"كفرناحوم" لنادين لبكي: دلالات غير مفهومة للفيلم

"كفرناحوم" لنادين لبكي: دلالات غير مفهومة للفيلم

مدون سوريا
شاهدتُ فيلم "كفرناحوم" للمخرجة نادين لبكي في سينما ميليس وسط مدينة غرونوبل، تزامنًا مع نزول الفيلم للعرض الجماهيري بدور السينما الفرنسية في عموم الجمهورية. معنى كلمة " كفرناحوم " هو الجحيم أو الخراب كما أشارت مخرجة العمل لذلك في إحدى المقابلات على هامش عرض الفيلم.
اعتمدت لبكي في المونتاج على طريقة عرض لحظة ما قبل النهاية في البداية (النتيجة) وبعملية فلاش باك تمتد زمن الفيلم (السبب)، مع الرجوع للنتيجة في النهاية وذلك في إيقاع متناغم. المعالجة على طريقة (النتيجة - السبب) ومن ثم الحلّ والتي بني عليها الفيلم، ذكرتني بفيلم "المليونير المتشرد" لداني بويل، أتحدث عن فلسفة مونتاجية بحتة.
إن لم يبحث الفيلم هنا في جزئية التهميش، أساسية الطرح، فعمَّ يبحث؟

وبالنسبة للسنماتوغرافيا، سنلاحظ تقاربًا كبيرًا أيضًا مع الفيلم المذكور أعلاه (بدايةً باللقطة العلوية القائمة على الحيّ ثم الأطفال النيام، حيوية وحرية الحركة الأفقية والمائلة بعض الأحيان في حي الصفيح، مشاهد عمالة الأطفال). ولم يخلُ الأمر أخيرًا من رقصة على الطريقة الهندية! لذا بدت معالجة لبكي السينمائية مرتبكة وفي حيرة بين اتباع فلسفة الواقعية الإيطالية الجديدة واتباع وصفة داني بويل للتعامل مع أحياء الصفيح الهندية الفقيرة.

لكن ما أود قوله في هذه الجزئية هنا، هو ظهور الواقعية الإيطالية الجديدة كان حاجة واحتجاجًا على مستوى الشكل والمضمون والأسلوب وذلك في وقتها ومكانها وبالتالي سياقها وهذا يؤدي بديهيًا إلى أصالتها. إن فيلم "كفرناحوم"، الذي استعار فلسفة سينماتوغرافية حارة وحيّة، نفعت مع المتشرد الهندي لأنها أصيلة وناجعة هناك في سياقها الذي لا يشبه كفرناحوم، واستعار تعاليم الواقعية الإيطالية التي لا تتقاطع مع فلسفة داني بويل لا بل تعاكسها فكريًا، وهنا المشكلة؛ التقطيع الحاد والسريع ينافي الحس الواقعي.

الموجة الواقعية الإيطالية الجديدة

ما هي الموجة الواقعية الإيطالية الجديدة؟ هي حركة سينمائية راهنت أنّها قادرة على أن تقدّم فنًّا يُمثّل الحقيقة من دون ابتذال أو مباشرة، فنًّا يحمل قضايا الإنسان ومكابدته للعيش تحت ظل الفقر والظلم. بالإضافة إلى "رصد وتتبّع الشخصية في كل خطوط سيرها وأفعالها من دون إعطاء حلول مستمرة"، هذه واحدة من أهم نظريات الواقعية الجديدة في إيطاليا زمن الحرب العالمية الثانية وما تلاها، أي بين الأعوام 1942 و1961، وضعها الناقد الإيطالي "زافياتنين" مع مخرج "سارقو الدرّاجة" دو سيكا.
كما أن مواقع التصوير غير الجاهزة (المُهيّأة): الشوارع والأسواق وأحياء الصفيح الفقيرة المكتظة بالسكان. الممثلون غير المحترفين، ذلك الذي يسمح بمساحة أكبر للارتجال وأقرب إلى الإيحاء الواقعي. كما تأتي المقولات الكبرى على لسان الأطفال كشهود على حاضرهم وكناية عن أقرب جزء ملموس من الغد. بالإضافة إلى الحوارات الشوارعية الحقيقية (الشتائم مثلاً).
من رواد هذه الموجة كان كل من؛ "دي سيكا" و "روسيليني" و "فيسكونتي" هم الذين تأثّروا بمُخرج الواقعية ،السوفياتي "دزيكي فيرتوف" ومن فرنسا "كارينيه" و"رينوار". والجدير بالذكر أنّ انطباعات الحكومة الايطالية بعد الحرب حول أفلام الموجة الواقعية لم تكن إيجابيةً. هذا ما حدا "جوليو أندرو تي" الذي صار فيما بعد نائب وزير في حكومة "دي كسابري" على أن يقول عن أفلام الواقعية الجديدة أنّها: " غسيل قذر ،لا يجب غسله ونشره لكي يجف في العراء".

ملاحظات مهمّة

يقول "فيسكونتي": "خلاصة الواقعية هي تقديم فيلم يحكي حكاية، دون إعطاء أي انطباع بأن هناك أحدًا يحكي الحكاية ". ويقول "بيلا بالاش" في كتاب "نظرية الفيلم": الشكليون هم أولئك الذين يعتبرون السينما وسيطًا للمعالجة الفنيّة، فالمخرج يجب عليه أن يستخدم كل وسائل التعبير المتاحة في فن السينما، لكي يتجاوز ضبابية الواقع المشوّشة (فوضى الواقع)، لكي يستطيع إيجاد الشكل السينمائي النقي (إظهار الحقيقة). ويقول "روسيليني" في كتاب "الواقعية والسينما": "الواقعية استجابة للحاجة الحقيقية لرؤية الناس على طبيعتهم بنوع من الشفافية".

ما هي دلالة الفيلم؟

كل هذا يساعد في تحليل وتفكيك المعالجة السينمائية التي عملت عليها لبكي ليصار إلى الإمساك بالبناء الدرامي الذي اتبعته، لكن بالعودة للحكاية، هناك سؤال أساسي لم يجب عليه الفيلم، في حين أنه اعتمد الإجابة الغائبة ليقول الفيلم: "ما هي جنسية زين؟" عمره 12 عامًا تقريبًا ويتحدث اللهجة اللبنانية ويحاول في إحدى لقطات الفيلم أن يتحدث بلهجة سورية ولا يملك والداه أوراقًا قانونية له ولهما: لماذا؟ إن لم يكن سوريًا ولا لبنانيًا فماذا؟

بتأويل سريع وحذر وفقًا لتحليل العائلة على مستوى المضمون والشكل، يتراءى لي (النوّر أو القرباط)، وبالتالي ما دلالة هذا في الفيلم؟ على من يحمل عديم النسب في حالة كفرناحوم؟ الحبكة في الفيلم هي غياب الأوراق وفي عدة مفاصل، لكن ما هو سبب الغياب؟ إن لم يبحث الفيلم هنا في جزئية التهميش، أساسية الطرح، فعمَّ يبحث؟ ما الغاية من مواجهة أشعة الشمس للعدسة التي فصلت الشخصية الرئيسية (زين) عن محيطه؟ ما الغاية الفنية والجمالية التي تضرب بها فكرة أساسية في كفرناحوم (شخصية واقعية نتيجة لمجتمعها)؟ لم تقدّم الواقعية الإيطالية ولم تُحِل إلى أي بعد أسطوري لشخصياتها، ببساطة لأن ذلك يقتلها.
في الوصول إلى الحل، على طريقة النهاية الهوليودية السعيدة: بتسارع ملفت، مجموعة من الأحداث المتتالية سببيًا (العلاقة السببية) غير المبررة (الصُدفية) في الصيرورة العامة للفيلم، تنتهي بتحميل المقولات الكبرى الخطابية المباشرة على لسان زين (الطفل). وهي: وصول الشخصية المنقذة (المحامية) (نادين لبكي – مخرجة الفيلم)، من ثم استعادة الرضيع إلى أمّه (في السجن)، إلى القبض على خلايا الاتجار والتهريب بالبشر، من ثم تحميل كل مشاكل كفرناحوم كمكان دلالي إلى الفقر كمسبب أساسي، ونهاية ظهور الإعلام والدولة والكنيسة بمظهر المنقذ. لكن ما دلالة قدوم الرهبان للسجن والغناء بطريقة كاريكاتورية؟ ما دلالة الفتاة الشقراء التي جاءت بالرضيع يوناس الأسمر للسجن، والتي احتل شعرها الأشقر نصف الإطار مع ابتسامة عريضة؟ بدا لي كل ذلك فجًا!
أقوال جاهزة

شارك غرداعتمدت لبكي في المونتاج على طريقة عرض لحظة ما قبل النهاية في البداية (النتيجة) وبعملية فلاش باك تمتد زمن الفيلم (السبب)، مع الرجوع للنتيجة في النهاية وذلك في إيقاع متناغم. 

شارك غرد"ما هي جنسية زين؟" عمره 12 عامًا تقريبًا ويتحدث اللهجة اللبنانية ويحاول في إحدى لقطات الفيلم أن يتحدث بلهجة سورية ولا يملك والداه أوراقًا قانونية له ولهما: لماذا؟ إن لم يكن سوريًا ولا لبنانيًا فماذا؟

شارك غردبتأويل سريع وحذر وفقًا لتحليل العائلة على مستوى المضمون والشكل، يتراءى لي (النوّر أو القرباط)، وبالتالي ما دلالة هذا في الفيلم؟

تبقى الإشارة إلى أنّ الطفل زين قدّم أداءً احترافيًا شديد الحساسيّة وذلك يعود بطبيعة الحال إلى إدارة الممثلين التي تتميز بها لبكي وكونه عانى من أحوال مشابهة في الواقع فبدا ذلك حيًّا جدًا.
يُذكر أنّ فيلم "كفرناحوم" قد حصل على عدة جوائز حتى الآن منها جائزة لجنة التحكيم في مهرجان كان السينمائي بفرنسا والجائزة الكبرى لمهرجان أنطاليا. وهو من إنتاج مشترك بين لبنان وفرنسا وقد اشتركت عدة مؤسسات وصناديق دعم لتمويله، منها معهد الدوحة للأفلام ومجموعة ART، مدته ساعتان وثلاث دقائق، وهو الفيلم الثالث لمخرجته بعد "كاراميل" و"هلأ لوين" وهو مرشح لجائزة الأوسكار لأفضل فيلم أجنبي غير أميركي ويمثل لبنان في استحقاق الأكاديمية.

هذه التدوينة تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي رصيف22.
أحمد الحاج

مبرمج ثقافي، صحفي وسينمائي من سوريا.

التعليقات