جمال خاشقجي... صداقةٌ جميلة انتهت قبل الأوان بكثير

جمال خاشقجي... صداقةٌ جميلة انتهت قبل الأوان بكثير

قبل ستة أشهرٍ، جمعني بجمال خاشقجي صديقٌ عربيٌّ أمريكي عمل مستشاراً اقتصادياً لعددٍ من الحكومات الخليجية وبنى صداقاتٍ مع النافذين في كواليس السياسةِ الأمريكية-العربية في مطعم "فيغ أند أوليف" في العاصمة الأمريكية واشنطن.

كنتُ حائراً. كان جمال يبدي إعجابَه بمقالات رصيف22 منذ فترةٍ طويلة. كان يغّرد مواضيعَ لم نتوقع أن يغرّدَها صحافيٌّ يوصف بأنه من الإخوان المسلمين حيناً وبأنه مقرّبٌ من النظام السعودي حيناً آخر.

قبل اللقاء، كنّا قد بنينا علاقةَ تواصلٍ عبر التغريدات، وربطتنا علاقةُ احترامٍ متبادل لمواقفنا، ونظرنا إلى اختلافنا في الرأي حول مسائلَ كثيرةٍ على أنه أمرٌ طبيعي. وحين تم اللقاء بجمال، كان لقاءً مع أكبر "نجم" يحبّ الموقعَ ويدعمُه بشكلٍ كبير. وبما أن فلسفةَ الموقع مبنيّةٌ على إظهار الرأيّ والرأيِّ الآخر، كنت مدركاً أنه لا بد لي من أن أنشرَ أيةَ مادةٍ يقدمّها لنا "صديقي الجديد".

جمال أنيقٌ ولطيف، يتكلّم بلهجة عربية رائعة جدّا قريبة من الفصحى. كانت تبدو عليه ملامحُ الغربةِ التي أعرفُها جيداً.

كان يجمّع أجزاءَ حياته الجديدة في واشنطن. من صحافيٍّ نافذٍ مطّلعٍ على تفاصيل الحكم وعوالم الاستخباراتِ والأمن والسياسةِ الداخلية والخارجية والأحوال المعيشية في بلاده، انتقل جمال ليصير رجلاً عادياً في ضواحي العاصمة الأمريكية المسبّبةِ للكآبة لأيّ دخيلٍ عليها. كان قد بدأ بكتابة مقالٍ أسبوعيّ في صحيفة "واشنطن بوست".

التقينا على مائدة العشاء. دار الحوارُ حول حرية التعبير في العالم العربي، والخطوط الحمراء وما الممكنُ القيام به لتغيير واقع الصحافة التابعة الذي يطغى على الساحة العربية ويهمّشُ دورَ وسائل الإعلام، خاصةً أن الناسَ لم تعد ساذجة، ما جعل جلّ المواطنين يهجرون الإعلامَ الرسمي ويبحثون عن إعلامٍ بديل أو حتى يبتعدون عن الإعلام تاركين الشأن العام للحاكم ومن يدور في فلكه.

استمع جمال باهتمامٍ كبيرٍ عندما تحدثتُ عن القارئ العربي والمواضيع التي تجذبه، وعن شبكة مراسلي الموقع، لا سيما الموقوفين منهم بسبب ما كتبوه، وعن الاستراتيجية التي نعتمدُها لتجاوزِ "الخطوط الحمراء" دون أن نتعرّضَ للحجب.

قلت له إن رصيف22 يسعى للوصول إلى كل عربيٍّ يطمح إلى حياة أفضل، لكل عربيٍّ يريد أكثرَ من المُتاح له اليوم، لكل عربيٍّ يحلم بوطنٍ يأويه ليرمي الغرين كارد في وجه ضابطِ الهجرةِ الأمريكي. ابتسمنا، نحن عربُ أمريكا في عهد دونالد ترامب الذي لا يختلف عن جلّادينا بشيءٍ سوى بأن للقانون سلطةً عليه تقيّد جموحَه.

بعد تقاسم الخبزِ والملحِ وبضعةِ نكاتٍ "شامية"، اتفقنا على التواصل في اليوم التالي لنتفقَ على صيغة تعاون. وبالفعل، تبادلنا رسائل واتفقنا على أن يكتبَ جمال لرصيف22 مقالاً كلَّ أسبوعين.

لا أخفي أنني كنتُ حذراً مما سيقدّمه لنا، وهو أيضاً كان يعلمُ أن مساهمَته مع رصيف22 قد تكون مكلفةً لنا وله. كيف لي أن أرفضَ موضوعاً قد يكون هجومياً ضدَّ بعض الشخصياتِ وأنا أرفعُ عن قناعة شعارَ أن الموقعَ متاحٌ لكل رأيٍّ وأنه حيادي؟

أخبرتُ المحررَ السياسيَّ للموقع حسن عبّاس بهواجسي. كان بدوره متخوفاً ممّا سيقدمه لنا جمال وكيف له أن يحرّره ليتناسبَ مع سياسة الموقعِ التحريرية القائمةِ على تجاوز "الخطوط الحمراء" مع الحرص على الابتعاد عن الاصطفافات السياسية الإقليمية.

لكنّ الحلَّ لكلِّ هذه التخوّفات كان بسيطاً. شاركْنا جمالَ بها بصراحة وطلبنا منه أن يراعيَ سياستَنا القائمةَ على عدم الاصطفاف مع طرفٍ في الأزمة الخليجية وهو ما لاقاه بتفهّمٍ كبير. بعد ذلك، تطورت علاقتنا به وصار يطرحُ علينا أفكاراً جديدة لقسم الثقافة والحياة، كما عرّفنا على صحافيين أحبَّ أن ينضمّوا إلى عائلة رصيف22.

"ضربة المعلّم"

في أول مقال له في رصيف22، طالبَ جمال الإخوانَ المسلمين باعتزال السياسة. كتب: "قد لا يدرك الإخوانُ المسلمون أنهم انتصروا وحان الوقتُ لأن يتخلوا عن تنظيمِهم الذي بات يؤرّقُ بعضَ قادة المنطقة. لقد بات ‘الإسلامُ السياسي’ اختياراً شعبياً لشريحةٍ معتبرة من أي مجتمع مسلم، ولا يحول بينه وبين الحكم أو المشاركة فيه إلا توفر الديمقراطية، بالتالي ليتهم يرفعون شعارَ ‘الديمقراطية هي الحل’ مثلما رفعوا يوماً شعارَ ‘الإسلام هو الحل’".

في ذلك المقال، سلّم الأمانة. أعلن تقديرَه للحركة الإسلامية ولتاريخها لكنه في المقابل أعلن أن الدينَ لا يتماشى مع السياسة، وهي فكرةٌ تشكّل أحدَ أركان "فلسفة" رصيف22. قال بشكلٍ صريح إن الديمقراطيةَ لا الإيديولوجياتِ هي أساسُ الحكم الجيّد.

لاقى المقالُ تفاعلاً واسعاً، حسبما قال جمال لصديقةٍ مشترَكة اتصلتُ بها بعد مقتله لنخففَ عن بعضنا وقعَ الفاجعة. قالت لي إن جمال كانت تصله رسائلُ امتنانٍ وشكرٍ وتشجيع على الاستمرار في الكتابة لرصيف22.

لكن الاكتئابَ كان ينال منه دوماً. راسلني يوماً قائلاً: "أحتاج هذه الأيامَ إلى التحفيز لأنني أشعرُ بإحباطٍ شديد". عرض جمالُ علينا أفكاراً عدّة، منها أفكارٌ بعيدةٌ عن السياسة، مثل اقتراحه أن نكتب قصةً عن الجُمل التي أدخلتها المسرحياتُ المصرية الشهيرة إلى أحاديثنا اليومية، كـ"اتوكلي على الله واشتغلي رقاصة". عبّر اقتراحُه المذكور عن كثيرٍ مما يُقلق جمال، الصحافيُّ الكبير الذي وجد أن دورَه صار مهمشاً وصار يعتمد في معيشته على "قليلٍ من المال أحصلُ عليه مما أكتب"، كما قال لي في رسالة.

العودة إلى الإصلاح

في ثاني مقالاته في رصيف22، بدأ بالقول: "يقودُ ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان جملةً من الإصلاحات الجذريةِ التي ستغيّر وجهَ وعاداتِ المجتمع السعودي... باختصار، إنه يُخرج السعوديةَ والسعوديين من التزمّت الديني الذي انعكس على الحياة اليومية والمجتمع والفن وينقلهم إلى الدنيا المعاصرة بسعتِها ومتعِها".

أثنى جمال بشكلٍ خاصّ على جهود إصلاح سوق العمل الذي كان على رأس اهتماماته، فهو برأيه إصلاحٌ ضروريٌّ لتوفير مستقبلٍ زاهر للسعوديين.

لأن جمالَ كان يعيش في عالم كبارِ رجال الأعمال والميسورين، كان يفهم الاقتصادَ السعودي أكثر من أيِّ صحافيٍّ سعودي آخر. كان شديدَ الانتقاد لظاهرة "التستّر" وهي أن يؤجّرَ السعودي اسمَه وما تمنحه إياه جنسيتُه من ميزاتٍ لأجنبي لا يسمح له النظامُ بالعمل في التجارة، مقابلَ مبلغٍ مقطوعٍ من المال.

كان جمال يرى أن التستّرَ واقتصادَ الريع في السعودية لا يمكن أن يستمرّا. كتب: "إصلاحُ أساس الاقتصاد السعودي وتوفيرُ الوظائف لمجتمع جلُّه من الشباب... هو البدايةُ للنهضةِ السعوديةِ الحقيقية التي يجب أن تبدأَ من وسط الأحياءِ الفقيرة"، مساجلاً بكل شجاعةٍ رؤيةَ 2030.

السعودي الحائر أمام عالم الفن

حول سياساتِ السعوديةِ للانفتاح على الفن، كتب جمال: "القضيةُ التي يجب أن تهمَّنا كسعوديين الآن، هي شفافيةُ الإنفاق الجاري على صناعة الترفيه، إذ لا يجوز أن تتوقفَ الدولةُ عن دعم السلع الأساسية بينما تدعم الترفيهَ، فالمجتمع (لنقل بعضه) لا يحتاج إلى مَن يُقنعه بالترفيه، إنه متلهفٌ عليه، وعادة تدعم الدول الثقافةَ لا الترفيه. لننتظر ونرى. ربما هي مرحلةٌ ريثما تستقر صناعةُ الترفيه، ثم تترك للقطاع الخاص دون مزيدٍ من الهدر، ولنتذكّر أن التمتعَ بالحياة يستلزم أيضاً الاستقرارَ والعدل".

هنا نرى مجدداً أن جمالَ مشغولٌ بفكرة تحقيق العدل ومدركٌ أن دولة بلا عدلٍ ليست إلا دكتاتوريةً فاشلةً تخاف من التعددية والمستقبل، كما كان حالُ السعودية منتصفَ الثمانينيات، "حين ازداد منعُ ‘متعِ الحياة’ عن السعوديين، مع سماح الدولةِ للمؤسسة الدينية بفرض وصايتِها الصارمةِ على المجتمع، فاحتُكرت الفتوى وحُرّمت قائمةٌ لا تنتهي مما يفعله السعوديون يومياً، وتعدّى الأمرُ ذلك إلى تمكين هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهي الذراعُ الميدانيُّ لهيئة كبار العلماء، لفرض تلك الفتاوي بالقوة والتهديد على المجتمع".

جمال في أوسلو

منتدى أوسلو للحريات، أهمُّ منتدىً للصحافيين المعنيين بالحرية وحقوق الإنسان هو حدثٌ يُدعى إليه مهتمون بالحرية وأشخاصٌ عانوا من القمع والظلم والتهميش.

سبقتُ جمالَ إلى المشاركة في المنتدى بدعوةٍ من مؤسسه النروجي، بعامٍ واحد. كان لقاءً على ثلاثة أيام، التواجدُ العربي فيه رمزيٌّ وضعيف مقارنةً مع الشقاء الذي نعيشُه في دولنا الـ22.

كلّمني جمالُ من أوسلو، وكنت من كلامه أتخيّل البريقَ في عينيه. لم أذهب هذا العامَ لأن توقيتَ المنتدى تضاربَ مع موعد تخرّج ابنتي من الجامعة، لكنني متأكدٌ من أن جمال الذي حضر كصحافي وليس كناشط، كان من النجوم الحاضرين. كانت منال الشريف أحدَ نجوم المنتدى الذي سبقَه وصفّق لها الحاضرون بشدّة وهي تروي قصةَ نضالها في السعودية.

كتب جمال مدهوشاً: "في العاصمة النرويجية، حضرتُ منتدى أوسلو للحرية، منتدى يودي بك إلى السجن إنْ كنتَ قادماً من عالمنا، وعائداً إليه، فهو يحتفي بالمعارضة والاحتجاجات والحريات وحقوق الإنسان. هنا يصفقون للمعارض، ويقفون له احتراماً وتضامناً، كلما كانت قصتُه أكثرَ إيلاماً وأبلغَ وقعاً".

وأضاف: "حضرتُ المنتدى، كصحافيٍّ، وليس كناشط، إذ أريد أن أحافظَ على هويتي الأولى التي أفخرُ بها، ‘صحافي’ ينقل ما يرى ويعبّر بمقالاته عما يعتقدُ به، ولا أعيب على الناشطين نشاطَهم، فهذا حقُّهم ولولا غاندي ومانديلا ومن قبلهم أصحابُ كل رسالة لما تحررت أممٌ ولا عقول. من أجمل ما سمعتُ يوماً أن دعوةَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، في أصلها، دعوة حريةٍ واختيار".

أقوال جاهزة

شارك غردفي آخر زيارةٍ لي إلى واشنطن، قبل أسابيعَ قليلة، كلّمتُ جمال خاشقجي لنلتقي. قال لي إنه في تركيا فقلت له: "ناطر منك مقال حلو بس تفضى"، فأجاب: "سأفعل، من زمان ما كتبت". هكذا كانت نهايةُ صداقتنا الجميلة

شارك غردمن صحافيٍّ نافذٍ مطّلعٍ على تفاصيل الحكم وعوالم الاستخباراتِ والأمن والسياسة الداخليةِ والخارجية والأحوالِ المعيشية في بلاده، انتقل جمال خاشقجي ليصيرَ رجلاً عادياً في ضواحي العاصمة الأمريكية المسبّبة للكآبة

الخوف من السجن

في مقالٍ عبّر فيه عن مخاوفَه من السجن كتب جمال: "نحن في زمنٍ بات السجنُ جزءاً من أدوات الحكمِ والسيطرةِ على ‘العامة’. لم يعد يحتكم إلى قانونٍ وأنظمة. بات سلاحاً في يد الزعيم وحزبه وجيشه وطبقته الحاكمة... السجن في عالمنا ليس إجراءً عقابياً أو احترازياً دوماً. إنه جزءٌ من التفاوض السياسي وأدواتِ الضغط، ومهاراتِ التحكّم في العامة". كان جمالُ خائفاً ومتوتراً، يريد العودةَ إلى داره وأهله لكنه لا يريد اختبارَ تجربة السجن.

يروي جمال أنه حين ظهرَ في برنامجٍ تلفزيوني مع "صديقه" علي الشهابي، مؤسسِ "أرابيا فاونديشن"، سأل المقدّم الأخير: "ماذا سيحلُّ بجمال لو عاد إلى الوطن؟". "بكل اطمئنان"، أجاب الشهابي ممتدحاً السجونَ في السعودية قائلاً إنها "رحيمةٌ وأفضلُ من غيرها في الشرق الأوسط".

في مقاله عن تحاشي السجن، ختم جمال عرضَه بكلمة "الاكتئاب".

كان جمال مشغولاً في الصيف الماضي، لكننا كنا نتواصلُ باستمرار. في آخر زيارةٍ لي إلى واشنطن، قبل 4 أسابيع، كلّمته لنلتقي. قال لي إنه في تركيا فقلت له: "ناطر منك مقال حلو بس تفضى"، فأجاب: "سأفعل، من زمان ما كتبت". هكذا كانت نهايةُ صداقتنا الجميلة.

هذه التدوينة تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي رصيف22.
كريم سقّا

ناشر ورئيس تحرير موقع رصيف22

كلمات مفتاحية
جمال خاشقجي

التعليقات