التّضـامن مع الضّحية: مخاطرة!

التّضـامن مع الضّحية: مخاطرة!

مدون المملكة المتحدة

الصحافي الآمن وظيفيًا هو صحافي السلطة. أن تحمل أيديولوجيا مختلفة فهذا لن يساعد كثيرًا. ما بين سقوط بغداد 2003 وفشل ”ربيع العرب“ 2013، كان الصحافيون والباحثون وصناع الأفلام في الشرق الأوسط، من يحملون وجهات نظر متزنة، وآراء موضوعية، وقد يكونون جزءًا من آلة الحكم، هؤلاء كانوا يهربون الى مربع "صحافي مستقل“. هذا الخيار ليس مسموحًا به اليوم! ليس بعد خاشقجي.
إن حالة خاشقجي لا تُعرّي الطريقة التي تنظر فيها الدولة الفاشلة في الشرق الأوسط للمواطنين، والتي ينتهي معها تمامًا نموذج العقد الاجتماعي قبل أن يبدأ. إنها تفضح دعوات ليبرالية وعلمانية أطلقت ليتفاعل معها المثقفون واسعًا، ليتأكد أنها تخفي تحتها، ليس بعيدًا عن السطح، عقلًا شموليًا عميقًا وجذوريًا. شمولية يمارسها العقل السلفي باسم الاسلام، تماماً مثلما تمارسها السلطات باسم النشيد والعَلم. هناك يكون الصحافي مجرد "قطعة لحم شهي“!

إن حالة خاشقجي تفضح كيف يصبح مجرد التعاطف مع الضحية أمرًا مخيفًا، يحتاج للتوقف.

إن قصّة خاشقجي تفضح كيف يصبح مجرد التعاطف مع الضحية أمرًا مخيفًا، يحتاج للتوقف. الشكر لصحافة مثل "واشنطن بوست" وزملاء جمال فيها، الذين أنقذوا سمعة الصحافيين. فزملاء خاشقجي في الشرق الأوسط تناوبوا على تقطيعه، أو في إجازة لا يستطيعون وصولًا لحساباتهم على تويتر.

لن تحيا كلمات خاشقجي كما يعزي البعض نفسه، ولن تغلق سجون. لن يتوقف بيع السلاح، ولن تتوقف حرب. والحقيقة ليست ما نريده، الحقيقة مصطلح السلطويين والغوغاء، من يملكون أدوات الفعل ”والتسويق“. لن يكون هذا المصطلح وما ينسب اليه متماسكًا صلبًا أو لائقًا، طالما يرتبط دائمًا بمصالح السلطات وطبقات النفوذ، نفوذ المال والسلاح والدين. ليصبح غاية ما يتمناه المثقفون والصحافيون هو ممارسة آمنة للتضامن مع الضعفاء والضحايا. أو لتضامن آمن مع زملائهم الشجعان. إننا أمام مشهدية لا تركز المشكلة في السلطات الجاهلة، بل في تقديس العقل الأمني وممارسة القمع، في قوى محافظة، وأغلبية جاهلة، تتغذى جميعًا من ثقافة شمولية جافة واحدة، تمددت خارج بيئتها بفعل المال و"المقدس"!

إن التفاؤل الذي رافق التحسينات على حقوق المرأة في العام الماضي، لم يبق منه شيء. تلك التصريحات العلنية التي أثيرت في العامين الماضيين من مراكز صنع القرار ودبلوماسيين في منطقة الخليج حول التحول لدولة حديثة بقيم "العلمانية"، تبدو سرابًا في صحراء. ليس بعد خاشقجي! وإلا فكيف لتحولات إيجابية أن ينتج عنها التخلص من أفضل ما لديك؟ هناك مثل مشهور في بلاد الشام: ليس عاقلًا من يبدل غزاله بقرد.

الليبرالية التي تريد القفز عن مركزية الفرد إلى مركزية ”نموذج دبي“، هي ليبرالية تقفز خارج السياق التاريخي لطبيعة القيم الفردانية التي أساسها الفرد، حقه في الحياة والتعبير والانتقال واختيار الهوية والقيم. لا قيمة لعلمانية من غير إنهاء لحالة ”التابعية“ التي لا تزال الدولة الفاشلة في الشرق الأوسط تنظر على أساسها للجمهور. والتي تضاف معها أقلية جديدة الى جانب الأقليات العرقية والدينية والجنسانية المقموعة والمنزوعة الحقوق، إنها أقلية ”المتضامنون مع الضحايا“.

أقوال جاهزة

شارك غردإن حالة خاشقجي لا تُعرّي الطريقة التي تنظر فيها الدولة الفاشلة في الشرق الأوسط للمواطنين، والتي ينتهي معها تمامًا نموذج العقد الاجتماعي قبل أن يبدأ.

شارك غردفزملاء خاشقجي في الشرق الأوسط تناوبوا على تقطيعه، أو في إجازة لا يستطيعون وصولًا لحساباتهم على تويتر.

شارك غردلن تحيا كلمات خاشقجي كما يعزي البعض نفسه، ولن تغلق سجون. لن يتوقف بيع السلاح، ولن تتوقف حرب.

إن أقل ما يمكن أن يقدم لأصحاب الرأي الذين قدموا ثمنًا غاليًا لمقالاتهم، هو إشهار التضامن مع الضحايا والفئات الأقل حظًا، ومع المقموعين مهما كانت نقاط وقوفهم قريبة أو بعيدة من آرائنا. والتمسّك بالآراء المختلفة والخيارات ”الشاذة“ التي ترفضها الأغلبية الجاهلة. إن أبسط ما يمكن رؤيته اليوم هو عودة المختفين قسريًا في الشرق الأوسط لعائلاتهم، جميعًا ولو في إطار ”صفقة“.

في أوقات عصيبة على عائلات الصحافيين والباحثين المختفين قسريًا، تقع على زملائهم مسؤولية كبيرة تجاه المهنة بإبداء كل التضامن مع عائلة خاشقجي.

اتركوا أجزاء جسده حيث هي. لا تجمعوها. هو لا يحب القيد.. ”لا تتمنوا السجن“!
شكرًا جمال... أُرقد في قوة.

هذه التدوينة تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي رصيف22.

أكاديمي، وباحث متخصص في الإعلام، العلمانية، والأقليات - جامعة أيست أنجليا، المملكة المتحدة.

التعليقات