الثورة السّورية في الجولان السوري المحتل: حالة بين الضّياع والحرية

الثورة السّورية في الجولان السوري المحتل: حالة بين الضّياع والحرية

مدون سوريا

لن أكتب تحليلًا سياسيًا أو وصفًا للوضع السياسي على جبهة الجولان، أو في المجتمع الجولاني نفسه، أو عن الاحتلال الإسرائيلي في الجولان السوري المحتل، كما يفعل – وبشكل أفضل منّي – الكثيرون. أتطرّق لبعض المقتطفات التي تقع تحت ما يدعونه في الأكاديميا اليوم، "التّاريخ الاجتماعي" أو "تاريخ النّاس"، وذلك بالاعتماد على بعض الأمور التي لاحظتها في الحياة اليومية في الجولان السوري المحتل، وبشكل خاص في مجدل شمس – بلدتي الصّغيرة على سفوح جبل الشيخ.

تغيّر المجتمع الجولانيّ بعد الثّورة السورية تغيّرًا كبيرًا. فأمسى أكثر انفتاحًا من جهة، وأكثر صعوبةً وتعقيدًا وضياعًا، من جهة أخرى. بعدما كان قبل 2011 (أو قبل اندلاع الرّبيع العربيّ) تقليديًا هرميًّا يسير بحسب فتاوى رجال الدّين الدروز فيه، فبين انهيار الكيان السوري، والشرخ المجتمعي الحاد بين مناصري الثورة لمعارضينها، عبر المجتمع الجولاني في القرى الأربع المتبقية بعد احتلال عام 1967 ثورة مشابهة لتلك في الوطن السّوري.

لقد ضعضعت الثورة السورية وأحداثها، وأحداث الربيع العربي عامةً، مباني اجتماعية كلاسيكيّة وفككتها أو دمّرتها، لتترك الجولانيين بمواجهة أزمة هوية كبيرة، على الصعيد السياسي (سوري/ة-إسرائيلي/ة)، وعلى الصعيد الاجتماعي (مؤيد/ة-معارض/ة) وعلى الصعيد الديني-التّقليدي (متديّن/ة- درزي/ة-علماني/ة) وعلى كل الأصعدة المتفرّعة من هذه الأزمة.

استغلت "إسرائيل" وما زالت تستغل، بشكل خاص، هذا الشرخ المجتمعي والحيّز "الرمادي" الضائع، والتراجيديا السوريّة، لتمرير مشاريعها الاستعماريّة في الجولان المحتلّ

وقد نتج هذا التغيير الكبير عن فعل الثورة السّورية بتفكيك المسلّمات في المجتمع الجولاني، كالدّين ومكانة شيوخه وكمفاهيم الوطن والهوية التي لم تعد مفهومة ضمنًا بالنّسبة للكثير من الجولانيّين وبشكل خاص للشّباب منهم/ن. هذا التغيير النوعي هو ردّة فعل طبيعية لمجتمعات تمرّ بأزمة كالحرب في سوريا وأهوالها، ولكنّه أيضًا، تغيير ينبع عن ثورة جذريّة في الفكر الشبابي الجولاني وفي تشكيل وعيه.

هل من اهتمام  بفتاوى رجال الدين؟

نرى، على سبيل المثال، أن فتاوى رجال الدين في الجولان لم تعد تهم أحدًا غير المتدينين والمتدينات، وربّما يكون هذا مرتبطًا بالتركيبة المجتمعيّة والشرخ السياسي المجتمعي والعلاقة بينهما، أي، بكلمات أخرى، قد يكون أهم أسباب عدم الانصياع لأوامر المؤسسة الدينية الدرزية في الجولان، الذي بدأ بعد الثورة عام 2011، هو موقفهم المؤيّد لنظام الأسد، واعتبارهم هذا الموقف الموقف الوطنيّ الوحيد ذا الصدقية. أي احتكارهم للحيز العام السياسي والاجتماعي بهذه المسألة. هذا الموقف وهذا الاحتكار، الذي يحسب المعارض لهما خائنًا، أتيا على خلفيّة وجود أغلبيّة الجيل الشاب والمثقفين والأسرى المحررين من سجون الاحتلال بخانة المعارضة للنظام، ممّا أدّى الى ضعضعة كبيرة في فكرة الوِفاق بين الموقف السياسي وبين المرجعيّة الدينيّة المقدّسة. هذه الضعضعة خلقت مساحة "حرّة" نوعًا ما، فيها يصبح ما لقيصر لقيصر وما لله لله. هذا الحيز، أعطى صدقية أكبر لكسر حاجز المحرّمات التي يفرضها الدين الدرزي والتقاليد الاجتماعية، كالكحول واللباس "غير المحتشم".

الرماديون والحياديون

وعلى صعيد التاريخ الاجتماعي، أو التاريخ العام، يقف كثير من الناس "الرماديين" أو "الحياديين" بين ثالوث قوة تتصارع على الساحة العامة في الجولان المحتل: الاحتلال الإسرائيلي (المتمثّل بالمؤسسات الخدماتية كالمجالس المحليّة وشركات الماء والكهرباء) من جهة، والنظام الأسدي من جهة ثانية (المتمثّل برجال الدين وبمن يتبع لهم)، والمعارضة، من جهة ثالثة (المتمثّلة عامةً بالناشطين والناشطات السياسيين الشباب والمثقفين والفنانين والأسرى المحررين).

فبالإضافة إلى بعض الحريّات، الشّكليّة ولكن أيضًا الفكريّة (على صعيد حريّات المرأة والحريات الجنسية مثلاً)، التي ولّدتها التّفاعلات وردّات الفعل للأحداث في سوريا، يأتي الضّياع وفقدان الأمل بالتحرير، والشّلل في العمل السياسي والعمل العام، الذي يحلّ محل الفراغ الذي خلقته المباني الاجتماعيّة والمسلّمات المفكّكة والمنهارة، مما يخلق جوًّا من العبثيّة الماديّة، وعدم المبالاة بالسياسة بشكل خاص (ولا ألوم أحدًا هنا!) من قبل "الرماديين".

أقوال جاهزة

شارك غردهذا التغيير النوعي هو ردّة فعل طبيعية لمجتمعات تمرّ بأزمة كالحرب في سوريا وأهوالها، ولكنّه أيضًا، تغيير ينبع عن ثورة جذريّة في الفكر الشبابي الجولاني وفي تشكيل وعيه.

شارك غردإن فتاوى رجال الدين في الجولان لم تعد تهم أحدًا غير المتدينين والمتدينات، وربّما يكون هذا مرتبطًا بالتركيبة المجتمعيّة والشرخ السياسي المجتمعي والعلاقة بينهما

شارك غرد فبالإضافة إلى بعض الحريّات، الشّكليّة ولكن أيضًا الفكريّة (على صعيد حريّات المرأة والحريات الجنسية مثلاً)، التي ولّدتها التّفاعلات وردّات الفعل للأحداث في سوريا، يأتي الضّياع وفقدان الأمل بالتحرير

شارك غردلطالما اعتبر الجولانيون المجالس المحليّة مجالس غير شرعيّة تمثّل الاحتلال، ويعتبر التعامل معها تطبيعًا معه.

استغلال إسرائيل للمساحة الرمادية

استغلت "إسرائيل" وما زالت تستغل، بشكل خاص، هذا الشرخ المجتمعي والحيّز "الرمادي" الضائع، والتراجيديا السوريّة، لتمرير مشاريعها الاستعماريّة في الجولان المحتلّ، فإن انهيار المسلّمات أعطى مكانًا عامًا للعمل تحت كنف المؤسسة الصهيونية (أي أن المجتمع، في وضعه العبثيّ والضائع و"المشلول" لم يعد "يبالي" أو لم يعد يملك نفس طرق المقاومة لهذه المشاريع، فمع انهيار المسلّمات انهار أيضًا "العقد الاجتماعي" الجولاني، فبات المحرّم والممنوع، مسموحًا، حتّى على صعيد الإيديولوجيّات الصهيونية وأتباعها).

يتمثّل هذا "الاستغلال" للوضع الذي حاولت كتابة مدخل موجز إليه أعلاه، بانتخابات المجالس المحليّة التي يريد الاحتلال إقامتها وللمرّة الاولى منذ احتلال الجولان عام 1967. فخلال العام الماضي، أعلن وزير داخلية الاحتلال، أرييه مخلوف درعي، إقامة انتخابات للمجالس المحلية الإسرائيلية في الجولان السوري المحتل، بحيث يحصر هذا القرار حق الترشّح في أقلية من الجولانيين حاملي الجنسيّة الإسرائيلية (ما يقارب 10% من المجتمع، فقد رفض أغلبية الجولانيين والجولانيات الجنسية الإسرائيلية في اضراب كبير عام 1982، قاموا به ضد قرار ضم الجولان إلى أراضي "اسرائيل"). لطالما اعتبر الجولانيون المجالس المحليّة مجالس غير شرعيّة تمثّل الاحتلال، ويعتبر التعامل معها تطبيعًا معه. ولكن مع انهيار المسلّمات، يقف أغلبية "الرماديين"، أمام خيار يطرح عملية "ديموقراطية" (كاذبة) لمؤسسة "خدماتيّة" داخليّة.

تطرح مسألة "الانتخابات" الذي يزمع الاحتلال إقامتها منعطفًا وخيارًا مصيريًّا جدًا أمام أهالي الجولان، وبالأخص "الرماديين" منهم: فإمّا التّصويت والمشاركة، والانخراط في مؤسسة الاحتلال وبذلك شرعنته، وإمّا الرفض والمقاومة، والتمسّك بالهويّة السورية رغم كل شيء. وهنا نرى أن الرافضين لهذا المشروع (الكثر!) يحاولون في خطابهم معالجة الشرخ الاجتماعي ومعالجة الضّياع العبثي  إثر ما يمرّ به الوطن السوري وتأثيره على الجولان، فنرى أن المؤيد والمعارض، والشاب والشيخ، والمتدين والعلماني، وللمرّة الأولى منذ الثورة، يجتمعون ويعملون معًا ضدّ هذا المخطط الجديد.  فهل سنعيد صياغة مسلّماتنا ونبني من جديد ديناميكيّاتنا المجتمعية؟ ونصنع "عقداً اجتماعيًا" جديداً أم سنغرق في هذه الحالّة العبثيّة أكثر؟

هذه التدوينة تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي رصيف22.
آرام أبو صالح

ناشطة سورية من الجولان المحتل، مقيمة في القدس.

التعليقات