كيف علّمتني فتيات القرية التصوير الفوتوغرافي؟

كيف علّمتني فتيات القرية التصوير الفوتوغرافي؟

مدون تونس

جمعتني بالصورة الفوتوغرافية علاقة مركبة، فقد ولدت في بيت ليس فيه تلفزيون وليس بجدرانه غير صور لمنمنمات أو رسومات للسيد علي ورأس الغول وبعض الحكايات الشعبية. وحدث أن جاء ذات يوم بيتنا الريفي شاب غريب قدمه أبي بلقب مصور وأخذ يلتقط لنا الصور ونحن نقف وظهورنا إلى الجدار الطوبي. وكان يخيرنا بين أن نلتقط الصورة ووجوهنا إلى الأمام ووجوهنا جانبية. الحق أنني أعجبني الاختلاف وطلبت أن يلتقط لي صورة وأنا أنظر إلى الأفق فلا يظهر من وجهي إلا جانبه الأيمن، ما يشبه وضع المتهم.

الغريب أن ذلك الاختيار جرّ بقية إخوتي وأبناء عمي الذين كانوا بالبيت. فقد استقدمنا المصور من المدينة ليصور كل العائلة. بداية من أمي وأبي إلى آخر طفل وكنت طبعاً ذلك الطفل الذي انحرف بالصورة لينحرف معه نصف العائلة.

كنت وقتذاك في العاشرة تقريباً. وكان رقمي العاشر في العائلة ويحق لي أن ألعب كما أريد في الملعب. لم يعترض أبي على اختياري لأن الصورة لن احتاجها في أمر رسمي.

بعد ذلك دخلت بيتنا صور فوتوغرافية مثيرة. وجدتها صدفة محشورة في كتاب مهمل. كان يبدو أنها مخفية بإحكام وكانت ورقة يتيمة من مجلة بورنوغرافية. كانت مطوية أربع ثنيات وفي حالة يرثى لها من كثرة التداول بين الأيدي. وكانت الصفحة مقطعة إلى ثلاث صور لمشاهد مختلفة لوضعيات جنسية مثيرة، وكان أحد أبطال تلك المشاهد رجلاً أسود فشدّ انتباهي هذا الاختلاف بين البشرة السوداء القوية، وبقية الأجساد النسائية الطرية لتلك الشقراوات الشبقات.

ولأني كنت طفلاً في بيئة ريفية ليس فيها أشخاص سود البشرة عشت صراعاً غريباً، لا أريد أن أكون أسود، ولكنني في تلك المشاهد كنت أتمنى أن أصير ذلك البطل.

أقوال جاهزة

شارك غردوجدت أن كل تلك الوضعيات والكليشيهات التي علمني إياها مشغلي ومعلمي، لا معنى لها في تلك اللحظة المأزق. لأنني كنت مع جسد مختلف. جسد لم أتعود أن أتعامل معه قبل تلك الليلة.

شارك غردكنت طوال الوقت وأنا أنزل الجبل أفكر من هو ذلك المحظوظ الذي سترسل إليه بصورتها تلك التي كان يمكن أن يكون ثمنها رأسها والبارود في الساحة يلعلع.

استوليت على ورقة المجلة بالكتاب، وظللت لأيام أريد أن أتصالح مع ذلك الأسود لأنجح في تقمص دوره. فقد كانت الأجساد الشهية التي كان يضاجعها تدق في رأسي.

وخلال أيام بدا لي أنني ذلك الأسود نفسه، خاصة بعد أن ذكرت لي أمي أن جدي كان أسودَ، ويطلق عليه لقب "النيغرو"، وأنني لم أرث منه إلا أنفي الكبير. وهكذا تصالحت مع أنفي وصار إشارة واضحة إلى أنني من أصول إفريقية رغم تبدل لوني بحكم التهجين عبر السلالة.

كان يجب أن أتجاوز المراهقة لأبلغ العشرين عندما قررت أن أكون مصوراً فوتوغرافياً وذهبت إلى رجل غريب صاحب أستوديو وعرضت عليه خدماتي.

كان الرجل مشغولاً طوال الوقت بفريق كرة القدم، لذلك أوكل لي التصرف في المحل لأبقى فيه، وكان المحترفون نادرين جداً يأتون عادة مضطرين لأخذ صورة لاستخراج بطاقة تعريف. وحز في نفسي ألا أمارس مهنتي التي أحببتها.

كنت أجلس أمام المحل على كرسي أقرأ في كتابي عندما كانت تمرّ الفتيات اللاتي يشتغلن بمصنع الزربية، فنشأ عندهن فضول للتعرف علي وبدأن يترددن على المحل وكنت أعرض عليهن أن يلتقطن صوراً لهن. واقترحت يوماً ما دون استشارة مشغلي أن تلتقط جميع الفتيات، وعددهن أكثر من أربعين، صوراً وأن يدفعن عندما يقبضن بعد شهر أو شهرين، فوافقن وأجهزت على الأفلام الخاصة بالتصوير آنذاك كلها، وصودف أن تزامن ذلك مع العودة المدرسية وجاء مشغلي كعادته موسمياً ليجد أنني أجهزت على كل الأفلام فطردني.

لكن بعد يومين ناداني يشكرني لأن جميع الفتيات جئن بثمن صورهن وحقق أرباحاً لم يكن ينتظرها، غير أني رفضت العودة إلى العمل.

عدت إلى التصوير الفوتوغرافي بعد سنوات، ولكني كُلفت بأن ألتقط صوراً لحفلات الزواج التي تقام وراء الشمس، هناك خلف الجبال التي عادةً يرفض المصور صاحب المحل قبول عروضها. لكنني قبلت بتلك المهمات المستحيلة، وسلم صاحب المحل الجديد إلي كاميرا من نوع "زينيت" بعد أن اشترى هو كاميرا من نوع "كانون"، وأطلقني في الجبال كل اسبوع بعد أن تعلمت منه وضعيات شهيرة للعروس بالحناء لالتقاط الصور.

وكلما تعاقدت عائلة مع المصور وكان مكان الحفل بعيداً ووعراً، كانت تسند لي المهمات، فأقفز على جرار أو شاحنة أو بغل أو ألبس بنطالي العسكري وحذائي الرياضي، وآخذ هراوة وسكيناً في جيبي وأمضي وعلى كتفي الزينيت تلك الكاميرا الألمانية المسنة.

وكنت ذات ليلة ألتقط صوراً في أحد الأعراس الريفية البعيدة عندما انزويت في الظلام لأغير الفيلم فوجدت يداً تجرّني في العتمة، وتركض بي، واكتشفت في الطريق أنها يد أنثوية، ولم تمنحني فرصة للسؤال لأجد نفسي في كوم من التبن وفتاة أخرى تنتظرني. ولم أفكر إلا بأنني سأمارس الجنس مع أيّ من هاتين الفتاتين القويتين.

وفجأة باغتتني واحدة وهي في عقدها الثالث بأن علي أن ألتقط لها صورة ولمرافقتها، وأنها ستعطيني ثمنها، فتمالكت أعصابي والتقطت لهما صوراً وقدمتا لي كيساً بلاستيكياً بمئات الـ"ملاليم" يبدو أن كلاً منهما قضت الأسابيع والأشهر في جمعها. عدت إلى الحفل بعد أن ودعتاني وقالت إنهما سترسلان من يأخذ مني الصور وفهمت أنه علي أن أحتفظ بسرهما.

كان ذلك مشهداً لا يمكن أن أنساه؛ كيف تجرؤ فتاة في ذلك الواقع القاسي الذكوري لتخطف مصوراً فوتوغرافياً من الحفل ليلتقط لها صورة؟ كان ذلك درساً في الجرأة والقوة والشجاعة أقدمت عليه تلك الفتاة وصاحبتها. وكنت طوال الوقت وأنا أنزل الجبل أفكر من هو ذلك المحظوظ الذي سترسل إليه بصورتها تلك التي كان يمكن أن يكون ثمنها رأسها والبارود في الساحة يلعلع.

غير أن الدرس الحقيقي الذي علمتني إياه الفوتوغرافيا كان أثناء عودتي إلى نفس البيت الذي التقطت فيه صورَ عرس البنت البكر لعائلة فقيرة ويبدو أنهم استلطفوني فعادوا ليتصلوا بي لأؤمن صور زفاف ابنتهم الثانية.

غير أن ذلك لم يكن أمراً هيناً، ولم تكن المغامرة في الطريق، ولم يعد يعنيني أن ألتقي بخنزير آخر الليل أو أسمع عواء ذئب أو أتعرض للصوص، فقد أصابني خوف رهيب وأنا أمسك بالكاميرا محاولاً أن ألتقط صورة للعروس. كلما رفعت الكاميرا إلى وجهها تعرقت وارتعدت أصابعي وارتبكت. ووجدت أن كل تلك الوضعيات والكليشيهات التي علمني إياها مشغلي ومعلمي، لا معنى لها في تلك اللحظة المأزق. لأنني كنت مع جسد مختلف. جسد لم أتعود أن أتعامل معه قبل تلك الليلة.

كانت العروس تجلس بجانب عريسها تبتسم، بينما كنت مرتبكاً، وقد صارت الكاميرا ثقيلة جداً بيدي، وأنا أتابع وجهها ويديها. فكانت تظهر عليها آثار البهاق، والحناء لا تطبع على كفيها. التقطت لها صوراً بعيدة ثم أقفلت الكاميرا، ووضعتها في الحقيبة على كتفي.

انتظرت العروس بعض الوقت قبل أن تناديني وتطالبني ببقية الصور. ولما سألتها أي صور تريد، أعادت علي كل الوضعيات التي التقطها لأختها في عرسها؛ ومنها وضعيات اليد بالحناء. كنت أنظر إلى يديها وقد حشرت كفيها في قفازيْ الدانتيل وأتساءل كيف سأصور.

ثم فجأة استنجدت بالخيال. هناك شيء ما نبت في رأسي. رفعت الكاميرا وأخذت التقط الصور وأنا أتخيل الحناء سوداء جميلة على تيْنك الكفين. وبدأت أبتكر وضعيات جديدة لم أتعلمها في السابق من معلمي. هكذا حررني الخيال من ذلك الأسر وحررتني الفوتوغرافيا من إلزامية الكليشيه، وعلمتني كيف أتعامل مع المختلف دون عقد. لقد كانت الفتاة تتصرف بتلقائية بينما كنت أنا المعقد والمكبل بنظرتي القاصرة تجاهها، وأعتقد أنني سأحرجها إن طالبتها أن ترفع يدها لالتقاط صورة.

الآن أنا أصنع القصص وفي ذهني ذلك الامتحان الذي وضعتني فيه العروس ذات البهاق الجميل. لقد كنت أستحق تلك الصورة في وضع المتهم وأنا طفل. كلنا مدانون ما دمنا لم نصحح نظرتنا للعالم.

أقلب صور "ويني هارلو" الكندية السوداء التي صنفت كأول عارضة أزياء في العالم مصابة بالبهاق. كان جسدها يعلن عن نهاية مقاييس للجمال وإعلان أخرى، لتضع كل الأجساد غير المحظوظة بالبهاق في حرج.

هذه التدوينة تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي رصيف22.

روائي وناقد - إعلامي تونسي. مدرب ورشات الكتابة الابداعية. kamelriahi.wordpress.com

التعليقات