حين اكتشفتُ باكرًا رغبتي بالرجال

حين اكتشفتُ باكرًا رغبتي بالرجال

أكاد أتذكر رغبتي الأولى كوميض بعيد. كالأحلام التي تأتي في ليل مؤرق وتموت على غفلة. لكنها كثيرة اللزوجة والدبق في ذاكرتي. مشارط تمزق جلدي الطري وتمر كتساؤل بات يكبر كل يوم في رأسي: لماذا لم ير أحد من عائلتي كل هذا؟ وكيف تملّصت إلى عمر الخامسة عشرة من اكتشافهم أني مثلي الجنس؟ أو كيف قاومت وحيدًا هذا الشعور القابض على قلبي، بأني بعيد عنهم. أعيش في غابة قصية ملأى برغبات شاردة.

كنت أصطنع، ككل الأطفال في هذا العمر، وجوهًا. أضعها كدفاع أوّلي عن النفس. عن براءة شديدة الوعي إلى خطورة اكتشافها. الهُويّة خطيرة حين نفك عقالها ونحررها رويدًا من جلودنا البيضاء، ونجلد أنفسنا بها. كأن نحس بذنوب معلّقة خلفنا وبروؤسنا أننا نرتكب الخطيئة. وأولى الخطايا أن نعرف أننا لا نشبههم وأننا أبناء مرآة أخرى.

كانت الرغبة المحرمة أن أفهم أني وُلدت في ضفة أخرى، يمقتونها ويحسون أنها حربهم. بدءًا من أخوتي ووالدي أولاد حارتي ووصولًا إلى قريتي ومدرستي الدينيّة. شعرتُ أني وحيد في كل هذا. أحاول عبور حقول ألغام. فبددت الخوف الذي صار كبيرًا بالرسم والقراءة. شاء الأدب أن يجعلني أحس بالعزاء، بأني لست وحدي وأن كل هذا الخوف سيموت يومًا ما. همّ الطفولة حينها أن تكتشف بذكاء أنك لا تشبههم وأنك تملك سرًا عظيمًا لا يجب أن يقتحمه أحد. كان لا بد لمعجزة أن تحصل كي تغير مفصلاً صغيرًا، ولكن بفعل الواقع فالمعجزات في بيتنا لا تحصل. على الرغم من أننا نعيش في أكاذيب الحكايات الدينيّة وعجائب الأولياء الصالحين. فما حصل فقط، أن وحشًا عرفته باكرًا اسمه الذنب، نبت في القلب. وتحوّل إلى أفعى عاشت في ارتباكات الآخرين وبين هواجسي مثل وحش بريء.

في ذاك الصيف اكتشفت أني أرغب بأيدي الآخرين وأرتبك من اللمس. كانت أصابع الشبان تحدث مسًّا خفيفًا في جلدي. تنفض عنه بياضه وبثوره. تنبش ارتعاشاته المتساءلة وخوفه الدفين. الرغبة صارت لاحقًا اكتشافًا آسرًا لمعنى أن أكون فردًا حرًا، يملك سلطة وحيدة وغير معلنة على جسمه. سلطة محرمة، كان عليّ إخفاء أشباحها عن عيونهم. وأضبضبها في ثيابي الولاديّة كأشياء مسروقة. كالدميّة التي سرقتها حينها ووضعتها في بنطالي،أنا الذي أحببت ألعاب البنات ولم أحبّ كرة القدم وأصوات الفتيَة وصراخهم المتأجج في الحيّ ولا عنفهم المجاني في اختلاق الحروب الصغيرة أو المعارك المتلاشيّة كأسراب الحمام فوق الأبنيّة الأسمنتيّة.

أقوال جاهزة

شارك غردلماذا لم ير أحد من عائلتي كل هذا؟ وكيف تملّصت إلى عمر الخامسة عشرة من اكتشافهم أني مثلي الجنس؟

شارك غردكانت صور الرجال بقضبان صلبة وأجسام عاريّة تأخذني طوال النهارات بعيدًا، إلى نهر بارد وبين أشجار أكيدينيا وروائح التراب.

شارك غردفي ذاك العمر، حين يكون لكل شيء لهفة واسعة مشبّعة بالأوهام، حلمت بأصابع أحمد سعدية، ابن حينا وبرائحة فمه المليئة بتبغ "سيدرز" وبشفاهه القرمزيّة وهو يمررها فوق بدني المرتجف.

بقيت رغبتي بالرجال يومها دبابيس واخزة تنخر عظامي الصغيرة وتحملني إلى عوالم متخيلة. عرفت "الفنتازم" من شاشة التلفزيون. من مشهد آسر في فيلم "الرغبة" لنادية الجندي. كنت في العاشرة حين رأيت أول مرة جسم ياسر جلال الطافح بالرجولة، محركًا صدره المشعر في الشاشة الصغيرة التي لم نعرف تحولاتها إلى عالم "الساتلايت" إلّا متأخرين.

تحوّل الأمر إلى لعبة سريّة. أتخيل رجال المصارعة والملاكمة، وأنا أهرب من صوت الشيخ الضرير عبدالحميد كشك، فكانت تمتزج عندي صورهم بأجسام رجال الإعلانات الفاتنة والفارعة الطويلة والعضلات المفتولة والرقاب الملساء مع صوت الشيخ الصارم وهو يلج بالوعظ ويذكر بعقاب جهنم. كانت النار بالنسبة لي، خوفي من مصير هالك بأن يكتشف أهلي أيضًا المجلة الأولى التي وجدتها لدى جارتنا المردليّة، وهي أول مجلة جنس رأيتها في حياتي. أخفيتها. كانت صور الرجال بقضبان صلبة وأجسام عاريّة تأخذني طوال النهارات بعيدًا، إلى نهر بارد وبين أشجار أكيدينيا وروائح التراب. كانت مخيلتي شبقة ومتوحشة. أبرع فيها بالهرب من جسمي النحيل وقسماته المرتعشة وانتقادات جاراتنا بأني ناعم ولا أجيد إلا الاختفاء. وكنت اختفي كالأطفال الذين لم تنبت لهم أظافر حادة ولم يتحولوا إلى ذئاب. نجاتي الوحيدة منهن/م، أني كنت أذهب إلى غابتي. أغذي مخيالي الطفولي بصور الشبان في إعلانات "البوكسرز" التي كان أشقائي يشترونها. فأجدني أنتظر بهجتهم بالكلاسين الجديدة بإخفائي الأغلفة المصورة.

أغذي مخيالي الطفولي بصور الشبان في إعلانات "البوكسرز" التي كان أشقائي يشترونها. فأجدني أنتظر بهجتهم بالكلاسين الجديدة بإخفائي الأغلفة المصورة.
وجدت المخبأ في مكان يرمون فيه حاجيات لن تستخدم إلا نادرًا. على الشرفة في الطبقة السادسة حيث عشنا. لكل ولد مكانه المخفي في البيت. وهناك كانت خطورة الرغبة تزداد في رأسي. وتهبه إلى مشاعر القلق.

في ذاك العمر، حين يكون لكل شيء لهفة واسعة مشبّعة بالأوهام، حلمت بأصابع أحمد سعدية، ابن حينا وبرائحة فمه المليئة بتبغ "سيدرز" وبشفاهه القرمزيّة وهو يمررها فوق بدني المرتجف. حلمت بجسده الترابي اليافع وبلمعان بشرته السمراء الداكنة وعينيه الواسعتين. وأخفيت رغبتي به كاملة إلى أيام الصيف، حين صرت أجذب شبان ضيعتنا خلف الأشجار. وأعلمهم كيف يطيرون رغباتهم فوق سماء القرية بلا خوف.

أجزم أن صيف العام 1998 كان مفترق طرق لحياتي الخاصة. وعيي الطفولي فتّح زهوره على الرغبات واللمس وخيال لم ينته إلى اليوم.

اللمبة الوحيدة

في صالون الحلاقة بعد أعوام فقط أطفأت اللمبة الوحيدة. العتمة غلفت كل أرجاء الصالون وكراسيه وعلب الماكياج والأمشطة المسننة و"الإكستنشين". فبدا كأنه مشهد من فيلم لبيدرو المودوفار.كان جالسًا بيننا. يده تلمس صديقي. وفمه في فمي. كنا ثلاثة. وحين ظهر الضوء. بقي فمه في الضوء مدهوشًا. يومها فهمت فهمًا تاماً ماذا تعني الحياة السريّة للرغبات.

كان جالسًا بيننا. يده تلمس صديقي. وفمه في فمي. كنا ثلاثة. وحين ظهر الضوء. بقي فمه في الضوء مدهوشًا. يومها فهمت فهمًا تاماً ماذا تعني الحياة السريّة للرغبات.
عرفتها من الشاب الذي جاء من "حوش العبيد" كي يمتع صديقي. فوجدت فمه في الظلمة يبحث عني. ثم علمني أن الخيانات لا هُويّة لها. ونحن خلقنا كي نعيش رغبات سريّة بعيدة عن الخوف ومشاعر الذنب.

خيانات حرّة

في الفيلم الذي شاهدته في صالة السينما بعد عشر سنوات في تولوز، تذكرت فم الشاب الأسمر ذاك. أخذتني حياة الزوجة السريّة إلى الرغبات التي لم أعشها كاملة. وراحت في النسيان. الرغبات الصغيرة التي تمضي كسحاب في غيم ضخم.

عاد إليّ علي وشجرة التوت عند الساعة الثالثة صباحًا. اهتزازها كان يشبه اهتزازات قلبي، خوفي حينها أن يكتشف أبي في اليوم التالي كل الحبات المتساقطة. وهذا ما حصل.

استمتعت مع علي مرارًا تحت شجر الضيعة. في بساتين التفاح والدراق. في المرة التي عرفني بها إلى صديقه أخذتنا اللهفة. صديقه الذي جاء في زيارة وأخذ رقمي سرًا، ونمنا لسنوات مع بعضنا. وعرفني إلى صاحبته. وبقيت أمارس الجنس معه سرًا. كنا نلتقي في المقهى. نجلس كلنا. يده على فخذي. يده الأخرى على الطاولة تمسك بيد صديقته. يد أخرى لي على فخذ علي. ويد علي في الخواء.

كنت أمارس الرغبات تلك بشجاعة. وأتعامل مع كل هذه الخيانات بالحرية التي تعلمتها.

علّمت كثرًا من عشاقي الحريّة. كثر لم يتقبلوها. ولم يتقبلوا سوى السجون. علمتهم وتركتهم لاحقًا كالعصافير، وبقيت متمسكًا بالحياة السرية لرغباتي.  

هذه التدوينة تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي رصيف22.
صهيب أيوب

كاتب وصحافي لبناني مقيم في فرنسا. عمل في صحيفة "الحياة" اللندنية وأسس مشروع "تعا نكتب" الهادف إلى تعميم الكتابة الإبداعية بين أوساط اليافعين، وينشط في مجال حقوق الإنسان والجندرة.

التعليقات