من مسلسل الغاشا والأحذية الرياضية في الأهواز حتى العقوبات الترامبية

من مسلسل الغاشا والأحذية الرياضية في الأهواز حتى العقوبات الترامبية

في العام 1986 بدأ عَرضُ المسلسل اليابانيِّ المدبلج "أوشين" على شاشة التلفزيون الإيراني، وترك تأثيرًا كبيرًا على حياةِ النّاس في إيران، وخاصةً النّساء؛ ففي مساء كلِّ سبت كانت تجلس العوائلُ الإيرانية أمام الشّاشات الصغيرة تتابع أوشين بطلة المسلسل الياباني. وفي الصّباح تصدُر الصّحف وفي طيّاتها نصوصٌ كتبها المشاهدون عن عظمة أوشين، وتشبّهت النساء بها، حتّى ابنة عمّي باتت تشدّ قدمَيْها لكي لا تكبر وتمشي مثل صديقاتِ أوشين. وعلى بعضِ المنابرِ الدينية يوصي الخطباءُ النساءَ بأنّ أوشين ليست ككلِّ النساء، بل هي نموذجٌ للمرأة التي تتحمّل المصائبَ وأعباءَ الحياة وتجهد من أجل التخفيف عن زوجِها مهما حصل. وباتت أوشين مضرب المثل في الأحاديث اليومية بين الناس، فمع تصاعد كلّ جدلٍ يقول -رجلًا كان أو امرأة-: "وهل أنتَ/تِ أوشين؟".

أما ابنة عمّي المحافظةُ على قدميْها صغيرتين مثل الأقدام اليابانية، فكانت تقدّس أوشين وتقول لا يمكن أن نتشبّه بها نفسِها، بل علينا التشبّه بمرافقاتِها! قالت هذا بعد أن وصلها ذات ليلةٍ صوتُ الخطيب من الجامع وهو يحثّ النساءَ على التشبّه ببطلةِ حياتِها. كانت تشدّ قدميْها بقماشٍ أبيضَ حريريٍّ لأيّام، وتنام وتأكل وهي مشدودة القدمين، حتى سبّبت مشاكلَ لعائلتِها ولفتت الأنظارَ إليها. وكانت تجيبهم بحِكَمٍ حفظتْها عن أوشين.

وبدوري كانت مشكلتي الحصولَ على حذاءٍ رياضيٍّ؛ ففي تلك الأعوام ونحن في الأهواز، كنّا لا نحصل على الأحذيةِ الرياضيةِ الجيّدة إلا ممّن أتى من خارجِ البلاد. فكنّا نبحث عن ممّا يسمّى "الچتْر باز" في الفارسية، وهو أو هي الشخصُ العامل في التهريبِ الحلال. والتهريب الحلالُ عبارة عن جامعٍ للجنسيّات وبطاقات الهوية، لكي يمرّرَ من خلالِها حمولتَه المهرّبةَ دون جمارك. وعادةً ما كانت تأخذ الأحذيةُ الرياضية حيّزًا لها في حقائبِهم. 

أقوال جاهزة

شارك غرد اختلتْ بي البائعةُ، وقالت كمن يُفشي سرًّا اقتصاديًّا خطيرًا: اشْترِ الآن قبل أن تحلَّ بقدمِك الندامةُ، القدمُ قلبُ الجسد.

شارك غردمع كلِّ مناوشةٍ كلاميةٍ بين رئيسِنا ورئيسِهم يشتدُّ الألمُ على أقدامنا، حتى لاحت تباشيرُ أورامٍ صغيرةٍ في أسفل القدَمِ وعلى جانبيْها.

شارك غرد

وكانت ثمة طريقة ثانية وهي السفرُ إلى طهران للحصول على حذاءٍ رياضيٍّ جيّد، إلى أن فُتحت محلّاتٌ في منطقة الرُّفيش في الأهواز. وكان قد سكن هذه المنطقةَ البريطانيّون والأمريكيّون سابقًا، وجاوَروا العربَ وغيرَهم. منطقة تجِد فيها ما تحلم به، رغم مظهرِها البائس. وقد بدأ الأمرُ مع شابٍّ يحضر الأحذيةَ المستعملةَ من الكويت، وبعد أن احتُلَّت الكويتُ وانقطعت الطرق، انتقل مباشرةً إلى دبي، ووجد فيها أسعارًا تناسبه، فاعتمد على دبي حتى بعد أن حُرّرت الكويت. ثمّ اكتشف المهرّبون جهازَ الستلايت؛ الجهاز الذي سيمنح النّاسَ حقائقَ جديدةً عن بطلتِهم القديمة أوشين. بطلة الثمانينيّاتِ في إيران. فاكتُشف أن أوشين، في الحقيقة، هي غاشا، ولمن لا يعرف الغاشا، فإنّها المومس،  وهي كما عنون نزار قباني قصيدته "البَغِيّ"، وبالتحديد كما أدخلها السيّابُ في قصائدِه.

ولم يُثرْ ذلك ثورةً، فكان النّاس قد نسي أوشين، غير أن ابنةَ عمّي لم تنسَ أقدامَ مرافقاتِ أوشين القديمة.

واليوم (2018)، وبعد أن لوّح الرئيسُ الأمريكيّ ترامب بحزمةِ عقوباتٍ ستشدّ رجليْ إيران، وأجابه الرئيسُ الإيرانيُّ روحاني محذّرًا من التلاعب بذيلِ الأسد، لم تختفِ الأحذية الرياضية عن الأسواق الإيرانية، ولكن... عرفتُ أنّ سعرَ الحذاءِ الرياضيِّ الذي أعجبني ثلاثُ ملايينَ ريال، ومع أوّل تهديدٍ ارتفع لخمسةِ ملايين ريال. وهنا نصحتني صديقةٌ بألّا أشتري، فالأسعارُ ستنخفض، وليس هناك ما يخيف. وكانت تُلقي نظرةً حكيمةً عارفةً بأسرارِ تعاركِ الرؤساء. آمنتُ بحكمتِها، فإذا بسعرِ نفسِ الحذاء يصل إلى 16 مليون ريال. اختلتْ بي البائعةُ، وقالت كمن يُفشي سرًّا اقتصاديًّا خطيرًا: اشْترِ الآن قبل أن تحلَّ  بقدمِك الندامةُ، القدمُ قلبُ الجسد.

مساءً، حين تتخفّف السّماءُ من شمسِها، يحلو السيرُ لمسافاتٍ طويلة وهذا ما فعلتُه. وبعد خمسةِ كيلومترات شعرتُ بألمٍ في قدمي، وبعد سبعة منها، شعرتُ بوخزةٍ سيتعاظم ألمُها.
مع كلِّ مناوشةٍ كلاميةٍ بين رئيسِنا ورئيسِهم يشتدُّ الألمُ على أقدامنا، حتى لاحت تباشيرُ أورامٍ صغيرةٍ في أسفل القدَمِ وعلى جانبيْها.

مرّ زمنٌ طويل على زواج ابنةِ عمّي، وهي اليوم أمٌّ لأربعُ أطفالٍ؛ كما أنها استغنَتْ
عن مكتبتِها، وبعكسِ توقِّعها وجُهدِها، لم يتشكّلْ حجمُ قدمِها كقدَمٍ يابانية
صغيرة أو أقدامٍ صينيّة حيث وُلدت هناك فكرةُ شدّ القدميْن. قلتُ لها إنّ نصائحَ أوشين مازالت سارية. وكنت أقصد استفزازَها بعد ظهور حقيقة أوشينها. قالت: إنّ أوشين كانت ومازالت أفضلَ حلٍّ، وإنّك تعرف اليوم قيمتَها أكثر ممّا مضى. شُدَّ قدميْك بقماشٍ قديم، والبسْ حذاءك القديم مثل رفيقاتِ أوشين؛ لن تشعرَ بأَلَم!

ومرّت ابنتُها الكبرى من أمامي، وهي تقرأ في كتاب، دون أن تُلقي تحيّتها. "أوشو"، الكاتب الممنوعةُ كتبُه في إيران، ومن أكثر الكتبِ انتشارًا. تُطبع كتبُه في الأقبية، وتباع على الأرصفة. ووُلد جيل أوشو في إيران بعد أن تعب جيلُ أوشين، واكتشف الحقيقة وانصدم  بها، ماعدا ابنة عمّي.

قلت لها وأنا أستلم منها قطعةَ قماشةٍ بيضاء: لا بَلتْ يدُ أوشين ولا قدمُها، ولا بلَتْ أقدامُ الرؤساء!

 

هذه التدوينة تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي رصيف22.

روائي ومترجم وإعلامي من إيران، الأهواز. ممّا صدر له في الترجمة من الفارسية إلى العربية: عيناها، رواية؛ خالي العزيز نابليون، رواية؛ أصفهان نصف العالم، رحلة؛ صيف ذلك العام، رواية. وقد صدرت له رواية "حمار الغجر الأحمق".

التعليقات