رؤية التعليم 2030: من أجل تعلّم لمدى الحياة أم ربما لا!؟

رؤية التعليم 2030: من أجل تعلّم لمدى الحياة أم ربما لا!؟

خطوةٌ إيجابية وحيوية نحو مستقبلٍ واعد، تمثلت في الإعلان عن قرار وزارة التعليم تعديلَ برنامجِ خادم الحرمين الشريفين للابتعاث الخارجي، وتحديثَه، ليشمل اختصاصاتٍ جديدة لم تكن ملحوظة من قبل، مثل: الذكاء الاصطناعي، الأمن الإلكتروني، النقل الجّوي والصحة.

ولا شك أن تطويرَ أساليب التعليم من الأمور الأساسيةِ المطلوبة لتحقيق التحوّل المنشود والذي عُبّر عنه في رؤية 2030، إذ لا يمكن تحقيقُ أهداف الرؤية دون إيجاد قوةٍ عاملةٍ محلية متعلمةٍ ماهرةٍ وعصرية.

لكن، بين الرؤية والتطبيق فجوةٌ تكادُ لا تفهم ولا يستوعبها عقلٌ أو منطق!

فعلى سبيل المثال، تضمنت رؤيةُ 2030 آفاقاً إنسانيةً جديدة، وبُعداً حضاريّاً غير مسبوق، وتوجيهاً لأجهزة وقطاعات الدولة كافة لنبني نظرةً شموليةً محققة للآمال، فنجد مثلًا، منصةَ وزارة التعليم تطلق تقريراً بعنوان "التعليم 2030 والتنمية المستدامة، ضمانُ التعليم الجيد المنصف والشامل للجميع وتعزيزُ فرص التعلم للجميع مدى الحياة". وهذه نقلةٌ إيجابية ودعوة للجميع ليتسلحوا بالعلم على مدى حياتهم.

وكغيري، تفاءلتُ وعقدتُ العزمَ على تلبية هذه الدعوة الوطنية، التي تلبي طموحاتي وتتوّج خبرةً عملية اكتسبتها على مدى خمسة عشر عاماً من حياتي، ذلك من خلال تقدّمي ببحثٍ علمي متعمق يخدم هذا القطاعَ الذي تمرست به.

فباشرتُ بتعبئة الطلب (النموذج الخاص) للالتحاق ببرنامج الابتعاث، بعد حصولي على قبولٍ للالتحاق بكلية الثقافة والإعلام والصناعات الإبداعية في جامعة كينغز كوليج في بريطانيا، لإنجازِ دراسةٍ موضوعُها "المعّوقات التي تواجه تنميةَ الصناعاتِ الإبداعية في المملكة العربية السعودية، والتعمقُ في أثر انتهاك حقوق الملكية الفكرية وانعكاساتِها على الاقتصاد الإبداعي".

يستهدفُ البحث أن يكون الأولَ من نوعه في العالم العربي لندرة المعلوماتِ والبحوثِ المتعلقة بالصناعات الإبداعية في الشرق الأوسط، ويعتبر القطاعُ الإبداعي واحداً من القطاعات التي أعيد تصنيفُها عالميّاً بعد أن برزت أهميتُها لتلبية احتياجاتِ العصر وتعزيز التنميةِ المحلية المستدامة.

لكن المفاجأةَ كانت حين اكتشفتُ أن أحدَ شروط القبول في البعثة الدراسية لشهادة الدكتوراه -وهي درجة علمية بحثية بحتة- ألا يتعدى سنُّ المتقدم للحصول على الابتعاث الـ35 عاماً. ورَغم أنني تجاوزت هذه السنَّ لم يُداخلني اليأسُ وتقدمت بطلبي لعلّ هناك استثناءً ما لم يرد ذكره في المنصة.

وبعد أكثر من خطابٍ شرحتُ به أهمية موضوعي، وتقديمي التماساً لزيارة معالي الوزير، كان الردُّ يأتي تكراراً: "نرجو الالتزامَ بشروط الابتعاث"! ما جعلني أنفعل وأتصل بالمسؤول قائلةً: "سعادتكم، ما من شك في أنكم أكثرُ خبرة مني، فكيف تنصحني أن ألتزمَ بالشروط؟! هل أعود سنواتٍ إلى الوراء لينقصَ عمري أم أنّ عليّ أن أبدّل في سنة ولادتي! أم هل هناك طريقةٌ أخرى لم تُدركها مخيلتي؟!"

فيأتي الجواب: "الرجاء الالتزام بالشروط.. حياكِ الله".. وهُيِئ لي أنّ جهازَ رد آلي قد رُكّب في حنجرة المسؤول!... وأنهيتُ المكالمة ودمي يغلي لعدم منطقية الرد أولاً، وثانياً لرده البارد.

ففي الوقت الذي تنادي الرؤية 2030 وكذلك العالم أجمع بـ"التعليم لمدى الحياة" نضع نحن العصيَّ في الدواليب، ونبتدعُ شروطاً مجافية للمنطق وتبتعد عن الإنسانية والمصلحة العامة واحتياجات الرؤية.

وكأيّ حقوقيِّ، تحول الموضوعُ الشخصي لديّ إلى قضيةٍ عامة وجدت أن عليّ الترافعَ عنها وكسبُها. وهكذا، تواصلتُ مع المسؤولين عبر وسائط التواصل الاجتماعي مثل (تويتر) لأهتدي إلى المنطلق الذي تم على أساسه تحديدُ العمر، ولم أتلقّ أيّ رد رغم أنّ خدماتِ التواصل في الوزارة متميزةٌ من حيث خدمة العملاء، إلا أنّ الجهات المختصة التي تحوّل لها الطلبات ومشكلات المواطنين مبرمجةٌ على ردودٍ آلية.

وتوصلتُ بعد تفكّرٍ عميق، أن اشتراطَ العمر في الشهادات البحثية غيرُ منطقي ولا أساس إنساني له، للأسباب التالية:

أولاً: التعليم هو عمليةُ تعلّم لمدى الحياة، وليس من المنطقِ وضع حدّ لهذه العملية، إذ لا يمكن اعتبار أيّ شخص صغير جداً أو كبير جداً على التعلم. بالتالي يجب إعادةُ النظر في اشتراط العمر عند الانتساب إلى برامج الدكتوراه خاصة.

ثانياً: إن دراسةَ الدكتوراه، وهي شهادة علمية بحثية، تحتاج إلى الخبرة، النضوج، والتفرغ. وأذكر أن أكثر الأساتذة الجامعيين تأثيراً فيّ كطالبة وفي زملائي كانوا أولئك الذين امتلكوا خبرةً عمليةً طويلة قبل التحاقهم بالكادر الأكاديمي، لقدرتهم على الربط بين النظرية والتطبيق، ولأنّ محاضراتهم لم تكن محصورةً في نص يمكن الحصول عليه في الكتب أو المراجع الجامدة، بل كانوا ينقلون إلى تلامذتهم خبراتِهم العمليةَ الواقعية.

إنّ وضعَ سقفٍ للعمر سوف يجبر الطامحين لإكمال دراستهم بالتتابع، وأن يحصّلوا شهاداتِهم واحدةً تلو أخرى كي لا يفوتهم قطارُ البعثة، دون إفساح الوقت لأنفسهم لاكتساب خبراتٍ من خلال التطبيق، وأخشى أن ذلك سوف يؤدي إلى وجود كادرٍ تعليمي ذي شهادات عالية ومتميزة نظرياً لكن بخبرة تطبيقية ضعيفة.

ثالثاً: إنّ وضعَ شرط عمر الطالب، يجعلنا نخسر الكثير من الخبرات والكفاءات والمواهب، التي يمكن استغلالُها لإثراء البحوث العلمية والتطبيقية عن المملكة، بالإضافة إلى أنّ ذلك يحدّ من فرص التنمية والإنماء لدى المواطنين جميعاً، ولا يتلاءمُ بالتالي، مع عصر النهضة والتحوّل الذي ينادي به سموّ الأمير محمد بن سلمان، وليّ العهد.

رابعاً: إنّ اشتراطَ العمر للمرأة الراغبة في إكمال دراسة الدكتوراه لا يتلاءمُ مع ثقافة مجتمعنا العربي، حيث على الفتاة أن تلحقَ بقطار الزواج في عمرٍ معّين يكون غالباً بين العشرين (أو قبل ذلك) والثلاثين، ومتوقعٌ منها إعطاءُ الأولوية لتأسيس أسرة. ومن ثمّ سوف تتوقف في أكثر من محطة لتأدية هذا الدور على أكمل وجه، لتصل بعائلتها وأبنائها إلى ما يصبون إليه، ولكي تغدو بعد ذلك أكثرَ تفرغاً واستعداداً، لكن اشتراط العمر سوف يحرمها من متابعة دراستها.

إنني أقترحُ أن تنبثقَ لجانٌ متخصصة من برنامج الابتعاث تتعاون مع مكتب تحقيق الرؤية ونخبة من المجتمع، لتدرسَ بمرونةٍ ورويّة، تحديدَ الاختصاصات والمحاور الجديدة المطلوبة مستقبلًا، كما تسندُ إليها مهمةُ النظر في الطلبات الاستثنائية التي لا تنطبق عليها الشروطُ العامة، حيث دعت الحاجة.

أقوال جاهزة

شارك غردكان الرد يأتي تكراراً: "نرجو الالتزامَ بشروط الابتعاث"! ما جعلني أنفعل وأتصل بالمسؤول قائلةً: "سعادتكم، هل أعود سنواتٍ إلى الوراء لينقصَ عمري أم أنّ عليّ أن أبدّل في سنة ولادتي! أم هل هناك طريقةٌ أخرى لم تُدركها مخيلتي؟!"

شارك غردتوصلتُ بعد تفكّرٍ عميق إلى أن اشتراطَ العمر (أقل من 35 سنة) في البعثة الدراسية لشهادة الدكتوراه غيرُ منطقي ولا أساس إنساني له، لأربعة أسباب منها أنه لا يتلاءمُ مع ثقافة مجتمعنا العربي، حيث على الفتاة أن تلحقَ بقطار الزواج في عمرٍ معّين!

ختاماً، ففي الوقت الذي تقوم معظمُ الدول المتطورة بإعادةِ هيكلةِ مفهوم التعليم للحدّ من التميز وليكون أكثر شموليةً تماشياً مع أحد أهدافِ التنمية المستدامة للأمم المتحدة، نجدنا نحن نضعُ قيوداً - ربما كانت لها مسبباتُها الإدارية والتشغيلية - لفرض نوعٍ جديدٍ من التميز على أساس العمر.

وهذا ما يذكّر بالتمييز بين الجنسين الذي واجهني شخصياً عام 1996 لمّا كانت دراسةُ القانون في المملكة حكراً على الذكور فقط، ما أرغمني، حينَها، على الانتقال إلى الخارج لمتابعة شغفِي لدراسة القانون وعلى نفقتي الخاصة، تحقيقاً لطموحي، إذ اعتُبرتُ، يومها، غيرَ مؤهلةٍ للحصول على منحة دراسية لأنّ القانونَ لم يكن ضمنَ التخصصاتِ التقليدية المدرجة للمرأة، لكن، بفضل الله وحكمةِ قيادتنا الرشيدة، سُمح للمرأة بدراسة القانونِ بعد ذلك التاريخ بسنوات !

هذه التدوينة تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي رصيف22.
سفّانة دحلان

محامية سعودية في مجال حقوق الملكية الفكرية وناشطة في مجال الاقتصاد الابداعي

كلمات مفتاحية
السعودية رؤية 2030

التعليقات