هل هناك حدود أخلاقية في الفن المعاصر؟

هل هناك حدود أخلاقية في الفن المعاصر؟

أهلا بكم في مصنع الذنب والدين (Schuldfabrik)!

هذه هي الجملة الافتتاحية للفيديو التشويقي لعرض (Schuldfabrik)، هو عرض مسرحي متحرّك -(التلقي غير تقليدي، العرض عبارة عن رحلة في غرف متعددة في سوق تجاري mall) - قدم  العرض في مهرجان مسرح الشكل في مدينة براونشفايغ ألمانيّة.

ماذا يُقصد بالذنب والدين؟!

في اللغة الألمانية Schuld ترادف المعنيين الذنب والدين، تعني أنك متورط في ذنب وأنك مدين بالتعويض أو الدفع لمن أرتكب في حقه خطأ ما، إن الثقافة المجتمعية الألمانية مشبعة بهذا الشعور ولعل اليمين السياسي الغربي المعادي للتعددية الآن يسعى للتحرر من هذا الشعور ليكتسب مساحات أكبر من الحركة والنفوذ . إذن نحن أمام عرض مسرحي سياسي مثير للجدل باقترابه من ثابت اجتماعي في الثقافة الغربية ما بعد الحرب العالمية الثانية وما بعد الكولونيالية.

صابون بشري

العرض المسرحي هو محاكاة لشركة تقوم بإعادة استخدام الدهون البشرية لتصنيع الصابون، قبل بداية العرض يمكنك أن تجرب هذه الصابونة المصنوعة من دهون بشرية تم التبرع بها من أصحابها بعد قيامهم بعمليات شفط الدهون، مزجت هذه الدهون بزيت الزيتون وعطور طبيعية نسبة الدهون البشرية في هذه الصابونة 20 ٪، عند دخولك الـ Schuldfabrik وأثناء انتظارك لبداية العرض أو رحلتك في هذا المصنع تتقدم إليك فتاة جميلة بمقاييس الجمال الرأسمالي، فتاة الإعلانات تحدثك عن مزايا الصابونة وسعرها وتعرض عليك تجربتها. إن وافقت، تقوم هي بغسل يديك بالصابونة وصب الماء عليهما وتجفيفهما بمنشفة بيضاء ناصعة، تقوم بهذا الفعل بمنتهى الآلية وبكثير من الشغف الذي ستجده عند المدلكين ومقلمات الأظافر، هذا الشغف المرتبط بهذه المهن التي تعنى بجسدنا الحداثي المديني، ولكن أيضًا لا يمكنك الهروب من هذه الصورة الطقسية المسيحية: المسيح يغسل أرجل تلاميذه.

Schuldfabrik_Trailer_2017 from Julian Hetzel on Vimeo.

رحلة الذنب والدين

العرض هو عبارة عن رحلة في عدة غرف كرحلة التطهر، تبدأ بغرفة بها غرف صغيرة مصممة على غرار غرف الاعتراف في الكنائس الكاثوليكية، وهي اللحظة الوحيدة التي يفترق بها الجمهور ونوزع على غرف الاعتراف المتلاصقة ويطلب منا أن نعيد جملاً سمعناها على مسامع الجالس على يسارنا ثم نضيء شمعة ونخرج وتم اصطحابنا لغرفة ثانية، وفيها ممثلة تقوم بدور طبيبة التجميل تشرح لنا كيف يتم امتصاص الدهون/ الشحوم في عمليات التجميل، وكيف تحمست كطبيبة للعمل في هذا المشروع القائم على تحويل الدهون إلى منتج وكيف يتم تحويل هذا الذنب وهو الشحوم إلى منتج ينتفع به المتضررون من الرأسمالية، ثم ننتقل الى غرفة أخرى تمثل غرفة المصنع الذي يتم تحويل فيه الدهون إلى صابون ومعلق على الحائط العقود التي بموجبها تمت الموافقة على استخدام هذه الدهون البشرية وتحويلها إلى صابون، ثم مشهد آخر ندخل فيه إلى قاعة بها جهازان من أجهزة الجمانيزيوم بها شابان بشرتاهما بنيتان وملامحهما شرقية، يقوم أحدهم باللعب على أحد هذه الأجهزة بلا توقف ومع عمله السيزيفي هذا مثبت بالجهاز ختم ويقوم الآخر بطباعة شعار المنتج على حقيبة ورقية (human soap) صابون بشري.

بعد هذه المشاهد، ندخل غرفة خاوية بها موسيقى كلاسيكية ونواجه مجسمًا من رغوة الصابون لننتقل بعد ذلك لمشهدنا الأخير وهو غرفة مقسمة بحائط زجاجي وخلفه ينتظرنا ممثل يقوم بدور مسؤول الدعاية في هذه الشركة يقنعنا بفلسفة هذا المصنع.

فلسفة مصنع الذنب والدين

وصلنا للجزء الأكثر إشكالية وهو فلسفة العرض إلى جانب معلومة أخرى مهمّة، أن كل هذه الرحلة حقيقية، فهناك بالفعل متبرعون بدهون نمت على بطونهم وأردافهم وتخلصوا منها وتبرعوا بها. والصابون الذي تم تداوله في العرض يباع بعد العرض بـ 20 يورو .

هل يجوز التماهي مع آلة الرأسمالية والإرث الكولونيالي (الاستعماري) طوال مرحلة الصناعة الفنية لإنتاج عرض مسرحي ينتقد تلك المنظومة؟ هل من الجائز عدم توخي الصوابية السياسية في عمليات الإنتاج الفني فنقوم بتكريس نفس النمط الذي تنتقده ونريد أن نهدمه؟

الممثل في المشهد الأخير يقوم بعمل presentation، عرض لفلسفة الـ  Schuldfabrik ثم تطبيقات الفلسفة على الواقع.

هذه الفلسفة تقوم على أن الدهون هي ذنب وطاقة مختزنان سنقوم بتحويل الذنب إلى شيء مفيد، ورأسمال يذهب لمساعدة الفقراء في أفريقيا.

محاربة الاستهلاكية ظهرت في فيلم (fight club) نادي القتال (1999)، الذي يستند على رواية لتشاك بولانيك ومقاومة النظام الرأسمالي الذي يتحكم برغباتنا ويقوم بتدويرها في منظومته فنصبح كلنا في دائرة مغلقة، نحن نعمل لنستهلك نحزن فنستهلك ونفرح فلنستهلك، عبودية لا فكاك منها، فجاء fight club أيضًا ليصوغ فلسفة التمرد على النمط الاستهلاكي الرأسمالي ولكن أيضًا بثقافة أكثر عنفًا؛ الإرهاب الفوضوي والتخريب.

ما علاقة فيلم  "نادي القتال" بمسرحية "مصنع الذنب والدين"؟

في أحد مشاهد فيلم "نادي القتال" (1999)، يذهب البطلان لسرقة دهون من صناديق قمامة خاصة في عيادة تجميل وشفط الدهون وصناعة صابون منها ثم يباع هذا الصابون للأثرياء. إذن الفكرة الأساسية للفيلم كفعل مقزز روائي خيالي تم تطبيقه على أرض الواقع، فتم تصنيع الصابون وبناء عرض مسرحي على هذه الفكرة وتطويرها فسيتم تحويل العائد المادي من بيع الصابون ليذهب لأفريقيا إلى قرية في الكونغو لتزويدها بالماء النظيف وسيرسل لهذه القرية صابونة من الدهون البشرية  أيضًا كي يغسلوا أيديهم أو ربما للاستحمام.

بفضل الرأسمالية تحوّلت هذه الفكرة المقاومة الفوّضوية إلى واقع رآه كثير من الحاضرين لهذا العرض من خلفيات متنوعة، كتكريس للرأسمالية والاستهلاكية والتأكيد على منظومة الاستغلال الغربية لأفريقيا في القرن الواحد والعشرين، التي تتحكم بها الآن الشركات الغربية الكونية الضخمة التي تصمم شكل الحياة في ظل الرأسمالية التي تقوم على الإرث الاستعماري. في السنوات الأخيرة فتح النقاش والجدل حول ألمانيا كمستعمر لإفريقيا لعقود طويلة تم التغاضي عن التاريخ الاستعماري لألمانيا في ناميبيا وتنزانيا.

أقوال جاهزة

شارك غرد العرض المسرحي هو محاكاة لشركة تقوم بإعادة استخدام الدهون البشرية لتصنيع الصابون.

شارك غردهذا الشغف المرتبط بهذه المهن التي تعنى بجسدنا الحداثي المديني، ولكن أيضًا لا يمكنك الهروب من هذه الصورة الطقسية المسيحية: المسيح يغسل أرجل تلاميذه.

شارك غردوصلنا للجزء الأكثر إشكالية وهو فلسفة العرض إلى جانب معلومة أخرى مهمّة، أن كل هذه الرحلة حقيقية، فهناك بالفعل متبرعون بدهون نمت على بطونهم وأردافهم وتخلصوا منها وتبرعوا بها.

شارك غردهل يجوز التماهي مع آلة الرأسمالية والإرث الكولونيالي (الاستعماري) طوال مرحلة الصناعة الفنية لإنتاج عرض مسرحي ينتقد تلك المنظومة؟

شارك غردنحن نعمل لنستهلك نحزن فنستهلك ونفرح فلنستهلك، عبودية لا فكاك منها، فجاء fight club أيضًا ليصوغ فلسفة التمرد على النمط الاستهلاكي الرأسمالي ولكن أيضًا بثقافة أكثر عنفًا؛ الإرهاب الفوضوي والتخريب.

شارك غردهناك دومًا جدل حول الفن والصوابية السياسية، هل يجب أن ننتقد الفن مستندين على الصوابية السياسية كمرجعية للنقد والتحليل؟

شارك غردلا يوجد قبول قائم على رضا واعتناق لرسالة العرض ولكن هناك تماهياً مع قسوة الرأسمالية أو الفوقية الأوروبية التي يمتلكها المخرج الأبيض.

الحدود الأخلاقية للفن المعاصر والصوابية السياسية

هناك دومًا جدل حول الفن والصوابية السياسية، هل يجب أن ننتقد الفن مستندين على الصوابية السياسية كمرجعية للنقد والتحليل؟ تتجلى في هذا العرض قمة هذا الجدل، لأن هذا العرض يقدم لينتقد منظومة الذنب المسيحية الأوروبية التي تكرّس التفوق المسيحي وينتقد الشركات العابرة للقارات التي تقوم بعمل أهلي تنموي/ خيري كجزء من سياسة المسؤولية الاجتماعية، ولكن إن ذنب هذه الشركات دومًا هو في حق البيئة والأنسان مضاعف تماًما مثل الأرباح التي يجنونها وينتقد الفاشية والكولونيالية، ولكن بطرح صور للضحايا (صور درامية) تكرس كونهم ضحايا، ولكن أيضاً هو يستخدم نفس المنظومة الرأسمالية لتسهيل كل عمليات إنتاج هذا العرض؛ الممثلون أنفسهم في هذا العرض ليسوا في علاقة ندية مع المضمون، مثلًا الممثلان العراقيان في المشهد الثالث القادمان حديثًا الى ألمانيا هربًا من اضطهاد داعش لأنهما من الأقلية الأزيدية، تقدما للعرض بناء على إعلان يريد أنماطاً لا بشراً بالقبول في أن تكون جزءاً من العرض  يشبه انتهاز فرصة عمل مؤقته فقط لأن هناك مقابلاً مادياً، الفتيات الجميلات الشقراوات أو السمراوات في مدخل الـ(mall) جئنَ من خلال إعلان مماثل.

لا يوجد قبول قائم على رضا واعتناق لرسالة العرض ولكن هناك تماهياً مع قسوة الرأسمالية أو الفوقية الأوروبية التي يمتلكها المخرج الأبيض، وهو ما يقودنا إلى تساؤل مهم حول مدى تقبل الديمقراطية الغربية تشريعيًا ومجتمعيًا لعمل فني كهذا ولكن لا يتبع كل هذا القواعد التي أتبعت إذا تم استخدام الدهون البشرية بدون استئذان أصحابها، إذا تم توزيع الصابون البشري على البرلمانات الأوروبية، إذا قمنا بتلويث واجهات المتاحف والمسارح العريقة بهذا الصابون، بالطبع سوف تجابه هذه الفوضى وسيجرم من يفعل ذلك  ثم تخضع هذه الأفعال للتنظيم  ويتم تأطيرها في منظومة استهلاك الديموقراطية الغربية.

الفن المعاصر تمرد أم نكتة ؟!

مؤخرًا بيعت لوحة بانكسي ومزقت نفسها وامتلأت صفحات السوشايل ميديا بالمقالات التي تحلل هذا الفعل وتعده ليصبح أيقونيًا في الثقافة الشعبية العالمية للقرن الواحد والعشرين من خلال توثيقه وإعادة توظيفه وتدويره من خلال الكوميكس والميمز والنكات الافتراضية التي تنتقل للواقع الحقيقي، وهنا يكمن التساؤل الجوهري حول الفن المعاصر وموقعه من المجتمع. بالطبع اللوحة التي تمزقت تحمل عدة أوجه، الأوّل هو وجه موقف (بانكسي) وغيره من  إزدراء لسوق الفن البرجوازي ومزاداته، وتحمل أيضًا الوجه بأن فن بانكسي لا يقتنى فهو أقوى من السوق نفسه، والوجه الثالث أن بهذا الفعل أيضًا سيتم اقتناء هذه اللوحة ربما بسعر أكبر في المستقبل لأنها أصبحت أيقونة ونكتة عالمية، فبالتالي تم احتواء فعل التمرد مرة أخرى، وهكذا فنحن ندور في حلقة مفرغة من تدوير التمرد والفوضوية (الأفعال الأناركية) في منظومة الرأسمالية العالمية

هذه التدوينة تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي رصيف22.
عادل عبد الوهاب

مخرج مسرحي، كاتب وقيّم فني للمسرح المعاصر وفنون الآداء.

التعليقات