عن "إرهاب" المفتي و"رُهاب" المثليّين جنسيًا

عن "إرهاب" المفتي و"رُهاب" المثليّين جنسيًا

في الحكايات نقطة وصل ونهايات، إلّا أن حكايتنا في العالم العربي مع رُهاب المثلية فواصل متكررة دموية وعنيفة. هذا ما يجعل من سرديات هذه الحكاية وراثة ألم وقتل. وما بينهما من قساوة معنوية وجسدية وتصفية تحوّل حياة المهمشين في مجتمعاتنا الذكورية إلى جحيم. بدءًا من البيت والمدرسة والدكان والحي وعيون الجارات، ووصولاً إلى المحيط العامّ؛ من الشارع كمكان منظور ورقابي، ومرورًا بمشارط سلطة العسكر والشرطة والمخابرات، وسلطة الدين وسلطة الميديا. كل هؤلاء مجتمعين يقفون ضد أن يعيش المثليون والمثليات والمتحولون والمتحولات وعابرو الهويات الجنسية أبسط حقوقهم كأفراد تحت سلطة قانون لا يعترف بهم ويصنفون "خارج الطبيعة"، وهل للطبيعة شكل محدد؟ وهل الطبيعة ضد أبنائها وبناتها؟ وهل الطبيعة تعرف هوية محددة مثبتة؟ هذا ما يحاربه بعض القضاة في لبنان كمثال.

حكايتنا في العالم العربي مع رُهاب المثلية فواصل متكررة دموية وعنيفة

الفصول القاهرة في حياة المثليين والمتحولين وعابري الهويات لا تنتهي في مجال انتهاك أبسط حقوقهم من خلال قوانين مجحفة، بل في تسلط "بطركيات" أبوية ضدهم، تمنح نفسها الحق في تحديد سلوكياتهم وأطرها وقبول ما تفرضه عليهم. تمتد هذه البطركيات وتشتد خطوطها ارتسامًا لتصبح أشبه بمقاصل تقطع الرؤوس وتبرر مسببات قتلهم وملاحقتهم كما في العراق وسوريا والأردن واليمن وبلاد الخليج العربي، وبمسميات وأعراف مجتمعية مذلة، مثلها مثل الثأر والشرف، أو قد توضع في تقارير الطب الجنائي، في خانتهم. أي قتل هذا الشاب دفاعًا عن الشرف. شاب مثلي يقتل بين عشيرته ويبرر القانون قتله، ويغلق ملف التحقيق دفاعًا عما سموه "شرفهم". وهل تتسق المروءة مع القتل؟

الهرب إلى المنافي

هذا الواقع المحزن، وللأسف، دفع بكثيرين من أفراد مجتمع "الميم" إلى ترك بلادهم والعيش في المنافي أو بالخلاص عبر الانتحار، ومن لم يستطع البقاء في غطاء الخوف والتخفي (كما غالبية أفراد هذا المجتمع)، قتلوه أو نحروه وتحت عيون سلطة الدولة وأعيان المجتمع والنخبة وبمساعدة سلطة الإعلام التقليدي، الذي بقي دوره مناطًا بتكريس أحكام مسبقة وأعراف لمننجُ منها رغم أننا في العام 2018. وتكرار شعارات: قيم غربية خارجة عن أعرافنا. كأن المثلية قيمة اجتماعية مستوردة من الخارج، وعليهم تبديدها وتبديد كل من يشكون أنه ينتمي إليها. هذه الهوية المقهورة، لأنها تشكك في ذكوريتهم وتحيلها إلى مظهر لا يحبونه، الرجال خصوصًا. أولئك الذين يجدون في المثلية استضعافًا لصورتهم كرجال، وللنساء الذكوريات اللواتي يرون في المثلية أنها ضدهن.

هذا ما يسمى "التطهير المقبول اجتماعيًا"، وبأشكال مختلفة له، يصار إلى إراقة حيوات شخصية بالقبض على رقاب أصحابها، بالتحريض أقله. وهو أبرز فصول الحياة اليومية للمثليين والمثليات والمتحولين/ات، في تعايشهم مع واقع عنيف، تتبدل حدته بين دولة عربية وأخرى. لكن كلها لا تختلف في قمعها حريات هذه الفئة من المجتمع وتبرير سلطاتها القتل العمد والتشهير والتحريض ضد أفرادها.

ويأتي قتل الطفل العراقي "حمودي" (الذي ظُنّ أنه مثلي الجنس) في هذا السياق. وقد قُتل بلارحمة وهو يصرخ مطالبًا برؤية أمه. القتلة لا أمهات لهم، لذا لا يرون إلّا بعيون مستذئبة ضحاياهم. يقتلونهم بدم بارد لأنهم على علم ودراية أن لا حكم عليهم في بلاد الاستضعاف والمهانات، ولذا يستشرسون في دمويتهم ويتفاخرون تحت عيون الكاميرات، كما فعل الشاب السوري الذي أطلق الرصاص على شقيقته لـ"غسل عاره"، في شريط فيديو، كل هذ اموثق للقتلة، لجحدهم وظلاميتهم.

أقوال جاهزة

شارك غردهل للطبيعة شكل محدد؟ وهل الطبيعة ضد أبنائها وبناتها؟ وهل الطبيعة تعرف هوية محددة مثبتة؟ هذا ما يحاربه بعض القضاة في لبنان كمثال.

شارك غردتمتد هذه البطركيات وتشتد خطوطها ارتسامًا لتصبح أشبه بمقاصل تقطع الرؤوس وتبرر مسببات قتلهم وملاحقتهم كما في العراق وسوريا والأردن واليمن وبلاد الخليج العربي

شارك غردهذا الواقع المحزن، وللأسف، دفع بكثيرين من أفراد مجتمع "الميم" إلى ترك بلادهم والعيش في المنافي أو بالخلاص عبر الانتحار

شارك غردوتكرار شعارات: قيم غربية خارجة عن أعرافنا. كأن المثلية قيمة اجتماعية مستوردة من الخارج،وعليهم تبديدها وتبديد كل من يشكون أنه ينتمي إليها.

شارك غردلم يجد المفتي سوى قضية المثليين ليعيد لصوته النشاز ولوّ ببيان يتيم، متناسيًا كل ما يمر به اللبنانيون من قهر وإذلال من الطبقة السياسية.

المثلية تهدد السلم الأهلي في لبنان

إلا أن واقع لبنان، على اختلاف نمطيته كبلد أكثر انفتاحًا، بتعاطيه مع هذه الفئة فهو ينطوي على التباسات كثيرة. أوّلها أن قلة قليلة من هذه الفئة تعيش "بعضًا" من حرياتها في بعض البارات وأماكن السهر أو مقاهٍ "بديلة"، تستقطبهم في عروض "دراغ كوين" أو تفتح لهم مساحات ولو ضيقة، لكن هذا كما أشرنا متاح لقلة ضئيلة، قادرة ومتحررة. والأفراد أثبتوا قدرتهم على المواجهة بدعم محيطهم.
وربما لأن بيروت لا تزال تحتضن، ولو بالتحايل على سلطات القمع، مؤتمرات صغيرة حول الجندرة والحريات الشخصية وحقوق مجتمع الميم، وتنشط فيها جمعيات تبذل جهودًا، فردية وجمعية، للخروج من هذا النفق المظلم، إلّا أن كل هذا لا يمنع أن يكون للدين صوت أقوى. سلطة رقيب همه الترهيب وإثارة رهاب المثلية وتعنيف هذه الفئة بمسميات يدعمها الإعلام اللبناني، بالصحافة المكتوبة والقنوات التلفزيونية والمواقع الإلكترونية، ويحيط مواقف رجال الدين الكارهة والحاقدة على المثليين بعناية ويرفعها إلى الرأي العام على أنها"جليلة" و"مقدرة".

كما فعل مع بيان مفتي جمهورية لبنان الأسبق، محمد قباني. الرجل المنسي والذي أُطيح به بعد فضيحة تورطه مع نجله في ملفات فساد دعا إلى إلغاء حفلة في مناسبة "هالوين" من قبل نادي"الجندرة والجنسانية" في الجامعة الأميركية، وطالب رؤوساء الجمهورية والحكومة والبرلمان إلى محاكمة المسؤولين لأن "موضوع السهرة مفضوح وهو عار على لبنان واللبنانيين، وينذر بدمار إلهي للبلد". إذًا، وفق رجل دين، فالمثلية ستهدد السلم الأهلي والقومي وستجعل الآلهة ضدنا. مضحك ومسل كلام المفتي على خطورته.

فهو يتحدث من موقف ديني قد يؤثر على رأي عام كامل، ويؤخذ بعض كلامه جديًا لدى فئات سنية في البلد، وسيزيد من التحريض ضد المثليين. الرجل الذي كان مفتي "الحريرية السياسية" في عهدها القوي، ويعد أبرز نماذج ارتباط رجال الدين بسلطة المال والسياسة، لا بل أكثرها خطورة في تبرير مواقفها ومبايعتها وما يتخلل ذلك من فساد وإفساد ورشوة واغتناء. لم يجد المفتي سوى قضية المثليين ليعيد لصوته النشاز ولوّ ببيان يتيم، متناسيًا كل ما يمر به اللبنانيون من قهر وإذلال من الطبقة السياسية. لم نشهد للمفتي أي بيان ضد الغلاء المعيشي أو ضد قتل النساء على أيدي الرجال أو بالوقوف إلى جانب الفقراء ممن سرقتهم الحريرية السياسية وغيرها من الأحزاب التي تتناهش السلطة فيما بينها.

لم يجد المفتي سوى استخدام "إرهابه" الكلامي واللفظي ضد فئة منتهكة حقوقها وملاحقة قانونيًا بمادة في قانون العقوبات (المادة 534) تحظر "إقامة علاقات جنسية مع ما يخالف قوانين الطبيعة ويعاقب مخالفها بالسجن لمدة سنة"، كنا ننتظر من المفتي أن يرفع صوته ضد الظلم والقتل، ومؤازرة هذه الفئة ودعمها كما فعل يومًا ولو بالكلام البابا فرنسيس، أعلى سلطة كاثوليكية في العالم.

هذه التدوينة تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي رصيف22.
صهيب أيوب

كاتب وصحافي لبناني مقيم في فرنسا. عمل في صحيفة "الحياة" اللندنية وأسس مشروع "تعا نكتب" الهادف إلى تعميم الكتابة الإبداعية بين أوساط اليافعين، وينشط في مجال حقوق الإنسان والجندرة.

التعليقات