إلى القرى للتوعية ضد الختان، ذلك المدير هو من يحرك جهود الجامعة المجتمعية. أي تناقض هذا! 

العنف في الشارع

يسقط من ذهني كثيراً ما يحدث في شوارع الخرطوم الجانبية، في أحياء الضواحي والقرى، كامرأة عاملة أمضي النهار في مكتب مغلق. لكن في زيارة لأي قسم طوارئ في مستشفى حكومي ستجدهم. هذا غرز سكيناً في وجه ذاك، وهؤلاء تراشقوا بالطوب الأحمر وهنالك من شقت شفته ومن ينزف جبينه ومن فقد روحه.

وكما لو كنا في غابة، يحق لك ضرب اللص حتى الموت، بل يحق لك إلقاء جثته في البحر، تحضر هنا الغاية كمبرر ولن يعدك الجموع خاطئًا. في حادثة مرعبة أقدم شبان على القبض علىّ لص ومتحرّش يطوف منازل قريتهم ليلاً ثم اقتادوه لمكان قصي وعذبوه حتى توفي، بعد مضي فترة ليست بالطويلة على حبسهم خرجوا كأبطال. الغايات تفوق أهميتها على الوسائل. ويا ترى ما هدف التصرف؟ هل تخويف باقي اللصوص؟ ألا من المفروض أن يتحقق هذا بقوة القانون!؟

القانون ومنظمات المجتمع المدني 

تمنع وزارة التعليم الضرب، لكن هذا لا يعنى أن هنالك من يراقب، يبلغ أو يحاسب المدارس التي تتخذ العنف جزءًا من العملية التعليمية. خذ على ذلك، المثال على الفرق بين الواقع والقوانين، وهنا يأتي دور المجتمع المدنى للتوعية أوّلًا، ثم لدعم ضحايا العنف ثانياً. حسب ما أرى، فإن التوعية لم تثمر،  لكن ما زالت جهود الدفاع عن المعنفات جديرة بالإشادة.

أقوال جاهزة

شارك غردمن المقولات الشائعة، إلى التعامل مع اللصوص و مروراً بالتعليم الأساسي يشكّل العنف مترادفًا للحياة الاجتماعية البسيطة في بلادي، ولا يستهجنه أحد.

شارك غردخلال عيد المعلم، لاحظت أنه رمز لحقبة رعب ومشاعر مضطربة، سواء قالوها بجدية أو مازحين، الطلاب يكرهون المعلم. ذلك الشخص الذي يضربهم لأنهم لم يفهموا أو يحفظوا!

شارك غردفي زيارة لأي قسم طوارئ في مستشفى حكومي ستجدهم. هذا غرز سكيناً في وجه ذاك، وهؤلاء تراشقوا بالطوب الأحمر وهنالك من شقت شفته ومن ينزف جبينه ومن فقد روحه.

مسؤوليتنا تجاه إيقاف العنف

الآن عزيزي القارئ أينما كُنت، وبغض النظر عن جنسيتك ومكان إقامتك، حاول بجديّة أن تخرج من دائرة العنف، على الأقل، أن يحاول كلّ منا عدم تبريره، بل لنعمل على استنكاره من القريب قبل البعيد. أعترف أحيانًا بأني أصمت، ويؤلمني عجزي.. وإن لم نرفع أصواتنا، لم نستهجن ونستكر من مشاهد عنف متكررة، سنواصل الحفاظ على أدوارنا السلبية إزاء ذلك.

معًا نحو بناء مجتمعات عربية تتخلص من شوائبها والعنف الذي بها، جيل وراء جيل.

إليكم/ن أرقام الاتصال بمركز "سيما للتدريب وحقوق المرأة والطفل" في السودان.

هذه التدوينة تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي رصيف22.
إيمان إدريس

كاتبة و مدونة سودانية عربيّة مهتمة بالشرق الأوسط. حاصلة على درجة الماجستير في التجارة الإلكترونيّة و تعمل في تطوير المواقع الإلكترونيّة . لديها عدة كتب منشورة إلكترونيًا مجاًنا بين القصص القصيرة والمقالات.

التعليقات