هواجسُ حارسٍ عربيٍّ في حقلِ الشوفان

هواجسُ حارسٍ عربيٍّ في حقلِ الشوفان

*في الساعةِ الثامنةِ التقى صبيّانِ، لم يبلغا سنَّ الرشد بعد، أمام باب المدرسة. فقرّرا عدمَ حضور الحصصِ الدراسيّة. ولأنّه لم يكن هناك أبٌ يسأل ولا أمٌّ تقول، فقد انشغلوا في ما هو أهمّ من ذلك، أي جمع المال. وكذلك اعتاد المدرّسُ غيابَهما فلم يكترثْ ولم يبلغ المدير، فالمديرُ بدورِه كان يطرُدهما كلَّ صباحٍ طالبًا إحضار الوليّ. تجوّلا أمام المدرسةِ ساعة، جمعوا بعضَ المال بالتنمّر، ثمّ توجّها إلى ركنٍ خلف سورِ المدرسةِ بعيدًا عن الأنظار، فأشعَلا سيجارةً، وتقاسَماها، ودار بينهما الحديثُ التّالي:

- آه يا صَحبي الدنيا مع اللي عندو فلوس.

- عندك الحق كلّها بالواسطة.

- لقرايا معندها وين توصّل، واللي قراو أوك شادين لحيوط كيفنا.

- صحابي الفلوس في برّ الطّليان، وهذاك هو الحلّ.

-  دبّرتلْنا حكّة كول (لصق)؟

- تدلل، السلعة موجودة.

أخذا يستنشقان اللصق، ويغنّي الأوّل "مظلومة يا دنيا"، ويردّ الثاني "نحبّ نقلع، نحبّ نطير." انتهى.

*في مساءِ يومِ السّبت، وككلِّ سبتٍ اعتاد ثلةٌ من الشّباب الالتقاءَ عند مصنعٍ مهجورٍ في أطراف المدينة، قد اسودّت جدرانُه، وتحوّلت أرضُه إلى ما يشبه حضيرةَ خنازير.

أحضَروا معهم الزادَ، وهو عبارةٌ عن خمرٍ، ومخدّرٍ، وبعضِ الطّعام، ما يكفي لسهرةٍ يُعلِن نهايتَها بزوغُ شمس الغد. انطلقت الحفلةُ على موسيقى بوب مرلي تزيد السُّكرَ سكرًا، ودار بينهم حوارٌ اشتكى كلُّ واحدٍ منهم همَّ الزمان وقلّة الحالِ وسوءَ المعاملةِ والحظَّ العاثرَ والبطالةَ التي يعانون منها، فانتهى الحوارُ بحلٍّ، وهو سرقةُ قاربِ البحّارِ المسكين الذي يعيل عيالَه العشرةَ بـ 200 دولار في الشهر.

أقوال جاهزة

شارك غردإنّ المستقبلَ قد أخذ في الانهيار شيئًا فشيئًا، فلم يعد للشابّ العربيِّ طموحٌ يرتجيه من دولتِه، وأصبحتْ قضيةُ الهجرة هي المستقبل والأمل والنجاة من الجحيم.

شارك غردأطفالَ العالم العربيِّ واقعون اليوم بين ضربين؛ الإلهاء والابتعاد عن شواغل الرأي العام بحجّةِ أنّهم صغارٌ؛ ثمّ الحروب والفقر.

شارك غرد

قاربَ الفجرُ على البزوغِ وانتهت المأدبة التي كلّفت 400 دولار، والتي تنصب كلّ ثلاثة أيام. مرّتْ من أمامهم قطّةٌ فناداها أحدُهم: "إيجا يا قطّوسة نعطيك بوسة"، ووثَب عليها يهمّ بافتراسِها، فدفعَه الآخرُ عنها يريد النيلَ منها هو الآخر، وعليه شبَّ شجارٌ انتهى بثلاثةٍ في مركز الإيقاف، واثنينَ في المستشفى. انتهى.

*بعد طولِ غيابٍ عن الوطن قرّر مجموعةٌ من العجائز التفرّغَ لمستقبلِهم السّياسيّ، وقد كوّن كلٌّ منهم ثروةً لا بأسَ بها في الخارج. قرّروا إنشاءَ حزبٍ لخوضِ الانتخابات. وللذّكرِ فقط، كان أصغرُهم يبلغ السّبعين. لكنّ الحالَ كانت قد تغيّرتْ عن السابق، واًصبح بإمكانهم الطّمعُ في منصبٍ بعد أن أزيلت الحواجز بانفراجِ الأمر، وأصبح السنُّ مناسبًا لحكمِ البلاد والعباد. انتهى.

*ثلاثٌ هنّ الأصل؛ مستقبلٌ، وحاضرٌ، وماضٍ. انقلبت الأدوارُ، وانقلبت معها الحياة، فالماضي غزا الحاضرَ، واحتضن المستقبلَ، بل سيطر وبسّط نفوذَه عليه، وشكّله بما يرتضيه وما يخدم مصالحَ السّادة. فألهاهُ، وخلق ما يشغله عن الوضعِ العامِ، وزرعَ الضجرَ، والكللَ والوهنَ، وصرفه عن أولوياتِ الحياة إلى كمالياتٍ هو في غنىً عنها. فخيارُ الزّهوِ واللّهوِ هو البديل عن الكدِّ والجهدِ وبناءِ الأوطان، ويكفي أن تغيّر النموذجَ بنموذجٍ آخرَ يُتَّخذ كقدوةٍ حتّى تطوّع عامة الشعب كما تشاء. ولَهم في قاموس المُلهيات المُنصرفاتِ دليلٌ ومنهاجٌ على تغيير الرأيِ وحكمِ الشّعب بما يَرتضيه هو. وقد حدث أن تحوّل واقعُ الحالِ إلى سيءٍ ثمّ إلى الأسوأ؛ فظاهرةُ الرّبح السّهل والوصول إلى الشّهرة أصبحت هاجسًا إن لم نقل مرضًا عضالًا، وعليه قس بما شئت. وحتى في حالةِ استفاقة المستقبل من غفلتِه، فهناك في كتابِ الصّامتاتِ الباكمات الحلُّ؛ فالإنكار والتعجّب من تغيّرِ الوضْعِ وسوءِ الحال مع صمتٍ مدوٍّ حتى يعود المستقبلُ لخلودِه قد يفي أحيانًا، وإن اشتدّ الحالُ فكتابُ الضّاربات المُبكيات فيه الحلُّ أيضًا؛ فالمثلُ التّونسيُّ يقول "اضْربِ القطوسة تتربّى لعْروسة"، فقليلٌ من بهارِ العنف مع بعض البكاء أمام الشّاشات بالتأثّر بالوضع قد يجدي إلى نتيجةٍ، وفرقةُ الفتوى والتطبيل قد ترجّح الكفّةَ إلى صلاح الحال من استقرارٍ ودعوةٍ إلى التأنّي، وممّا هو مأثورٌ في كتاب المنفرجات الداعيات. وقد يصبح الأمرُ أخطرَ فأخطر، فقد يفيض الكأسُ، وتقع احتجاجاتٌ فيتغيّر الوضعُ، وتضطرب البلادُ، وهنا كتاب المنافقين الأذكياء فيه السبيلُ المعروف. وعلى الماضي أن يتقمّصَ الدّورَ بكلّ قوةٍ حتى يقتنعَ المخرج بدورِه؛ ففي السنوات الأولى قد يصبح في دورٍ ثانويٍّ، ولكنّه سيعود للبطولة. وبطبيعة الحال إنّ الاشتياقَ إلى ما مضى سيعود، ويعود الأمر كما كان.

يقول نابليون بونابرت "لا نحكم شعبًا إلّا بأن نُريه المستقبل، القائد هو تاجرُ الأمل"، وبطريقة عكسيةٍ فإنّك لا تستطيع حكمَ شعبٍ دون أن تريه مستقبلَه، ونحن نرى أنّ المستقبلَ قد أخذ في الانهيار شيئًا فشيئًا، فلم يعد للشابّ العربيِّ طموحٌ يرتجيه من دولتِه، وأصبحتْ قضيةُ الهجرة هي المستقبل والأمل والنجاة من الجحيم. فنحن إذًا نفتقد إلى صنّاعِ أملٍ، وبها نفتقد إلى قادةٍ حقيقيين بمقدرتِهم النهوضُ بهذا الشّعبِ والارتقاء به، وكما لا تشتغل السيارةُ بدون سائقٍ، فكذلك هو حال البلاد، إذ لدينا سائقٌ قد أخذ رخصةَ سياقتِه أسفل الطاولة، ولما تسلّم عجلةَ القيادة اصطدم بأوّلِ شجرة.

كيف نبني قادة المستقبل؟ الجواب معروفٌ، فالأطفال هم مستقبل البلاد؛ لكنّ أطفالَ العالم العربيِّ واقعون اليوم بين ضربين؛ الضرب الأوّل هو الإلهاء والابتعاد عن شواغل الرأي العام بحجّةِ أنّهم صغارٌ، وكما قيل "من شبَّ عل شيءٍ شابَ فيه"، والآخرُ هو الحروب والفقر، إذ أصبحَ أقصى أمانيهم سقفًا يأويهم ولقمةً ساخنةً تسدُّ جوعَ يومِهم. أمّا اللعبُ والتعلّمُ والبيئة السليمةُ فقد انتقلت من طورِ الحُلمِ إلى طورِ الهَباءِ المنثور.

يا ترى هل ستبزغ شمسُ النهضةِ واليقظة، أم أنّ الليلَ سيطول؟

هذه التدوينة تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي رصيف22.

التعليقات