21 قبرًا صغيرًا: الثأر بقوة الدستور الأردني

مدون الأردن

لا أحد يريد أن يقرأ كلمتَيْ موت وأطفال في جملة واحدة، لا أحد توقع أن يقرأها وأن يتصاعد عدد المفقودين والشهداء في ليلة قاتمة لا تشبهها إلا ليلة تفجيرات عمان.

هناك وصفة جاهزة لقتل الأطفال، أسهل من الحرب وأقسى من حوادث السير، أرسل 37 طفلًا في رحلة مدرسية إلى أحد الوديان المعروفة بسيولها القوية، اختر اليوم الذي حذرت فيه دائرة الأرصاد الجوية من الأمطار الغزيرة وخطر تشكل السيول، أطلقهم في الوادي وانتظر من يعود منهم. راقب حينذاك انغلاق الطرق وانهيارات الجسور وتهالك البنية التحتية، ضع كل المعوقات في وجه عملية الإنقاذ، وبعد اكتمال الكارثة، قل الكلمة السحرية: الأعمار بيد الله.

ضع كل المعوقات في وجه عملية الإنقاذ، وبعد اكتمال الكارثة، قل الكلمة السحرية : الأعمار بيد الله.

واحد وعشرون قبرًا جديدًا فُتحت، معظمها صغير الحجم، واحد وعشرون جرحًا غائرًا في وجه هذا البلد الذي يتحمل أهله كل تبعات الإهمال الحكومي من سوء إدارة وهدر وفساد وتردي خدمات، لكن هذه المرة تبدو نتيجة الإهمال فوق الاحتمال.

في قرار متوقع، شكّل رئيس الوزراء د. عمر الرزاز لجنة حكومية لتقديم "تقرير شامل للوقوف على حيثيات الحادثة". اللجنة أثارت موجة أخرى من السخط لاستثنائها كل الجهات غير الحكومية، كالمجتمع المدني والنقابات والأحزاب، فصرّحت نقابة المقاولين أنها لن تسكت إزاء هذا التجاهل، وصرحت نقابة المهندسين أنها سترسل لجنة فنية خاصة بها لتكتب تقريرها.

هذا أولًا، أما ثانيًا والأسوأ فقد ضمت اللجنة كل الوزراء المشتبه في تقصيرهم، فإلى جانب كل من وزراء العدل، والداخلية، والإعلام، والدولة للشؤون القانونية، ضمت اللجنة وزراء التربية والتعليم، والصحة، والشؤون البلدية، والسياحة، والأشغال العامة. بمعنى أن المسؤولين عن حالة الطرق، وعن الموافقة على الرحلة، وعن تأهيل الأماكن للرحلات، وعن السلامة العامة سيقررون فيما بينهم من هو المذنب.
البحث جار عن أكثر من كبش فداء، أهم المرشحين لتشارك المسؤولية هم: الوزارات المذكورة سابقًا، المدرسة، نواب المنطقة التي سمحت للباصين بالمرور، شركة سفاري الأردن التي تعاونت لتنظيم الرحلة.

الوزراء لم يستطيعوا صبرًا مع اللجنة لانتظار أن تأتي تبرئتهم  رسمياً على شكل نتائج تحقيق، فبعد تشكيل اللجنة بساعات شاهدنا الأخبار المستعجلة التالية:
صرح وزير الدولة للشؤون القانونية أن المنطقة المنكوبة ليست مخصصة للنزهة وليست "للسياحة".
صرح وزير التربية والتعليم أن المسؤولية تقع على عاتق المدرسة مبرئًا الوزارة من كل مسؤولية.
صرح وزير الأشغال أن الطريق والجسر المنهار مغلقان منذ عام وأن وزارته لا تتحمل أية مسؤولية.
وصرح وزير البلديات باسم نصف اللجنة أن وزارات الأشغال والبلديات والصحة غير مسؤولة.

أما المشهد الحكومي المؤسف حقًا فهو اختباء جميع المسؤولين خلف مهنية مؤسسة الدفاع المدني، التي يبدو أنها الجهة الوحيدة التي تعرف ما الذي تفعله، لكن حتى هذه المؤسسة لن تستطيع إنقاذ المسؤولين إذا قامت السلطة التشريعية بواجبها الدستوري والوطني.

لدينا لجنة حكومية تحقق، لجنة نقابية تحقق، ونيابة عامة تحقق، الكل يحقق، والكل يعمل على حدة، لكن الطرف الحقيقي المطلوب منه التدخل فعلًا لم يحرك ساكنًا بعد.

أقوال جاهزة

شارك غردهناك وصفة جاهزة لقتل الأطفال، أسهل من الحرب وأقسى من حوادث السير، أرسل 37 طفلًا في رحلة مدرسية إلى أحد الوديان المعروفة بسيولها القوية.

شارك غرد بمعنى أن المسؤولين عن حالة الطرق، وعن الموافقة على الرحلة، وعن تأهيل الأماكن للرحلات، وعن السلامة العامة سيقررون فيما بينهم من هو المذنب.

شارك غردلدينا لجنة حكومية تحقق، لجنة نقابية تحقق، ونيابة عامة تحقق، الكل يحقق، والكل يعمل على حدة، لكن الطرف الحقيقي المطلوب منه التدخل فعلًا لم يحرك ساكنًا بعد.

شارك غردلا دية ولا غفران في دم الأطفال، نريد الثأر ونريده بقوة الدستور. أين القضاء من كل هذا الخراب؟

بالرجوع إلى الدستور الأردني نقرأ البنود التالية:

المادة 55
يحاكم الوزراء على ما ينسب إليهم من جرائم ناتجة عن تأدية وظائفهم أمام المحاكم النظامية المختصة في العاصمة، وفقاً لأحكام القانون.

المادة 56
لمجلس النواب حق إحالة الوزراء إلى النيابة العامة مع إبداء الأسباب المبررة لذلك ولا يصدر قرار الإحالة إلا بأغلبية الأعضاء الذين يتألف منهم مجلس النواب.

المادة 57
يوقف عن العمل الوزير الذي تتهمه النيابة العامة إثر صدور قرار الإحالة عن مجلس النواب ولا تمنع استقالته من إقامة الدعوى عليه أو الاستمرار في محاكمته.

فهل يستطيع مجلس النواب بمقاوليه الكبار ومعداته الثقيلة أن يخاطر بعطاءاته المليونية ويجمع الأغلبية المطلوبة لإحالة الوزراء للمحاكمة، أم يترك مهمة محاكمة الوزراء لهم؟
هذه المرة لن تستطيع الدولة أن تلوم الإرهاب ولا المؤامرة الخارجية ولا انقطاع الدعم ولا حتى القضاء والقدر.

لدينا قضاء نثق بنزاهته، نريد أن نشاهد وزراء أمامه لا فوقه، يحاكمون ولا يستقيلون وينالون تعويضات سخية، نريد محاكمات علنية متاحة للإعلام لمن راكموا هذا الإهمال القاتل من الحكومة الحالية والحكومات السابقة، وأن نشاهد حق الأطفال الغرقى يعود بقوة بأحكام القضاء لا بلجان تحقيق حكومية.

لا دية ولا غفران في دم الأطفال، نريد الثأر ونريده بقوة الدستور.
أين القضاء من كل هذا الخراب؟

هذه التدوينة تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي رصيف22.
جمانة مصطفى

شاعرة، صدر لها 4 مجموعات، تعمل في الصحافة المرئيّة والمكتوبة، وتدير مهرجانًا بعنوان "خان الفنون"، يقام في العاصمة الأردنية عمّان.

التعليقات