عن ماذا أكتب في مصر بمناسبة عيد ميلادي؟

عن ماذا أكتب في مصر بمناسبة عيد ميلادي؟

لن أكتب عمري الحقيقي هُنا، سأتغاضى عن ذلك. لا سأكتبه لاحقًا، لن أطبق حقيقة أن النساء لا يرغبن إخبار الآخرين عن أعمارهن الحقيقيّة. لماذا؟ ما هي المشكلة بأن أحكي كم أبلغ من العمر؟ من أين بدأ هذا المنع الجماهيري؟

أسئلة كثيرة تبادرت إلى ذهني، لذلك قررت أن أسألها بصوتٍ عالي كتهنئة شخصيّة بعيد ميلادي، خطوة لم أفعلها من قبل، لكني أستطيع الآن.

ماذا فعلتُ بسنواتي الماضيّة؟

ما لم أستطيع فعله هو التوقف عن التفكير في سنوات مضت، تحديدًا العشر سنوات الماضيّة، "هم عدوا إزاي"؟ تسألني صديقتي، وأسأل نفسي طبعا! ماذا فعلنا بهم عدا عن المرور بأحداث سياسيّة متشعبة ومضطربة وما تبعها من توجس وقلق وترقب. فترات صعود وهبوط نفسيّ، مشاعر حزن جياشة وفرح نادر، أحداث هنا وهناكتفاصيل كثيرة أريد أن أتذكرها، لكن كيف ذلك وتوابع تلك التفاصيل تركت خلفها كل هذه الندوب؟

حبّ الكتابة

لا أعرف كيف مضت تلك السنوات العشر أو غيرها، كل ما أتذكره هي تلك الطفلة الصغيرة التي يحملها والدها على كتفه ليوصلها إلى المدرسة، تنحصر كل مراحل الطفولة لدي في هذا المشهد. بعدها أصبحت شغوفة بالتعلّم، ولأننا نعيش في قرية صغيرة، فكل الأهل أو على الأقل معظمهم شغوفين بتعليم أبنائهم وبناتهم، مرددين فكرة ضرورة أن أكون من أول ثلاثة طلاب في الصّف والمدرسة والإدارة التعليمية، وأن أكون من الأوائل على قائمة الطلاب في جمهورية مصر العربيّة، كي أنضم إلى كليّة مهمّة.. وإلّا، سيغضب والدي!
ودرست في كليّة مهمّة، وحققت حلمي بأن أكون صحافيّة، ليس خوفًا من والدي، إنما حبًا بالكتابة

أقوال جاهزة

شارك غردلا من سبب محدد أستطيع الاعتراف به عن حبّي للكتابة، كما لا أعرف إن كان العصر الذي نعيشه مناسبًا لمثل هذا الحبّ. لماذا نكتب؟

شارك غردلا عمل حقيقي يجعلك تصارعين مابقي من العمر، لا وسيلة لتعبّر عن آرائك دون خوف، حتى "السوشيال ميديا" محاصرة. فمع كل تدوينة، تأتيك اتصالات يوميّة من أهلك وأقاربك ومعارفك مفادها: "إيه الي إنتِ بتكتبه على الفيس ده، هتروحي في داهية!“.

 

لماذا نكتب في مصر؟

لا من سبب محدد أستطيع الاعتراف به عن حبّي للكتابة، كما لا أعرف إن كان العصر الذي نعيشه مناسبًا لمثل هذا الحبّ. لماذا نكتب؟ وعن ماذا؟ عن غلاء الأسعار الذي جعلنا نلهث لكي نوفر أبسط الاحتياجات لأبنائنا وبناتنا؟ عن انتحار الشباب تحت عجلات المترو؟ عن وفيات يوميّة لشباب في عمر الزهور بنوبات قلبيّة مفاجئة؟ عن الضرائب المجحفة؟ عن المرتبات الثابتة والبطالة المتزايدة؟ أم نكتب عن البسمة التي اختفت من وجوه الناس في الشّوارع؟ السؤال الأهم هل نستطيع التعبير عن كل ذلك في إعلام مؤمم يعمل تحت سطوة أمنيّة؟

تخبرني إحدى الزميلات: ”عوزاكِ في برنامج جديد، برنامج سياسي.. عاوزين نتكلم عن الإنجازات والمشاريع العملاقة اللي بتنفذها الدولة وبلاش نقرب من أي حاجة تانية، ماشي؟ عصاية المجلس الأعلى للإعلام موجودة، يوقفوا البرنامج“.

أرفض الفكرة بسخريّة.

تجيبني: ”إنت كده مش هتشتغلي تاني!“

”مستقبلي ضاع"

صديقة أخرى، تخبرني: ”هو أنا مستقبلي ضاع، وتواصل في وصف حالها، فقد فقدت عملها بعد إغلاق القناة التي تعمل بها.. غير متزوجة، وبالتالي بلا أبناء وبنات. هي في منتصف العقد الرابع من عمرها، لا أحد يستطيع المساعدة بالفعل، يكتفي الجميع بسرد مأساته ومعاناته وكيف خسر وظيفته في مجال العمل الإعلامي مثلها، وذلك بعد إغلاق عدد من القنوات، والبعض الآخر يطلق العبارات المعروفة مثل: “الشغل كتير.. ده الراجل استلمها خرابة، أنتم عاوزينا نبقى زي سوريا والعراق؟“.

"إحنا جيل مظلوم" تقول صديقتي، لا أجيبها، لا أريدها أن تجرني للحديث عن واقعنالقد مررت بأيام صعبة الفترة الماضيّة، لا أريد أن أتحدث، سأتجاهل كل ما يضايقني، كلنا مرهقون نفسيّا، كلنا؛ أصدقائي أهليكما أن الغلاء الرهيب جعل الجميع في صراع أضاف بعض القسوة على طباعنا، لم نعد مثل السابق، قل الكلام وزاد التجهم.

لا عمل حقيقي يجعلك تصارعين مابقي من العمر، لا وسيلة لتعبّر عن آرائك دون خوف، حتى "السوشيال ميديا" محاصرة. فمع كل تدوينة، تأتيك اتصالات يوميّة من أهلك وأقاربك ومعارفك مفادها: "إيه الي إنتِ بتكتبه على الفيس ده، هتروحي في داهية!“.

الهجرة هي الحلّ؟

أغمض عيناي، أتخيّل شكل حياتي أنا وكل من أحبّ إذ نجحنا في الهجرة منالوطن". ما هو الوطن بالنسبة لي ولهم؟ هل هو الأرض فقط؟ أم الأحباء؟ أم المكان الذي يحترم إنسانيتي؟ لم أفكر في ذلك من قبل، لكن الآن تتملكني رغبة جارفة لأن أترك الأرض، وأقتلع قلبي منها لأبحث عن وطن أحسّ فيه بإنسانيتي، وأُربي أبنائي وبناتي على حبّ الحياة.

يقطع خيالي لمشهدالهروب الكبير من اللا وطنصوتٌ قادمٌ من بعيد لاحتفالات بعض الشباب بفوز محمد صلاح بجائزة "بوشكاش" لأحسن هدف، لنعلنها إذن جمهورية محمد صلاح.

أحاول العودة إلى المشهد المتخيّل وأنا أغنّي: ”متسرسبيش يا سنينا من بين إيدينا ولا تنتهيش/ ده إحنا يادوب ابتدينا/ واللي له أول بكره ح يبانله آخر/ وبكره تفرج مهما ضاقت علينا“.

لأعترف إذن، بلغت من العمر 33 عامًا بالتمام والكمال. رقم تاريخيّ وأحكيه للجماهير! وفي حياتي أشياء مميزة أريد الاحتفال بها، على الرّغم من أني لم أفهم يومًا فلسفة البشر بالاحتفال بأعياد ميلادهم! هل نفرح أم نحزن؟

لا أعلم، لكني أتمنى أن تكون الأيام القادمة، ألطف علينا، وأصفى، ونستطيع بها، كنساء، أن نعلن أعمارنا على العلن... وأشياء أخرى.

 

هذه التدوينة تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي رصيف22.

التعليقات