أزنافور.. لا، لم أنسَ شيئا أبدا!

أزنافور.. لا، لم أنسَ شيئا أبدا!

مدون إيران

صباحٌ باكر في بيروت، يحلو لي وأنا برفقة صديقتي أن نسمع الموسيقى وبكل متعة في العالم أشاهد أحدَ أفلامي المفضّلة: "الثامنة والنصف" لفيليني، صامتا، وأنا أدور في البيت بين خدر ونشاط، وبين طبخٍ وأصواتِ الشارعِ التي تعبئ مخازن بيوت الحيِّ بالماء وتنادي أبناءها بين شرفاتِ البيوتِ المطلّةِ على بيتنا، أطلّ على المقال الذي كنت أفكّر أن أكتبه منذ يومين: الموت حين يكون جميلا! والصورة التي أطلقتْني نحو ذلك، والأفكار والصور التي راودتْني بعدها، فتُفاجِئني صديقتي: "أه، مات أزنافور."

أفاجئ حاسوبي، فاتحة صفحة بيضاء، لأكتب: "لا، لم أنسَ شيئا أبدا!". لمرّة أخرى لا يكون الموت جميلا أبدا. وليس هو جميلا ذويُّ الأوراق تحت الشمس، وموتُ الكلمات الفائضة عن الحاجة في النصِّ وفي الحديث، وليس جميلا الغيابُ كما كنتُ سأكتب في المقال الذي تركته الآن، ولا حتّى موت المؤلف الذي ربّما كنت سأعتبره أجمل الميتات، أنا التي ما زلت غير قادرة على تطبيق نظرية بارت هذه على مؤلّفي الأغاني والنغمات التي تضع لحياتي الإيقاع.

أقوال جاهزة

شارك غردوكان أزنافور على غلاف القرص ينتظر معي حتّى يصل طهران ليرى كم ابتهج صديقي وأنا أقول له: "تذكرتُك هناك، واشتريتُه لليالينا"، وشجرة الرمّان في باحة بيتهما كانت قد أثمرت.

شارك غردلمرّة أخرى لا يكون الموت جميلا أبدا. وليس هو جميلا ذويُّ الأوراق تحت الشمس، وموتُ الكلمات الفائضة عن الحاجة في النصِّ وفي الحديث

قد يعود الإيقاعُ الأهمّ الذي وضعه أزنافور لحياتي إلى ليالٍ ليست ببعيدة كثيرا أي إلى ما يقارب أربع سنواتٍ قبل اليوم. كان صديقنا الشاعر الحبيب سِبانلو قد توفّي منذ بضعةِ أيام، ولم نجد أنا وصديقُ عمره عزاءً إلا أن نجلسَ كثيرا من الليالي في بيتهما المشترك، ونملأَ ليلَ طهران الفارغةِ منه بأبيات من الشعر، وذكرياتٍ، وأغانٍ فرنسية قديمة نحبّها كلانا؛ تعود إلى شبابهما.

وكم هو رهين الأغاني القديمة، شبابي! Non je n'ai rien oublié (لا، لم أنس شيئا أبدا)، كان أزنافور يعيدها علينا كل ليلة من تلك الليالي، نحن الذين لم ننسَ شيئا، بل ونؤكد لأنفسنا بأننا لن ننسى أيضا.

بعد فترة قصيرة سافرتُ إلى الجزائر، ومن كُشكٍ صغير لبيع الأقراصِ الموسيقية في "قسنطينة"، لاحَ لي وجهُ أزنافور على أحد الرّفوف خلف البائع، فاشتريتُها إلى جانب أقراص لإديت بياف، والشاب حسني، والمعطوب ونّاس. وكان أزنافور على غلاف القرص ينتظر معي حتّى يصل طهران ليرى كم ابتهج صديقي وأنا أقول له: "تذكرتُك هناك، واشتريتُه لليالينا"، وشجرة الرمّان في باحة بيتهما كانت قد أثمرت.

من سيعتني بأرواحنا حين تغيبُ كلّ مرةٍ، في القريب وفي البعيد، نجمةٌ كنّا حسبناها باقية معنا، نحن المقيمين في بوهيميا الذكريات كما كائنات الليلِ في كلّ مكان.

بعد فترة أخبرني صديقي بأن أزنافورَ قادمٌ إلى الجزائر لإقامة حفلٍ موسيقيٍّ، فقلتُ له: لابدّ أن أعود لأحضره. لكنّ الحفلَ أُلغي، والخبر ضاع بين الأخبار، وأمنيتي لحضورِ حفلٍ له بقيتْ، مثل نجمةٍ صغيرة وواثقة.

أعترف أنني قلّما ذهبت إلى الأغاني الفرنسية لأسمع أزنافور خصّيصا، لكنه كان دائم الحضور بين أقرانه الموسيقيين كلما عرّجتُ نحو هذه الأغاني، مثل كلمة لابدّ أن تكون لتكتمل الجملة. فأغنية لبريل، وثانية لموستاكي، وأخرى لِلاما، وهو إلى جانبهم، شكّلت لي كثيرا من النهارات والليالي وأنا في المقام وفي الطريق؛ على متن الطائرات والسيارات، ومشاوير المشي اليومية.

ثمّ وأنا على سرير المستشفى وأيام الحركة البطيئة والألم، ماذا كان سيعتني بتلك النبتة الهشّة التي كنتُها سوى تلك الأصوات في لغاتي الأحبّ؟

ومن سيعتني بأرواحنا حين تغيبُ كلّ مرةٍ، في القريب وفي البعيد، نجمةٌ كنّا حسبناها باقية معنا، نحن المقيمين في بوهيميا الذكريات كما كائنات الليلِ في كلّ مكان.

هذه التدوينة تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي رصيف22.

التعليقات