مارادونا وعلاقته بإسكوبار وكاسترو والديانة المارادونيّة

مارادونا وعلاقته بإسكوبار وكاسترو والديانة المارادونيّة

مدون مصر

السؤال الذي يطرح نفسه دائما على مر العصور هو إلى أي مدى يمكن  لأي ظاهرة أن تؤثر في المجتمع المحيط، وما هو مدى قدرتها على التواصل والبقاء؟

هنالك أجوبة عديدة على سؤال متكرر ربما، مفاده: إلى مدى يمكن لأي ظاهرة، سواء كانت حدثًا أو شخصًا، أن تبقى حيّة في ذاكرة البشر؟ وأن تؤثر على عدد كبير من الناس؟ ولربما الإجابة تختلف وفقًا لتغييرات العصر، حيث أن اليوم، في ظلّ العصر الرقميّ، تُستنخ بعض الظواهر لتعود ومن ثم تختفي وتعود، دون أن تترك أثرًا بوجدان البشر، رغم ذلك، لا من قاعدة واحدة، والكثير من الاسثناءات.

هل بقاء ظاهرة أو شخص وتأثيره حيًّا لأن البشر يميلون إلى النوستالجيا؟ أم انتماء الشخص إلى عصر آخر ضمّ ملتبسات ومتغييرات عديدة، هو ما أبقاه حيًا، مقارنة بآخرين عاشوا نفس المرحلة وأدوا نفس الأدوار، بشكل أو بآخر، واختفوا دون ضجة.. لكن هنالك من زال يثير ضجة في هذا العالم، ويبقى نجمًا ساحرًا لا تُنفذ حيله ويروّج له دومًا، وهو: ديغو أرماندو مارادونا

عدد كبير من الباحثين لمسيرته، يرجعون ذلك التأثير لمسيرته الرياضية بكل ما حوته من جدل، بداية من خروجه من البوكاجونيرز كأغلى صفقة في تلك الفترة لمرتين (الأولى لبرشلونة في موسم 82-83، والثانيّة لنابولي في موسم 84)، إلى مسيرته الدوليّة التي بدأت بالمجد وانتهت بإنتكاسة مدويّة في مونديال 1994. لكن لربما هنالك جوانب أكثر إثارة، علاقتها بكرة القدم غير مباشرة، وترتبط بالعديد من الأحداث الاجتماعيّة والعلاقات التاريخيّة ذات الطابع السياسيّ، التي رسخت أسطورته عل المستوى المحليّ في الأرجنتين والإقليمي في قارة أمريكا اللاتينيّة ثم على المستوى العالميّ كأحد منتجات موجة العولمة، التي استطاعت استغلال تواجدها في نطاق أحداث معينة، لتفرض نفسها على الساحة بشكل متجدد.

إسكوبار، وتعاطي الكوكايين لأوّل مرة

وُجهت إلى العديد من اللاعبين دعوات للمشاركة في مباريات خيريّة، أو قًدّمت لهم دعوات من جانب زعماء سياسييّن وملوك، يمكننا ذكر على سبيل المثال كيف أوقف وجود بيليه في نيجيريا حربًا أهليّة كانت تتسبب في عدد مهول من الضحايا يوميًا، لكن حين يرتبط اسمك يوما مًا بواحد من أعتى المجرمين وأشهرهم، وهو بابلو إسكوبار؛ فإن الأمر يختلف تمامًا.

دعي مارادونا إلى قصر بارون الكوكاين الأوحد بابلو إسكوبار ليلعب جنبًا إلى جنب مع هيجيتا نجم كولومبيا آنذاك، عرض عليه مقابل مادي لا يمكن رفضه، وفرصة لرؤية تلك الجنة التي يتحدث عنها العالم أجمع.

دعي مارادونا إلى قصر بارون الكوكاين الأوحد بابلو إسكوبار ليلعب جنبًا إلى جنب مع هيجيتا نجم كولومبيا آنذاك، عرض عليه مقابل مادي لا يمكن رفضه، وفرصة لرؤية تلك الجنة التي يتحدث عنها العالم أجمع.

حينما وصل مارادونا إلى هناك، ظنّ أنه تم إعتقاله، لكن بعد أن قابل إسكوبار شخصيًا في مكتبه في مقابلة لا تزال محاطة بالغموض وتستعمل في الترويج لمارادونا حتى الآن، ربما تغير الأمر بالنسبة له، ومع رؤية ملاعب الجولف والحانات وملعب كرة القدم الضخم والملاهي والنساء، اطمأن للجوّ!

ما يصل من حديث إسكوبار لمارادونا هو أنه تحدث عن كيف يشبه الأرجنتينيّ الكولومبيّ في رحلة كفاحهما، فكلاهما بدأ من الحضيض ليصنع المجد، وكيف عبّر إسكوبار عن إعجابه بالموهبة الأرجنتينيّة، لا يذُكر غير ذلك من أية مصادر، لكن الأكيد أن تلك الزيارة كانت مؤثرة على مارادونا، فبعد شهور منها ضبط لأوّل مرة متعاطيا الكوكايين.

الكريسماس المارادوني

في كنيسة ديانة تهكميّة، وصل مارادونا في قلوب عدد غفير من الأرجنتينييّن إلى مرتبة القداسة، بدا الأمر وكأنه نكتة في البداية، لكن الكنيسة افتتحت بالفعل بروزاريو، و أقيم فيها أوّل كريسماس مارادوني بتاريخ 30 تشرين الأوّل/ أكتوبر، وهو يوم مولد مارادونا. لم يتحمل الناس الإحباط لنسختين من كأس العالم، وفي ظلّ ظروف سياسيّة خانقة، لم يجدوا إلّا مارادونا كبطل مخلص يوصموه بصفات الإله.

 إن تعاليم تلك الديانة المارادونيّة، فيها أسفار كأسفار النبي موسى، في مجملها تتأصل حول اتباع سلوكيات تحاكي سلوكيات مارادونا، ويحتفل بيوم 22 حزيران/ يونيو سنويًا كعيد في تلك الديانة، وهو تاريخ فوز الأرجنتين على إنكلترا بكأس العالم 86.

ولم تؤثر تلك الكنيسة في شعبيّة مارادونا داخل الأرجنتين فقط بالإيجاب، بل توسّع الأمر في جميع أنحاء العالم؛ اعتبرها بعض المنظرين ديانة كديانات الشرق، تليق بعصر العولمة الجديد، أجريت العديد من الأبحاث عليها ولا يمرّ عام حتى يقاس الإقبال عليها كأنالوج لشعبيته.

إن الأرجنتينيّين رغم كل هفوات مارادونا وتجاوزاته لم يجدوا غيره، لقد كانوا على استعداد أن يجمعوا قطع صورته المحطمّة من على الأرض ويلصقوها بالغراء ليبقى.

كاسترو وعلاج مارادونا

لا تكفي مرتبة القداسة في قارة كقارة أمريكا اللاتينيّة لتجعلك ثابتًا في الأذهان، فقد شهدت تلك القارة العديد من حركات الاستقلال، قادها زعماء ماركسيّين يحلمون بأوطان تتحدى النموذج الإمبرياليّ وتثبت لكل دول العالم الناميّة أن هنالك أملًا في التغير.

لذلك فقد كان الجميع منغمسًا في السياسة لفترة لا بأس بها، قادة سياسيّون أمثال فيدل كاسترو وجيفارا نالوا مكانة عظيمة في قلوب كل لاتيني وغير لاتيني من الثوريّين في العالملكن تلك الحركات للأسف لم تكتمل وفشلت في معظم الدول، لأن الفعل الثوريّ بطبيعته قصير الأجل في أغلب الحالات التاريخيّة،  لذلك فبعد اغتيال غيفارا، لم يبقى إلّا فيدل كاسترو على رأس كوبا محاولًا التصدي لهجمات العولمة المختلفة.

في العام 2005، قرر كاسترو إعلان التكفل بعلاج مارادونا من الإدمان بأحد المصحّات، مغطيًا تكاليف إقامته، وهذا أثار سؤال مشروع، ما الذي يمكن أن يربط بين زعيم ككاسترو ولاعب كرة قدم قضى معظم فترة نجوميته بأوروبا كمارادونا؟

في الحقيقة لم يخرج تفسير واحد مدمغ بالأدلة فيما يخص تلك الواقعة، لكن إن تناولنا كل العوامل، ربما أمكن لنا أن نصل إلى بعض الإستنتاجات المنطقيّة؛ أوّلًا فإن فيدل امتاز بوجود علاقة بينه وبين العديد من المبدعين الذين يشاركونه نفس الأفكار، فصداقته بإرنست هيمينجواي كانت قويّة إلى الحدّ الذي جعل هيمينجواي يبعث له بمسودات رواياته قبل نشرها، حتى أنه أيضًا كان في الكثير من الأحيان يأخذ بملاحظاته على تلك المسودات في الإعداد للنسخة النهائيّة، لذلك ربما هو اهتمام إنسانيّ بحت بموهبة كرويّة لم تتكرر.

ثانيًا، هنالك احتمال آخر، وهو أنها كانت مبادرة ذكيّة من كاسترو في دعم منتج لاتيني أمام الغرب،  في صورة مغايرة للمقاومة، فكاسترو بطبعه كان يكره المنتجات والشركات الأجنبيّة، وقد ظهر هذا جليًا في موقفه من الزيارات الأمريكيّة وإنتقاده الدائم لشركات عالميّة كشركة "كوكا كولا"، وفي حالة مارادونا، فربما كان الأمر مرتبطًا بكونه مثل إنجازًا للاعب لاتينيّ في أنّ يتفوّق على أقرانه الأوروبيّين باللعبة، ثم يعود إلى وطنه بعد طعنهم الطعنة الأدمى وأخرجهم من كأس العالم على أرضهم، ناهيك عن طريقة خروج مارادونا بالأساس والتي صوّرت كحملة غادرة.

أما بالنسبة لمارادونا، فبدا مستمتعًا بتلك الرعايّة، نراه مبتسمًا كلما أخذ صورة مع الزعيم الكوبيّ. ظهر في العديد من الصور مرتديًاتي شيرتمطبوع عليه صورة غيفارا، وحينما توفى كاسترو ظهر حزينًا للغاية، ملقبًا إيه بأبيه الثاني، وقد ترددت العديد من الشائعات بعد ذلك والتي تفيد أنه عاد لتعاطي الكوكاين بسبب وفاة كاسترو.

أقوال جاهزة

شارك غرددعي مارادونا إلى قصر بارون الكوكاين الأوحد بابلو إسكوبار ليلعب جنبًا إلى جنب مع هيجيتا نجم كولومبيا آنذاك، عرض عليه مقابل مادي لا يمكن رفضه، وفرصة لرؤية تلك الجنة التي يتحدث عنها العالم أجمع.

شارك غردفي كنيسة ديانة تهكميّة، وصل مارادونا في قلوب عدد غفير من الأرجنتينييّن إلى مرتبة القداسة، بدا الأمر وكأنه نكتة في البداية، لكن الكنيسة افتتحت بالفعل بروزاريو، و أقيم فيها أوّل كريسماس مارادوني

شارك غردفي العام 2005، قرر كاسترو إعلان التكفل بعلاج مارادونا من الإدمان بأحد المصحّات، مغطيًا تكاليف إقامته، وهذا أثار سؤال مشروع، ما الذي يمكن أن يربط بين زعيم ككاسترو ولاعب كرة قدم قضى معظم فترة نجوميته بأوروبا كمارادونا؟

مارادونا المثير للجدل

لم يفد أي دليل بأن مارادونا كان ثوريًا ماركسيًا، ولا يمكن أيضًا أن نجزم بالنفي أو الإثبات كونه اصطنع مشاعر مزيفة إتجاه الزعيم الكوبي، لكن على الجانب الآخر، فإن مارادونا لم يفكر طوال مسيرته إلا بالمتعة والمال؛ مواطن أرجنتينيّ فقير استغل موهبته ليتنقل بين أنديّة أوروبا في أغلى الصفقات قيمة، سرت عليه قواعد الصناعة الكرويّة الوليدة كما سرت على غيره، ولم يظهر له تصريح سياسيّ واحد قوي. رثا فيديل بعد وفاته كما يرثي أي لاتينيّ زعيمًا عظيما بقامة كاسترو، إن مارادونا مثل ذلك النموذج الحالم، الذي لا يملك الإستقلال بحلمه، فلا طاقة له للخروج من اللعبة العولميّة، إنه محكوم بلعبة قوانينها واضحة للجميع ويعمل وفق منظومة سعت لتوحيد كل الأطراف تحت لواء واحد، لذا فالقسوة في الحكم عليه ربما أيضًا مثّلت إجحافًا كبيرًا.

كثيرٌ ما يستغل مارادونا تلك المحطات، إما للحصول على المزيد من عقود الرعاية والإعلان أو مناصب رئاسة شرفيّة لأنديّة مغمورة تبحث رفع أسهمها. وبدا الأمر ملحوظًا بشدة في المونديال الأخير، خاصة و أن النظير الأزليّ، بيليه، لم يظهر في الأضواء إلّا مرة واحدة في صورة جماعيّة مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وسفراء الفيفا من رموز كرة القدم العالميّين، هنا أتت الفرصة كاملة لمارادونا للإنفراد بالمشهد، فلم يفوّت حدثًا إلّا وكان بطله على مدار منافسات البطولة وحتى تاريخ إعفائه من منصب سفير الفيفا على خلفية إشاراته البذيئة بمباراة نيجيريا، بداية من فيديوهات متداولة له وعينيه محمرتين، حتى رقصه، ثم نقله إلى المستشفى إثر تعاطي جرعة زائدة من الكوكايين.

و حتى مع إقالته، لم ينعكس ذلك الإعفاء بالسلب، حيث تسابقت وكالات الأنباء على إجراء لقائات معه، قدّم فيها نفسه صراحة كغيفارا كرة القدم مهاجمًا الفيفا ومتهمًا إياها بالفساد وتلقي الرشاوى لإعطاء روسيا وقطر حق استضافة كأس عالم 2018 و2022 بالتتابع. وما هي أيام حتى تم إعلانه رئيسًا شرفيًا لنادي آخر، وهو دينامو بريست البيلاروسي، ثم عاد لتدريب نادي مكسيكي محلي.

مارادونا لا يموت، سيظلّ اسما مثيرًا للجدل في كل المحافل الرياضيّة، ولن يتوقف الناس عن تقديسه حتى وصول البعض لمرحلة العبادة، كذبة نستلذ تصديقها دائمًا وأسطورة تبيعها لنا الموجة التجارية الممتزجة بنوستاليجا الثوريين والأبطال الخارجين عن القاعدة العامة.

هذه التدوينة تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي رصيف22.
يوسف الحريري

صحفيّ ومترجم وباحث مصريّ، مقيم بالقاهرة، يدرس الدراما والنقد المسرحيّ في كلية الآداب بجامعة عين شمس.

التعليقات