الخوف من موت أمّي ومن أن أُغتصب مرة أخرى ومن النسيان

الخوف من موت أمّي ومن أن أُغتصب مرة أخرى ومن النسيان

الخوف يد الله المتوحشة. عشت مع هذه اليد سنوات ثقيلات. حملت الخوف في أغراضي وكتبي وبين ثنيات حقائبي القماشية الملونة. كان الخوف رحلة أيامي قبل أن أصنع قلبًا جديدًا لي. لكل منا قلب جديد ينتظره. وها أنا بقلبي هذا أترك مخاوفي وأمشي. لأكون منصفًا، أتخفف. نحن نتخفف من مخاوفنا. فهي لا تبرح تتحول فينا. والكتابة مصنع المخاوف وتحولاتها.

الخوف يد الله المتوحشة. عشت مع هذه اليد سنوات ثقيلات. حملت الخوف في أغراضي وكتبي وبين ثنيات حقائبي القماشية الملونة.

كان علي أن أجد مكانًا لا أبرحه، مكاناً آمنًا إلى حد ما. أستطيع به أن أختفي. على الأقل في داخلي. فكان الأدب أوّل عالم قضيت فيه رحلات الوحدة الأليفة. وتمكنت فيه من محاكاة أبسط مخاوفي وأعظمها. كان أكبر مخاوفي أن تموت أمي. كنت أنتظر لساعات قرب غرفتها أستمع إلى تنهدات صدرها بعد أن أُجريّ لها عملية القلب المفتوح. أجلس قرب الباب وأبكي، وانتظر إلى أن يتملكني النوم. بقيت لسنوات قبل ان أتحدث مع معالجتي نايلة عن الأمر، لا أغادر عتبة غرفتها. أسمع إلى نَفَسِها المتقطع وكأنه يشطر تلافيف قلبي. تحدثت في جلسات عدة مع معالجتي النفسية عن الأم، عن هذا الكائن الذي لا نشفى منه بسهولة ويبقى عالقًا فينا. في منافينا الذاتية وسفرنا وغربتنا. كانت أمي تتحول إلى هوس وخوف، تعملت لاحقًا التخلص منه. أحببت نفسي قبل أن يأكلني الذنب.

الخوف من الاغتصاب

أما خوفي الآخر، الذي بقي طويلاً، فقد كان في أن أُغتصب مرة جديدة. أو أن أُضرب من الفتيان. أو أن أُهان أمام عيون أولاد الضيعة. كانت مخاوفي في الطفولة تكبر مع العمر. تحولت إلى رهبة من قتل نفسي، من فعل الانتحار. وكلما أقدمت على الفعل، أجدني انتصر. ليس على الخوف بل على نفسي.

ثم اكتشفت مع الوقت أن أكبر مخاوفي نفسي.

في الإسلام يقال إنها النفس الأمارّة بالسوء، واستطعت أن أكبحها. أن أجعلها أخف ثقلاً، أن أمرح معها. ثم أن أنام بها بأمان. هذا انتصار شخصي تعلمته قبل أن أصل إلى التاسعة والعشرين من عمري. هذا الوقت الكافي لأجري حسابات شخصية لما كنته وما صرت إليه.

الرحلة التي جئت منها قبل أن أولد، كانت ملأى بقسوة العزلات. كنت ناسكًا حزينًا في حيواتي السابقات. هذا ما قالته لي عرّافة في إسبانيا. اليوم مع قلبي الجديد أحاول أن أجد رحلة أخرى اتخلص عبرها من يد الله المتوحشة. كان ولا يزال الأدب معبري الوحيد. نفقي حيث سأجد يدين صغيرتين تنتظراني. وهما بالتأكيد يدان غير آدميتين. فأنا لا أؤمن بالبشر ولا بلطفهم الشديد.

أقوال جاهزة

شارك غردفكان الأدب أوّل عالم قضيت فيه رحلات الوحدة الأليفة. وتمكنت فيه من محاكاة أبسط مخاوفي وأعظمها. كان أكبر مخاوفي أن تموت أمي.

شارك غردأما خوفي الآخر، الذي بقي طويلاً، فقد كان في أن أُغتصب مرة جديدة. أو أن أُضرب من الفتيان.

شارك غردفي الإسلام يقال إنها النفس الأمارّة بالسوء، واستطعت أن أكبحها. أن أجعلها أخف ثقلاً، أن أمرح معها.

النسيان حرفة

ومع هذا، أتعلم كل يوم بجسارة أن أخطو. هذه الاشياء العالقة في رأسي والتي تمنعني من النوم أحاول تجاوزها ببسالة كجندي ممسوس بالعداء. تجاوزت حواجز جمة ولم يستطع قلبي أن ينام بعد بكل جوارحه إلا نادراً. وفي لحظات كان فيها الأمل بقعة سوداء، في بحيرة اسمها القلق والشك.

أدركت حقيقة المشي كل يوم وتعلم النسيان، النسيان حرفة. أنسى المدن التي كنت فيها. قسوتها. رقة أماكنها. الأيادي الطويلة الملساء التي أمسكتني في شققها وردهاتها. عته السكر الذي عشته في أزقتها وباراتها وسلالم شققها وسطوحها. القبلات التي افتعلتها بشراهة في زواريبها مع شبان أغراب.

انسى مدينتي طرابلس. أسواقها وحاراتها الضيقة. أنسى بيروت وباراتها وطرقاتها العاجقة بالسيارات. أنسى بساتين عكار. أنسى مدريد. بروكسل. برلين. بلباوو. بورتو. لشبونة. باريس. ومدنًا أخرى لم أعد أذكرها. أنسى كمن يترك معجون أسنانه مفتوحًا. ولا يندم على فعلته البسيطة والتافهة.

أنساهم. كي لا أراهم في أحلامي. عيونهم الصغيرة الملهوفة. والرؤوس المطأطاة. والأجسام المليئة بالقلق. أنساهم كل يوم. النسيان متعة، لعبة يومية. كان علي التنبه إلى أنها تصبح عادة سيئة قبل النوم.

أنسى متى وقعت، أين نمت، ماذا أكلت، أي أجساد التقيت، وأي أجساد نهشتني. أنسى بصاقهم، أنسى حقدهم، أنسى الأذى. أنسى كي لا أنتقم من نفسي. أنسى كي يمر النوم بطيئًا كي أرى جثثهم.

أنساهم لأنهم ماتوا. النسيان تجاوز.

نسيت الوقت معهم. جميعًا. تجاوزت بهذا كل الحنين والذكريات. أنسى كي أكون ما أحلم به بعيداً عنهم، قريباً مني. النسيان حبّ.أنساهم كي أحبهم كما أردت يومًا. كما لم يحصل. كما سيحصل في يوما ما.

أنسى كي أتدبر فعل الحياة. الحياة فعل نسيان.

هذه التدوينة تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي رصيف22.
صهيب أيوب

كاتب وصحافي لبناني مقيم في فرنسا. عمل في صحيفة "الحياة" اللندنية وأسس مشروع "تعا نكتب" الهادف إلى تعميم الكتابة الإبداعية بين أوساط اليافعين، وينشط في مجال حقوق الإنسان والجندرة.

التعليقات