كيف توقظ السينما الوغد الذي فينا؟

كيف توقظ السينما الوغد الذي فينا؟
كثيرًا ما أسأل عن السينما، عن دورها، عن علاقتي بها، عن دراستها، وعن علاقتها بالمجتمع والثقافة والفنّ والحياة بشكل عام. ليس هناك جواب موحّد عن هذا السؤال، ولكل منا فكرة أو علاقة بالسينما تختلف عن الآخرين، وهذه ميزتها.
مشاهدة فيلم عظيم هي بمثابة زيارة متحف اللوفر ودراسة لوحة ما لمدة ساعة
السينما بوصفها فنًّا خالصًا، تجمع عدة مكونات قادرة على إثارة الاهتمام مثل: الحوار، حركة الكاميرا، الموسيقى، الشخصيات... مكونات العمل السينمائي هذه تنصهر في بوتقة واحدة لخلق قطعة فنية قابلة للنقد ولإثارة أسئلة عديدة لدى المتلقي، فهي تتجاوز فكرة محدودة مثل "شخصيات متكلمة" أو كونها سردية بصرية لحقائق جوهرية، كما لا يمكننا اختصارها تحت عنوان الموسيقى والمشاهد المتوالية التي تحاول إثارة نوع من "المشاعر العميقة" بشكل ميكانيكي.

مشاهدة لوحة فنيّة لمدّة ساعة

 مشاهدة فيلم عظيم هي بمثابة زيارة متحف اللوفر ودراسة لوحة ما لمدة ساعة، تبعًا لذلك قد تختلج فيك مشاعر وأفكار تلامس شيئًا شخصيًا فيك، بينما سيمرّ آخرون على اللوحة ذاتها من دون أن تترك أي أثر يذكر فيهم. وهنا يكمن الفن في السينما، فهي ليست قالبًا جاهزًا يناسب الجميع، ولكن نجاحها يقاس بمدى تأثيرها في أكبر عدد ممكن من البشر، وقدرتها على محاكاة تجاربهم وملامسة ما يفكرون به أو يتمنونه، وصولًا لطرح هواجسهم ومخاوفهم بشكل واضح. لذلك نشعر عندما نشاهد بعض الأفلام وكأننا نعرفها جيدًا مثل تجربة شخصية مررنا بها سابقًا أو عايشناها.
لا تقدّم السينما أسئلة لا نهائية بشكل عبثي، ولا تقود إلى حقيقة المطلقة وتعميمات، ولكنها تستجوِب نفسها باستمرار من خلال صنّاعها وروّادها ونقّادها، وإذا كانت لا تقدم أجوبة قطعية - فهذه ليست مهمتها - يكفي أنها ممارسة حرة للتشكيك والبحث في كل شيء.

الصّورة وسيلة قوية

تمثل السينما وسيلة مهمة للغاية لتناقل وتلاقح الثقافات العالمية. قوتها أنّ وسيلتها الصورة. هذه الصورة التي ندور حولها اليوم، والتي باتت الحامل الأساس للثقافة. من فيلم روائي إلى فيلم وثائقي وصولًا إلى أفلام الكوميديا والدراما والحركة وغيرها من أنواع، كلها نوافذ تمنحنا رؤية من زاوية محددة للمجتمع الإنساني المعقّد.
قوتها أنّ وسيلتها الصورة. هذه الصورة التي ندور حولها اليوم، والتي باتت الحامل الأساس للثقافة.
قد تحاول السينما أن توثّق، قد تعطي رأيًا، قد تنقل الحقائق، في بعض الحالات قد تروي قصصًا، وقد تحاول عكس واقع معين. هكذا باتت السينما منبرًا للآراء، بل هيكلاً لتجسيدها. تأخذنا إلى أماكن لم نزرها، تنقلنا في الأزمنة بين الماضي والحاضر والمستقبل، قد تختبر مشاعرنا أو تقولب توجهاتنا. في أحيان كثيرة تساعدنا على فهم تركيبة الحياة، تجعلنا نتأرجح في إطارات تخالف ما اعتدناه، أو تغمسنا في تفاصيل انسانية اجتماعية ثقافية نجهلها.

رؤية أشياء استثنائية

السينما دعوة لكي نرى أشياء استثنائية. ابتكرت السينما نوعًا جديدًا من الواقعية، نوعًا شفافًا لأقصى الحدود، يعري الحالة البشرية، ولا يكتفي بخلق عوالم افتراضية.
القصة، الموسيقى، الإخراج، والتمثيل تجتمع معا لإعطائنا فنًا عظيمًا. إنها تجربة متكاملة. لا بل من أكثر الأشكال الفنية اكتمالًا. تستدعي حواسنا كلها، لا بل إنها جسر ينقل المشاعر من الممثل من الصورة أو الحركة إلى المشاهدين. باختصار هي فنّ يدب الحياة فينا.
خلقت السينما طرقها الخاصة في التقاط الواقع وتظهيره. تنظم وتمنح المعاني لأشياء، لممارسات ولتفاصيل من الحياة اليومية. تمارس السينما دورًا تنويريًا من دون قصد حتى، فتساعد في إرساء أشكال للحياة الاجتماعية والثقافية، وتحفز على ابتداع قوالب جديدة لأدوار الفرد الاجتماعية، للجنس، لمفاهيم الوطنية والشرف، الاستقلال، الظلم ولكل فكرة قد تخطر في عقولنا.

تروي السينما القصص. قصص الأشخاص والأحداث والأزمنة والمدن. تحملها بحذر، فهذه القصص تسمح للمشاهد بالتعرف على نفسه وعلى الآخرين الذين يتقاسمون او تقاسموا معه هذا الكوكب. بين الأدب والسينما خط رفيع وحدود شفافة، يقال إن القصة التي تخبرها السينما تتخطى اللغة، كيف؟ عبر نقل المشاعر. بينما نبصر القصص في الأدب بعيون مغلقة، نبصرها في أجمل تجلياتها بعيون السينما المفتوحة.

أقوال جاهزة

شارك غردهنا يكمن الفن في السينما، فهي ليست قالبًا جاهزًا يناسب الجميع، ولكن نجاحها يقاس بمدى تأثيرها في أكبر عدد ممكن من البشر

شارك غردقد تحاول السينما أن توثّق، قد تعطي رأيًا، قد تنقل الحقائق، في بعض الحالات قد تروي قصصًا، وقد تحاول عكس واقع معين. هكذا باتت السينما منبرًا للآراء، بل هيكلاً لتجسيدها.

شارك غردالسينما، أو أيّ فن آخر، ليست رسالة ولم تكن يومًا رسالة هدفها تحويل الأرض إلى جنة أو الارتقاء بالبشرية.

شارك غردالسينما هي الحقيقة والكذب في آنٍ واحد. فلنحذر، إننا شركاء في الإثم، وقد يُظهر الفن قبحنا!

السينما تجعلنا سواسية

السينما تلتف حولنا. تجمعنا لمشاهدة العمل نفسه. جميعنا سواسية. نشغل المقاعد في القاعة المظلمة نفسها. لكن في الحقيقة، نحن بمفردنا. نرى. نسمع. نشاهد. ننفعل. نبكي. نفرح على طريقتنا. قد نرتبط بالفيلم أو لا. قد نحبه أو لا. نخرج وكل منا لديه فيلمه الخاص. فالسينما تلامسنا عند أكثر اللحظات ضعفًا.

تخلق السينما مساحة من الضحك على الحالات والمواقف التي يصعب الضحك عليها، بل أكثر من ذلك تلك المتعة الخالصة التي تمنحنا إياها لتخطي الحاجز العقلي والأخلاقي، بإيقاظ "الوغد" داخل كل منا. هذا التحدي للتخلص من مفاهيم الأخلاق والكرامة والعفة والمروءة وغيرها من "قيم" الإنسان، تقدمها السينما عندما تعطينا الحرية لنكون شركاء في ما نراه ولو لفترة قصيرة. لذّةٌ تقدمها السينما، قد تتحول لذنب، لإعجابنا بما نراه على الشاشة، وعدم قدرتنا على قبوله في الحياة الواقعيّة.

السينما، أو أيّ فن آخر، ليست رسالة ولم تكن يومًا رسالة هدفها تحويل الأرض إلى جنة أو الارتقاء بالبشرية. السينما هي الحقيقة والكذب في آنٍ واحد. فلنحذر، إننا شركاء في الإثم، وقد يُظهر الفن قبحنا!

هذه التدوينة تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي رصيف22.

التعليقات