فيلم "عيار ناري": إعادة تشريح "جثة الثورة"

فيلم "عيار ناري": إعادة تشريح "جثة الثورة"

"الأرض كروية"، بهذه العبارة بدأت "روبي" في سرد ما دار بخاطرها عن الحقائق، أو ما نعتبره حقائق، وأخذتنا مع فريق عمل فيلم "عيار ناري" في رحلة إلى ثلاجة الموتى، وجحيم الأحياء.

جثة امرأة مقتولة، بدت وكأنها مدخل إلى شيء ما. شيء لا نعرفه. لكن الطبيب "ياسين المانسترلي"، عرفه بمجرد أن تحوّلت المشرحة إلى منزل القتيلة، حيث يدخل زوجها ويراها مع رجل آخر على رخامة المطبخ. وكما قد يكون بديهيّ، فالمرأة قُتلت بيد زوجها. لكن ليس هذا ما حدث. فالمشرحة التي تحوّلت إلى مشهد دراميّ عن الخيانة، مع رشفة كحول، وعقل طبيب شرعيّ لم يغيبه سوى واقعه الشخصيّ، أثبتت لنا العكس. نعم، أثبتت بما لا يدع مجال للشك أن الجثة لامرأة مُنتحرة، وليست مقتولة.

في المنتصف بين ماهو كائن، وما كان بالفعل، نُبحر سويًا إلى منطقة رمادية عنوانها "الحقيقة". عندما دخلت جثة الشاب "علاء أبو زيد"، لتستقر على نفس سرير التشريح، ويبدأ الطبيب رحلته في اكتشاف الطريقة التي قُتل بها. "طلق ناري من مسافة قريبة"، ويُسلم التقرير كغيره. لنبدأ رحلة الإبحار تلك، دون قارب نجاة واحد من الواقع الذي يغمرنا بحقائق متضاربة.

النبش والتنقيب في "قبر الثورة"

جمعة الغضب، موقعة الجمل، علياء المهدي، محمد محمود، كشوف العذرية، مجلس الوزراء، ومسيرة نسائيّة يُهجم عليها لتعود النساء إلى "بيوتهن"، "شهداء الثورة" جميعها بديهيات نتناولها بعفويّة. نحنُ ندافع عما كان، أمام ما هو كائن بالفعل. نُدافع بشراسة محو تاريخ جيل كامل من هؤلاء الذين واللاتي اتخذوا الثورة نقطة انطلاق، أو نقطة تحوّل. الثورة دُفنت، هذه حقيقة نكتشفها يوميًا بالقبض وأحكام قضائيّة تعسفيّة، وبفضاء عام مُغلق في وجوهنا. ونكتشف حقائق أخرى كذلك.

فالثورة التي كانت، مازالت حيّة في أذهان الكثيرات والكثيرين، رغم هذا الإغلاق. يجعلنا هذا نواجه حقيقة أن "النبش" لن يُغير حقيقة أننا محتجزين رهينة للحظة تاريخيّة مضت، ولكنه بالتأكيد سيُضيف أبعاد أخرى لهذه اللحظة. وأنه مُقيد، فأي محاولة للرجوع إليه ممنوعة إلّا لو أتمت حيلة ما للالتفاف على هذه القيود.

أقوال جاهزة

شارك غردنحن نحتاج أن يتسلل الشك إلى كل يقين آمنا به. وبحاجة إلى إعادة النظر إلى الحراك الثوري، باعتباره نتاج لديناميكيات وعلاقات قوة لم نشهدها قبلًا. نحنُ نواجه أنفسنا، ونواجه من هم على أرضيتنا "الثوريّة".

شارك غردكل واحد وواحدة منّا يملكون شهادة مختلفة عن "ثورة يناير" كحدث تاريخي. وتبقى الشهادات التي تتقاطع وتتشابه مُتسيدة.

شارك غرد نحنُ لا نُدافع عن الثورة. نحنُ ندافع عن أنفسنا التي تشكلت معها ومن خلالها. نحارب بقسوة التجربة تاريخ يتم تهميشه، لنكون أكثر قدرة على نعي الثورة

عندما يتسلل الشك إلى نفوسنا مع أبطال الفيلم، فإننا نوجّه أصابع الاتهام تجاه أقرب المقربين من "علاء أبو زيد". فتارة نشك أن صديقه قتله أثناء المواجهات الداميّة مع وزارة الداخليّة في ميدان لاظوغلي، وتارة أنه لم يذهب إلى لاظوغلي من الأساس.

نحنُ نعتبر الثورة تاريخًا كان. وقد كان حافلًا بحق. فتوالي الأحداث قبل أن يوقفها النظام الحالي، غيّر مفاهيمنا عن ذواتنا أولًا. شهداء الثورة، هؤلاء الذين قتلوا برصاص القناصة، أو بالضرب، أو بالسحل تحت عجلات سيارة دبلوماسيّة في شارع قصر العيني، هل هم شهداء بحق؟ مجرد طرح السؤال مستفز. مجرد التخيل بأن محاولات "الثورة المضادة"، وأجهزة الدولة السياديّة، مازالت تمحو آثار ما تبقى من الثورة ولو حتى في أذهاننا، تجعلنا ننظر إلى مبنى "الحزب الوطني" المُحترق في الصور، ونُعيد النظر الآن لنراه مختفيًا تمامًا. هل كان مبنى الحزب نفسه موجودًا؟

"الجيش والشعب إيد واحدة"؟

عندما انتشرت دبابات القوات المُسلحة مساء جمعة الغضب، لماذا حرقها المتظاهرون؟ لماذا لو كانت تدعي أن "الجيش والشعب إيد واحدة"، قبل أن يتحول الشعار عنوة إلى: "الجيش والشرطة والشعب إيد واحدة"؟ ولماذا نصدق ما رأته أعيننا المملؤة بالغاز وأنفاسنا المتلاحقة من الخنق؟

لماذا نُصدق أن أوّل ظهور لعلم التعدديّة الجنسيّة والجندريّة كان في حفل "مشروع ليلى"، ونتجاهل شهادات أصدقائنا أن العلم كان حاضرًا في ميدان التحرير أثناء ال18يوم؟

نحنُ لا نُدافع عن الثورة. نحنُ ندافع عن أنفسنا التي تشكلت معها ومن خلالها. نحارب بقسوة التجربة تاريخًا يتم تهميشه، لنكون أكثر قدرة على نعي الثورة وأنفسنا معها.

شاهد القبر "مُتحرك" و"ضد الرومانسية"

كل واحد وواحدة منّا يملك شهادة مختلفة عن «ثورة يناير» كحدث تاريخي. وتبقى الشهادات التي تتقاطع وتتشابه مُتسيدة. فالذين يعتبرون الثورة، ثورة ضد السلطوية، قد أعادوا انتاج تلك السلطوية مرة أخرى، ولم يسأل أحد كيف. وهؤلاء اللاتي تخيلنّ الثورة مثالية، قد صُدمن بواقع أن قضايا النساء ما زالت تتم تنحيتها من أجل «الأولويات السياسية».

حتى الجثث التي تم الزَج بها وسط الأحداث للحصول على تعويضات أسر الشهداء، تخبرنا أشياء عن سياسات التحايل على مؤسسات الدولة، للحصول على أي شيء، أي شيء من هذه المؤسسات التي سحقت الجثث حتى قبل الوفاة.

نحنُ أمام سيناريو مختلف من المقاومة، إن صح التعبير. سيناريو تُجبر فيه الدولة على الاقرار بأن لهؤلاء الأفراد حقًا على مؤسساتها، حتى لو تم انتزاع هذا الحق بطرق غير قانونية، أو صُنفت بأنها «غير أخلاقية» من قبلنا كأشخاص لم يختبروا يومًا واقع الاحتياج لدرجة التحايل بهذا الذكاء على منظومة مُهيمنة.

ما فعله «عيار ناري» كان خلخلة واجبة. نحن نحتاج أن يتسلل الشك إلى كل يقين آمنا به. وبحاجة إلى إعادة النظر إلى الحراك الثوري، باعتباره نتاجًا لديناميكيات وعلاقات قوة لم نشهدها قبلًا. نحنُ نواجه أنفسنا، ونواجه من هم على أرضيتنا "الثورية". فنزرع الشك والتساؤل في الثورة نفسها وفي كل بديهياتها، دون أن يكون الشك في نياتنا هو الأساس. فنترك الثورة وأحداثها كتابوه، لا أحد يجرؤ على نقده. ونُعيد بذلك كرّة احتكار الحدث، واحتكار التاريخ، وتهميش التأريخات الموازية. لو لم يفعل «عيار ناري» سوى إعادة كلمة «الثورة» إلى شاشات السينما في هذا التوقيت الخانق، لكفاه. ولو لم يفعل أبطاله سوى الإشارات بين الحين والحين إلى أن وزارة الداخلية مسؤولة عن قتل المتظاهرين، لكفاه. ولو لم يفعل القائمون عليه إلا تجنب أي ظهور لأفراد وزارة الداخلية مقابل مشاهد متفرقة من التظاهرات والهتافات على الشاشة، في وقت يتسارع فيه صناع السينما والدراما لتبييض وجه الداخلية، لكفاهم.

هل قُتل المتظاهرون؟ نعم. ولكن هل جميعهم قُتلوا برصاص الداخلية؟ لا نعرف. فحتى التحقيقات وتقارير الطب الشرعي كانت متضاربة لدرجة أنها أدت إلى أحكام بالبراءة في حق ضباط بالداخلية لهم سوابق في حوادث التعذيب والقتل. من المسؤول؟ المسؤول هو جهات التحقيق، والأجهزة التي محت تسجيلات كاميرات "المتحف المصري". المسؤول هو مَن زوّر التحقيقات والتقارير. المسؤول هو مَن محا أغلب فيديوهات قتل المتظاهرين من على "يوتيوب". والمسؤول هو مَن هدم مبنى "الحزب الوطني".

هذه التدوينة تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي رصيف22.
غدير أحمد

- ناشطة نسوية مصرية، وباحثة متخصصة في دراسات المرأة والنوع الاجتماعي.

كلمات مفتاحية
السينما رأي مدونة

التعليقات