الشعر في زمن الهايبرِد

الشعر في زمن الهايبرِد

لماذا ينهمك رجال ونساء في صوغ نصوص على نحو مغاير للقول العادي؟ ما يتطلب لاحقًا أن ينشغل رجال ونساء في تفكيك هذه النصوص، والوصول إلى المقولة العاديّة، أو غير العاديّة المغطاة بغربال؟ ولماذا يقف رجل بكامل الاتزان، ليتمايل مع ابتسامات الحضور وهو يقول كلامًا عاديًا بأسلوب غير عادي، يدهش الآخرين فيدهشونه بالتصفيق استجابة لفن الحبكة؟

ربما ليكون الشعر، الشعر الذي أعده مادة الجمال، وليس مجرد أفكار مرصوفة في قصائد تطول وتقصر وفقًا للمدرسة.

ومن هذا المنطلق أجدني مشدودًا دائمًا للبدء بالشعر كمادة للجمال أو للفنّ، أجدني أصف الموسيقى المدهشة، والفيلم الصادم، واللوحة الجاذبة، والنحت العميق، والمرأة الجميلة، بالشعر..كما أن هناك اتصال دقيق ورقيق بين الشعر، كمعلِّم فطريّ للجمال، والذائقة كمهذبٍ ومربٍّ للسلوكِ، ليس السلوك الخاص فحسب، إنما العام.

في الإجابة عن سؤال الإضراب عن قراءة الشعر وتراجعها في الأفق العربيً تحديدًا، وارتفاع عدد قرّاء الرواية نسبيًا مثلاً، رغم أن "الشعر ديوان العرب"، فيمكن القول إن هذا طرحًا مخاتلًا، إذ إن القراءة بأشكالها منخفضة إلى حد رهيب في بلادنا، وأظنّ أن السبب هو تراجع الذائقة بتنازل الشعر عن منزلته في النفوس، فالقراءة تغيب شيئًا فشيئًا على الصعد كافة، نحن لا نقرأ  الأغنية بشكل مُرْضٍ، ولا نقرأ السياسة بشكل جيد، ولا نقرأ السينما كما ينبغي أو يبغي الصانع، حتى أفلام الكرتون بدأت منذ زمن بعيد تتحول إلى ثغرة ثقافيًة من شأنها الزج بأبنائنا إلى مستنقعات فكريًة تحد من قدرتهم على التفكير لاحقًا بشكل حرّ. فكيف سنتمكن من قراءة الشعر؟

لماذا يتحوّل مدرّس الأدب العربي أو الشعر، إلى رجل دين يشرح التاريخ الديني للدولة الأمويّة أو العباسيّة أو الفاطميّة أو الأندلسيّة؟

إنه الميل إلى الاستسهال، الذي يورطنا دائمًا في طرق لا تؤدي بنا إلى الركب.   

تقودني أسئلتي غالبًا إلى أن السبب في تردّي المنجز العربيً متعلق بالذائقة أيما تعلق، فلأن ذائقتنا في انحدار مستمر منذ قرون، لم نعد نملك القدرة على التفريق بين الصواب والخطأ، بين الخير والشر، بين التقدًم والتراجع،  وبين التثاقف والإمحاء الثقافيً، لم نستطع خلق منجز على أي صعيد كان، لأننا في حالة من الضياع تقضي بالجلوس وسط دائرة من الضاحكين علينا.

تخيّل لو أنك تفقد حاسة الذوق، وتلتف حولك دائرة من المزوّرين، ليقنعك أحدهم بأن الملح حامض، وآخر بأن السكر مر، وثالث بأن العلقم حلو، لا بدّ أنك ستثق بواحد دون غيره، وستمشي وراء تدليسه حتى لو نصحك بأن تلقي بنفسك في البحر، أو أنك ستصدقهم كلهم، فتفقد عقلك من شدة تناقضهم، وتذهب إلى البحر وتلقي بنفسك عن طيب خاطر.

هذه هي المشكلة، لكن ما الحل؟

حن لا نقرأ  الأغنية بشكل مُرْضٍ، ولا نقرأ السياسة بشكل جيد، ولا نقرأ السينما كما ينبغي أو يبغي الصانع، حتى أفلام الكرتون بدأت منذ زمن بعيد تتحول إلى ثغرة ثقافيًة من شأنها الزج بأبنائنا إلى مستنقعات فكريًة تحد من قدرتهم على التفكير لاحقًا بشكل حرّ. فكيف سنتمكن من قراءة الشعر؟

لا أظن الحل سهلًا، ولكن لماذا لا نبدأ بتدريس الفن والشعر للمرحلة الأساسيّة؟ لماذا لا نفعل ذلك بالطريقة المثلى، وكما ينبغي لها أن تكون؟

فالتاريخ يقول إن شعراء العرب كانوا فرسانًا، وتمكّنوا من نيل مرادهم، وحقوقهم تمام النيل، مثلما فعل الصعاليك، وامرؤ القيس، وعمرو بن كلثوم، ولكن، ماذا يعني كل هذا لطالب في المراحل الأساسيًة؟ لماذا نجبره على خوض غمار قصائد ليس ذات اتصال بواقعه، ما يجعلنا مضطرين لوضع فقرة "جو النص" التي تشرح له أسباب كتابة القصيدة، وظروف الواقعة التي حدت بالشاعر إلى كتابة هذا النص، ثم نجدنا مضطرين لإضافة فقرة "المعجم والدلالة"، لشرح كلمات القصيدة الوعرة، والتي ما إن يتخرج هذا الطالب، ويستخدمها في الكتابة حتى يقول له المدير: كفَّ عن استخدام المفردات المعجمية والتراكيب المقعرة؟!

أليس من الأجدى ترك هذه النصوص لأصحاب الاختصاص من الدارسين الجامعيين للأدب وتاريخه؟

ثم متى سنتخلى عن دراسة الجانب المسبب للنصوص، على حساب دراسة الأبعاد الفنيّة لهذه النصوص؟

لماذا يتحوّل مدرّس الأدب العربي أو الشعر، إلى رجل دين يشرح التاريخ الديني للدولة الأمويّة أو العباسيّة أو الفاطميّة أو الأندلسيّة أو أو أو، ويصف قادتها بالتابعين ليمنحهم وشعراءهم صفة القداسة في رأس الطلاب، دون الولوج إلى البنى الفنية لهذه النصوص وأهميتها؟!

هذا ما ورطنا في معارك حول أهلية قصيدة الحداثة وما بعدها ونحن في العام 2018، وهذا ما ورطنا في أزمات النقد المتواليّة، إذ إن نقادنا لا يمتلكون أدوات تفكيك القصيدة الحديثة، ما يجعلهم يلقون بتهمة عدم الأهليّة على الشعراء والقصائد، ليُظهروا أهليتهم.

إنهم يبحثون عن قصائد بعمائم وأثواب، في وقت صارت فيه القصيدة ترتدي الجينز، إنهم سروجيون وحذّاؤون في زمن سيارات الهايبرد.

أقوال جاهزة

شارك غرد إذ إن القراءة بأشكالها منخفضة إلى حد رهيب في بلادنا، وأظنّ أن السبب هو تراجع الذائقة بتنازل الشعر عن منزلته في النفوس.

شارك غردتقودني أسئلتي غالبًا إلى أن السبب في تردّي المنجز العربيً متعلق بالذائقة أيما تعلق، فلأن ذائقتنا في انحدار مستمر منذ قرون

شارك غردففي تقديري، إذا ما تمكنا من أن نعيد بناء الذائقة بشكل متحرر من عباءات الأجداد، سنتمكن من إنشاء مبنى ثقافي جديد، يتحكم بمناحي حياتنا كلها

ينبغي أن ندرّس الشعر لأطفالنا بترتيب زماني منطقي، نبدأ بما يلزمهم ويمسّهم، ثم نعود إلى التاريخ إذا اقتضى الأمر، كما ندرسهم الحساب قبل الرياضيات، والتربية الاجتماعية قبل التاريخ، والحروف قبل اللغة، يجب أن نبدأ بالأسهل فالأصعب، كي لا ينفروا منه كما يحدث الآن غالبّا، نبدأ بالشعر الحديث، ابن بيئتهم، ثم نذهب إلى تاريخ الشعر فنعلمهم شعر أبي تمام، والمتنبي، وامرئ القيس، فتنشأ ذائقتهم على الشكل الصحيح، ذائقة حيّة، وليست مجرد جثة لذائقة الأسلاف.

ففي تقديري، إذا ما تمكنا من أن نعيد بناء الذائقة بشكل متحرر من عباءات الأجداد، سنتمكن من إنشاء مبنى ثقافي جديد، يتحكم بمناحي حياتنا كلها، ويأخذها صعودًا إلى الركب العالمي، فهذا ما يحدث وراء حدودنا التي حولها الإنترنت إلى حدود وهميّة، رغم أنها ما زالت تمنع دخول بعض الكتب.

أيكفي هذا لنقول إن الشعر سيد الأشياء ومبتداها؟

هذه التدوينة تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي رصيف22.
سلطان القيسي

شاعر وكاتب فلسطينيّ من مدينة يافا، وُلد سنة 1987 في عمّان لعائلة فلسطينيّة مهجّرة، يحمل الجنسية الأردنيّة، ويحمل بكالوريوس في الأدب والنقد الإنجليزي من جامعة الزيتونة، عمل مترجمًا أدبيًا لرابطة القلم الدوليّة، كما يعمل مديرًا تنفيذيًا لدار موزاييك للترجمات والنشر والتوزيع، ويكتب في الصحافة العربيّة، شارك في مهرجانات عربيّة ودوليّة، وتُرجمت بعض نصوصه إلى الإنجليزيّة والتركيّة والفرنسيّة، صدر له مجموعتان شعريتان "أؤجل موتي" و"بائع النبي"، وكتابًا مترجمًا "الوطن – سيرة آل أوباما" عن مؤلفه جورج أوباما الأخ غير الشقيق للرئيس الأمريكيّ.

التعليقات