صورُ طفولتي: عن التبسّم والعنف والهجرة والحب المثليّ

صورُ طفولتي: عن التبسّم والعنف والهجرة والحب المثليّ

في الفراش، أستلقي أنا وصديقي متصفحاً صفحات أمي وأبي على الفيسبوك والإنستغرام من باب الدعابة، أو ربما، بالحد الأدنى، الفضول. ثمة شيء ملحوظ في صفحاتهما: كلاهما ينشران صوراً لأخواي. أمي تنشر حتى صور ما تسميهم بـ"عائلتها": أخواي وإخوتها وأبنائهم. ليس هناك صور لي، مع ذلك.

تعجّبَ كلانا، فرُحتُ أسأل صديقي: "لماذا يا ترى؟"، لم يجب.

"لماذا جيروم؟"، كرّرت مقهقهاً.

"الإجابة الوحيدة التي يمكنني قولها، نوفل، هي أن أمك وأباك يكرهانك".

أسكن الآن، بشكل مؤقت، بعيداً عن عائلتي في العاصمة الكندية أوتاوا، نظراً لعملي مع الحكومة الفيدرالية. في صباح اليوم التالي، وبمحض الصدفة، نهضتُ لأجد عدة صور من طفولتي مبعوثة لي على البريد الإلكتروني من قبل أمي. رحتُ أبتسمُ لسببين: يا للصدفة! هل كان الله يستمع إلى حديثي في الأمس؟ وهل حرّكَ مشاعر أمي التي قلما لمحتها؟ ويا لوسامتي!

أنظرُ إلى صوري وأرى طفلاً أجمل مما تستطيع كلمة الجمال أن توحي. عينان سوداوان تذكرانني بأغنية "العيون السود" لوردة، رموش أطول من غصون أشجار مقاطعة كولومبيا البريطانية في كندا، وابتسامة تبدو لوهلة أكثر تألقاً من بزوغ الشمس في ساعات الصوم الطويلة في رمضان.

أقوال جاهزة

شارك غردلا أزال أجهل كيف حافظتُ على ابتسامتي، التى لطالما عنَّفتني أمي بسببها. كانت أمي تظن أن ابتسامتي هي دليل كتماني لسر أو خطأ اقترفته، فكانت تنهمك في ضربي حين رأت ابتسامتي كما لو كانت ثوراً هائجاً

شارك غردلن تتعوّد الضرب، نوفل، ولا الآلام. عضّات أمك، صفعاتها، الكدمات، أثر حذائها على وجهك؛ كل هذه الآلام ستبقى معك ولكنك ستتخلص منها، إلى حدّ ما، نوفل. سوف يصفعك أبوك. سوف تفقد الوعي. لن تخبر أحداً ولن يؤنبه ضميره. هل تصدق أن أباك يحبك؟

حدقتُ في تلك الابتسامة وتذكرتُ كل الآلام التى مررت بها في طفولتي. كل العنف الجسدي والمعنوي من قبل أمي وأبي، الحرب في جهنم أو ما يُسمى بليبيا: هوسي بالانتحار. تذكرتُ أيضاً صفعات أمي، لكماتها، صراخها ودعاءها على نفسها بالموت وصوتها في طفولتي، الذي ظلّ راسخاً مثل رصاصة في رأسي، وتذكرت معاناتها مع السرطان. افتكرتُ، أيضاً، حين رمى أبي ملعقةً على ركبتي، كيف كان يضربني بحزامه وكيف كان يسجنني في غرفتي لساعات طويلة - ناهيك بالإهانات والكلمات البذيئة الذي لطالما تفوه بها.

"كيف صمدت هذه الابتسامة؟"، وجدتُني متسائلاً. فكرتُ في الأطفال الآخرين الذين صمدت ابتسامتهم وأولئك الذين محتها الحياة عن وجوههم. تذكرت الناجين من العنف الجسدي والمعنوي والجنسي، من الحروب، من رهاب المثلية، من العنصرية والطائفية، ومن كل أشكال التفرقة والعنف والتمييز. لا أزال أجهل كيف حافظتُ على ابتسامتي، التى لطالما عنّفتني أمي بسببها. كانت أمي تظن أن ابتسامتي هي دليل كتماني لسر أو خطأ اقترفته، فكانت تنهمك في ضربي حين رأت ابتسامتي كما لو كانت ثوراً هائجاً.

ما فتئتُ أشتاق إلى نوفل الطفل الذي كنته وحررتُ نفسي منه. هربَ نوفل، واختبأ في طيات ذكرياتي، ليس كما كنت أفر من أمي وأبي، ولكن كمن يترك حبيب حبيبه ليصبح إنساناً أسعد. تركني نوفل الطفل لكي أرتاح ولكنه لا يزال يكشف عن وجوهه الفرحة والحزينة بين مدة وأخرى. ولأنني أدركُ أن الطفل الذي كنته يريد أن يحادثني، على غرار الكثير من أطفال العالم المهملين والمعنفين الذين يحلمون بصوت حنون يحتضنهم بعيداً عن بشاعة الحياة، سأجعل ما يلي رسالتي لنوفل الطفل ولكل أطفال العالم المحتاجين لصوتي:

حبيبي نوفل،

لم ينادِك أحدٌ بحبيبي، أعلم. هل تعرف معنى هذه الكلمة؟ سوف ينشأ عندك شغف باللغة العربية وسوف تتقن الإنكليزية أكثر من العربية، نوفل، وسوف تكتب الشعر بكلتا اللغتين وتحبه بكلتا اللغتين. تكره اسمك الآن ولكنك ستقع في حبه عندما تقع في حب نفسك.

هل تتذكر ما علموك في المدرسة؟ بأن تحب الله والنبي محمد أكثر من حبك لأي شخص ولا سيما نفسك؟ ستصبح معشوقاً من نفسك وعاشقاً لها، نوفل. سوف تحب نفسك أكثر مما تحب الله ومحمد بمراحل. هل تعلم لماذا؟ لأنك أكثر حاجة واستحقاقاً لهذا الحب. لأن الله ومحمد لديهما مليارات من المحبين ولا يحتاجان مشاعرك.

لن تتعوّد الضرب، نوفل، ولا الآلام. عضّات أمك، صفعاتها، الكدمات، أثر حذائها على وجهك؛ كل هذه الآلام ستبقى معك ولكنك ستتخلص منها، إلى حدّ ما، نوفل. سوف يصفعك أبوك. سوف تفقد الوعي. لن تخبر أحداً ولن يؤنبه ضميره. هل تصدق أن أباك يحبك؟ ستكتشف هذا حينما يصطحبك إلى سيارته وأنت في الثانية عشرة من عمرك ويبوح لك بأنه لم يعد يحبك. "لم يعد حبك". "يعد" هنا تدل أنه كان على الأقل يحبك لفترة معينة. يا للمفاجأة! ستسر عندما تعرف أنه كان يحبك ولن تزعل لأنه لم يعد يحبك. لا تفكر في الانتحار، عزيزي، فالحياة أجمل مما تتوقع. سوف تصطحبك أمك أنت وأخويك إلى كندا. سوف تترك الجحيم. لن ترى ليبيا مرة أخرى.

أقفُ اليوم كرجل غير مغاير الجنس - مثلي، لوطي، شاذ، سموني ما شئتم. أقف كرجل ذي بشرة سمراء، مسلم، عربي وكندي. أقفُ اليوم بفخر وشغف وأمل. أقف هكذا من أجل نوفل الطفل الذي لن أنساه يوماً

فلنعد إلى أول الرسالة: هل تعرف معنى اسمك؟ دعني أخبرك. نوفل هو البحر وأنت بحري. دموعك كالمطر الذي كنت تخافه ولكنك ستغرم به، كالبحر الذي كنت ترتابه ولكنك ستجد وجه الله ووجهك فيه، هو الموج الذي سيدفع بي إلى حياة أجمل، حبيبي.

نوفل هو الشاب الجميل وأنت شابي الجميل. الشاب الجميل الذي ستكونه. الشاب الجميل الذي هو أنا وهو كل الشبان الذين سيُغرمون بك، كل الشبان الذين ستُحبهم. كل الرؤوس، اللحى، والخدود التي ستغفو على صدرك، وكل الشباب الذين ستضع رأسك على صدورهم. أعرف بأنك تحلم بأن تبكي على صدر أحد؟ سوف تبكي على صدر واحد فقط، حبيبك الأول، وبالطبع ليس الأخير.

سوف تبكي أشجاناً أخرى، نوفل، ليس لها علاقة بطفولتك. سوف تبكي أشجان العنصرية ورهاب المثلية الجنسية، ولكنك قوي جداً، نوفل، مثل جبال روكي. ستعرف أين هذه الجبال عندما تكبر. ستتعلم بعض المصطلحات التى قلتها مسبقاً في رسالتي أيضاً. لا تهتم، حياتي. نوفل هو الرجل الكريم، أيضاً، وأنت رجلي الكريم بمشاعرك وحبك وحنانك. أنت بحرٌ من الحب والحنان والغضب، أحياناً. ألم تزل تظن بأن عناقاً واحداً سيحل كل مشاكل حياتك؟ سوف تعانق الكثير من الناس في مراهقتك وشبابك ولن يحل العناق أي مشاكل. سيخفف الألم فقط وسيكفيك هذا.

لن تغفر لوالديك. ستحاول أن تغفر لهما لكن دون جدوى. لن تستطيع. لن تتغير علاقتك مع النوم، كذلك. سوف تبقى أرقاً، تكتب قصائد للنوم ولكنه لن يأتي بسهولة حتى عندما تكون منهكاً. سوف تتأقلم مع هذا، يا نوفل. ستجد في كندا وطناً. أعلم أنك لا تعلم معنى هذه الكلمة ولكنني مشتاق إليك وأريد أن أحدثك عن مستقبلك الأجمل من طفولتك. لن تتعلم فقط معنى كلمة وطن، ولكنك ستنشر قصيدة بالإنكليزية عن الوطن.

أنت الذي هو أنا، يا نوفل، في الحادية والعشرين من عمرك الآن. أنت الذي هو أنا شاب يحب الحياة، يؤمن بنفسه، بالحب، وبنبل الله. أنت الذي هو أنا شاب طموح وناجح. أنا الذي هو أنت ممتن لك، حبيبي. لا يزال لدي الكثير لأخبرك به ولكن ربما في مرة أخرى. أما الآن سأبوح لك بسر :"أحبك كما أحبك الكثيرون وأكثر مما أحببتُ أي شخص".

انتهى زواج أمي وأبي منذُ طفولتي وقبل أن تصطحبنا أمي إلى كندا. هنا أعذروني، لا يمكنني أن أصف زواج أمي وأبي بالفاشل أو التعيس. للأسف الشديد، هذه الكلمات لا يمكنها أن تعبر عن سوء العلاقة بين أمي وأبي، ولا الجو العائلي الذي خلقته علاقتهما التي، مجدداً، لن يستطيع محصولي اللغوي التعبير عن رداءتها. المشاكل بين أمي وأبي لم تكن مشابهة لتلك الرائجة في المسلسلات التركية أو الأفلام الأمريكية - لم يكن أحدهما يخون الثاني، ولم يعنِّف أحدهما الآخر. ولكن، طيلة زواجهما، لم يتفاهما إلا على شيئين اثنين: تعنيفي أنا وأخواي وجمال صوت فيروز.

لا أعلم لماذا كان يعنِّفني أمي وأبي، ولا يهمني السبب: في نهاية الأمر، السبب الوحيد الذي أدَّى بوالدي إلى تعنيفي، أنا وأخوي، هو رغبتهما في تعذيب شخص ما. ولأنهما لم يستطيعا أن يجدا أشخاصاً آخرين، وقعنا نحن ضحيتهما. لطالما بحث البشر عن سبل للترفيه عن أنفسهم: العازف يلجأ للموسيقى، والمغني يلجأ للغناء، والشاعر يلجأ لكتابة الشعر، أما بعض "المنجبين أو المتكاثرين"، وهم الأغلبية الشائعة من الملقَّبين بالآباء والأمهات الذين يمارسون الجنس ويتناسلون دون عناء، فيلجأون إلى ضرب أطفالهم.  أقف اليوم أمام عالم عنيف مثل أمي وأبي. أمام عالم يصم ميولي الجنسية، ولون بشرتي، وديني، وثقافتي العربية.

أقفُ اليوم كرجل غير مغاير الجنس - مثلي، لوطي، شاذ، سموني ما شئتم. أقف كرجل ذي بشرة سمراء، مسلم، عربي وكندي. أقفُ اليوم بفخر وشغف وأمل. أقف هكذا من أجل نوفل الطفل الذي لن أنساه يوماً.

هذه التدوينة تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي رصيف22.
نوفل

شاعر وكاتب عربي كندي، نشر له عدد من القصائد والمقالات بالإنكليزية والعربية. يمكنكم مراسلته على بريده الإلكتروني [email protected]

التعليقات